هذه الأرض التي تتدثر بخلجان البحر من جهاتها الثلاث على مسافة تقارب 370 كيلومترا وتدنو من جزيرة صقلية الإيطالية فلا يفصلها عنها سوى نحو 140 كيلومترا لم تكن مجرد جغرافيا ساكنة بل كانت دائما مسرحا لتمازج بشري فريد ومحطة حيوية تلتقي عندها ثنائية الاستقرار الفلاحي والانفتاح الملاحي وتزدان بـ 18 سبخة طبيعية تمثل ملاذا بيئيا للطيور المهاجرة وجسرا واصلا بين ضفتي العالم المتوسطي.
لم تكن هذه شبه الجزيرة منقطعة عن عمقها البري بل فتحت لها الطبيعة ممرات برية سهلت الحركة نحو الداخل التونسي يبرز من بينها ممر توبورنوك (Tubernuc) كحلقة وصل مفصلية يمتد على مساحة 15
كيلومترا وبعرض 3 كيلومترات بمحاذاة جبل مكي وسفح جبل الحاج جمعة قبالة سد المصري الحالي بمنطقة رمبالية ليربط في مظهر دفاعي وتجاري استثنائي بين 4 أقاليم رئيسية هي الوطن القبلي والقيروان في الجنوب الغربي وزغوان في الغرب وقرطاج في الشمال.
وفي عتمة العصور التي سبقت قرطاج كان فجر التاريخ الأمازيغي يبزغ فوق هذه الروابي حيث استقرت مجتمعات محلية ارتبطت بالأرض والزراعة المستدامة بفضل مناخ معتدل وتساقطات مطرية وعيون ماء متدفقة نائين بأنفسهم عن حياة الترحال القاسية في الفيافي الداخلية.
وتشهد مدافن الحوانيت المنحوتة في الصخور على كثافة بشرية وتنظيم اجتماعي متطور حاملة رموزا لعقائد بونية ونوميدية مبكرة تحاكي البعث والنوم الأزلي وهي تتوزع في جبل المنقوب بمحيط سيدي محمد الأطرش قرب بئر بوربة ومنطقة الحروري قرب قليبية وتحت زاوية سيدي سالم بمنزل تميم وقمم الهوارية.
ورغم ما طال هذه المعالم من نهب إبان الحماية الفرنسية فإن ما جادت به الحفريات من لقى خزفية وبرونزية وذهبية ونقود قديمة يؤكد انخراط هؤلاء السكان في شبكات التبادل الساحلي.
ينطبق هذا العمق البشري على موقع عين طبرنق وهي توبورنوك القديمة حيث ارتبط الاستقرار هناك بنشاط زراعي حول منبع مائي طبيعي دائم التدفق وعثر فيه الأثريون على نذر للإلهين ساتورن وكايستيس في معبد مفتوح بجوار النبع مما يجسد امتزاج العقيدة الأمازيغية بالمؤثرات البونية في تلك القرية المستقرة عند سفح جبل الحاج جمعة والتي طوعت مياه الجبال لري السهول.
ومع صعود نجم قرطاج تحولت شبه الجزيرة إلى خزان الغذاء والعمق الاستراتيجي الأول للإمبراطورية البونية حتى إن المؤرخين القدامى مثل ديودوروس الصقلي وبوليبيوس لم يخفوا دهشتهم أمام خصوبة هذه السهول فوصفوها بالجنان العامرة ببساتين الزيتون والكروم ومراعي الماشية والخيول في تجسيد حي لنظريات الفلاحة البونية التي خطها ماغون في موسوعته الشهيرة التي نقلتها روما لاحقا إلى اللاتينية.
هذا الرخاء جعل المنطقة مطمعا للغزاة فتعرضت للاجتياح والنهب خلال حملة الطاغية الإغريقي أغاثوكليس عام 310
قبل الميلاد وحملة القنصل الروماني ريجولوس عام 256 قبل الميلاد.
وتبقى مدينة كركوان الأثرية الشاهد المعماري الأشد نقاء على تلك المدنية البونية إذ هجرت بعد تدمير ريجولوس لها في الحرب البونية الأولى وفر من تبقى من سكانها غربا نحو الهضاب المجاورة ليؤسسوا تجمع تمزراط وهو لفظ لوبي قديم يعني الغرس وظلت المدينة مطمورة تحت التراب حتى اكتشفت مصادفة في بداية خمسينيات القرن 20 لتكشف عن تخطيط حضري بوني خالص لم تمسه يد الرومان يعكس مستوى معيشيا رفيعا ببيوتها المزودة بحمامات فاخرة وورش لإنتاج صبغة الأرجوان من قواقع الموريكس ومصانع الخزف.
وعندما سقطت قرطاج عام 146 قبل الميلاد أعاد الرومان هيكلة الإقليم ليصبح شبكة إنتاجية وصناعية متكاملة تخدم روما فبرزت حواضر كبرى لكل منها دورها الاقتصادي
كلوبيا (Clupea) وهي قليبية المعاصرة التي شكلت ميناء عسكريا وتجاريا محصنا لمراقبة الملاحة وتصدير الغلال وظلت تحتفظ بأساسات سورها البوني وخزاناتها الرومانية وفسيفسائها.
ونيابوليس (Neapolis) وهي نابل التي ارتقت إلى مرتبة مستعمرة قيصرية أغسطسية بعد أن دمرها القائد لوسيوس كالبورنيوس بيزو سنة 148 قبل الميلاد لولائها لقرطاج واشتهرت بصناعة الفخار وتمليح الأسماك وصنع صلصة الجاروم في أحواض عميقة يبلغ عمقها 2 متر واستمر حضورها الديموغرافي والديني حتى منتصف القرن 7 الميلادي حيث يعود آخر توثيق مدون لنشاطها الفكري إلى كتابات الأساقفة عام 646 ميلادي.
وفي أكيولاريا (Aquilaria) وهي الهوارية أقام الرومان موقعا استخراجيا ومرفأ شحن لقطع كتل الحجر الرملي ونقلها لإعادة إعمار قرطاج تاركين في مغاور الجبل تجاويف هندسية مربعة تشهد على قسوة العمل واشتهرت المنطقة أيضا بالصيد بالصقور.
كما ظهرت بوبوت (Pupput) في موقع الحمامات الحالي كقرية ريفية تابعة لمدينة سياغو (Siagu)بئر بوربة حاليا ثم شهدت في القرنين 2 و3الميلاديين نموا ديموغرافيا هائلا جعلها بلدية مستقلة تضم مسرحا ومدرجا وحمامات عمومية وحنايا مائية ومواجل ضخمة.
وبالمثل ازدهرت بلدية توبورنوك عين طبرنق في عهد الإمبراطور ماكرين بشبكة مائية وعمرانية شملت حمامات عمومية تعد من الأقدم في مقاطعة أفريكا وكابيتول مرتفع
بـ 3 غرف وفوروم صغير وسدا صغيرا وقناة لترويض مياه الجبل.
أما كوروبيس (Curubis) وهي قربص فقد غدت بلدية ساحلية تابعة لقرطاج مخصصة للاستشفاء بالمياه المعدنية الحارة والسياحة الترفيهية للنخبة عند السفوح الساحلية.
ومع حلول القرنين 5 و6 الميلاديين عاش السكان على وقع الصراع الوندالي البيزنطي مما دفع البيزنطيين إلى بناء قلعة متينة لحماية بلدة بوبوت الساحلية ووضع اللبنات الأولى لبرج قليبية الشاهق كمرقب استراتيجي لحماية المرفأ الذي
استغلته الأساطيل حتى القرن 16.
وبمجيء الفتح الإسلامي تغيرت الملامح الإدارية والدفاعية فأطلق العرب على الإقليم اسم جزيرة أبي شريك وتم تمصير بلدة بوبوت لتصبح قصر زيد.
وفي العصر الأغلبي صعدت مدينة منزل باشو كعاصمة إدارية وسياسية نابضة بالإعمار حوت جامعا جامعا وحمامات و3 رحاب فسيحة وأسواقا وقصر أحمد بن عيسى الأغلبي قبل أن تندثر معالمها ولا يبقى منها سوى مسجد وحيد.
ولصد الغزوات البحرية أنشأ المسلمون خطا دفاعيا على طول الشواطئ يضم 13قصراً ساحليا ورباطا عسكريا وبيوت مراقبة تسمى بيوت العسة اتخذها المتصوفون للرباط والعبادة ولم يبق منها سوى بقايا جدران في قربة ومنزل حر.
وفي هذا السياق خضع برج قليبية لتوسعات إسلامية متعاقبة أعادت استخدام الخزانات الرومانية وضمت أنقاض مسجد أغلبي عتيق ليصبح من أكبر القلاع العسكرية بمساحة تناهز 1.5 هكتار.
ثم جاء مطلع القرن 17 ليحمل منعطفا ديموغرافيا واقتصاديا حاسما تمثل في الهجرة الأندلسية الموريسكية إذ وجد المهاجرون في طبيعة شبه الجزيرة ظلالا لأوطانهم المفقودة في إيبيريا فاستقروا في مدن كاملة وأسسوا حواضر كمدينة سليمان وأحيوا زراعات وصناعات كبرى في نابل ومنزل بوزلفة و رمبالية وبني خلاد وقربة.
وامتزجت المعمارية الأندلسية بالبنية الإسلامية السابقة بشكل جلي في مدينة سليمان حيث تحول جامع البليدة الذي كان في أصله برج مراقبة عسكري أغلبي إلى مسجد جامع ومدرسة لتعليم القرآن ليكون نواة التأسيس للمدينة.
وشيدوا الجامع الكبير عام 1616 ميلادي بصومعة تحاكي الصوامع الأندلسية وسقف مزدوج من البناء والخشب المغطى بالقرميد لعزل الحرارة ومنبر أبنوس يتحرك على سكة حديدية كما اعتمدوا تخطيطا دفاعيا حواشيه مساجد جدارية بديلة عن الأسوار سميت بأسماء أبواب الاتجاهات 4 لحماية الحدود وهي مسجد باب تونس ومسجد باب المنزل ومسجد باب رمبالية ومسجد البليدة باب البحر.
وتجلى طابعهم في التخطيط السكني والأزقة ذات الممرات الضيقة المستقيمة التي تعلوها أروقة مسقوفة تسمى سباطات وأقواس وواجهات مزينة بالحجارة المنقوشة والجليز فضلا عن إدخال طاحونة الريح في سليمان كمعلم فريد لاستغلال طاقة الرياح في الطواحين المائية والزراعية.
نقل الأندلسيون معهم معارف هندسية متطورة في الري حوّلت السهول الشاسعة في منزل بوزلفة وبني خلاد وزاوية الجديدي إلى واحات غناء لإنتاج الحمضيات الفاخرة كالبرتقال والليمون البلدي والبرتقال المر وازدهر بها تقطير الزهور وصناعة العطور كمورد تصديري رابح.
كما يعود إليهم الفضل في إدخال زراعة الفلفل وتعميمها في تونس مع مطلع القرن 17 مما مهد لظهور صناعة الهريسة التقليدية التي ارتبطت بالوطن القبلي حيث ساهمت العائلات الأندلسية بالتعاون مع اليهود التونسيين لاحقا في تطوير أساليب تحويل الفلفل الحار وتخزينه كجزء من عادات العولة السنوية لتأمين المؤونة.
هذا التطور التاريخي الطويل يبرهن في نهايته على نجاح استثنائي لسكان شبه جزيرة الوطن القبلي في صياغة معادلة متوازنة بين الاستقرار الفلاحي والانفتاح البحري فلم تكن هذه الأرض يوما معزولة بل كانت بفضل موقعها وممراتها حاضنة بشرية مرنة استوعبت المكونات الأمازيغية والبونية والرومانية والبيزنطية والإسلامية الوسيطة وصولا إلى التدفق الأندلسي لينتج عن هذا التراكم نسيج اجتماعي فريد ذو إنتاجية اقتصادية وقدرة هندسية على ترويض المياه وحماية السواحل مما جعل الوطن القبلي نموذجا فذا للتكامل والتفاعل الديموغرافي المستمر في شمال إفريقيا.
تعليق على مقال