بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

إتحاف أهل اليقظة بخبر الأبواب المُستكتمة والزوايا المُستسلمة: في ذكر باب الغدر وخديعة الميزوني التي أوهنت عُرى السلطنة

2026-05-04 74 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
إتحاف أهل اليقظة بخبر الأبواب المُستكتمة والزوايا المُستسلمة: في ذكر باب الغدر وخديعة الميزوني التي أوهنت عُرى السلطنة
تونس في جوهرها ليست مجرد تراكم معماري أو تجمع بشري يمتد عبر الزمن بل هي نص جيوسياسي معقد ومفتوح على قراءات لا تنتهي حيث تتحول الحجارة إلى شهود على صراعات القوى والخرائط السرية التي رسمت مصير هذه الأرض في قلب المتوسط .
عندما نقترب من تشريح البنية الحضرية لتونس العتيقة وتحديداً في منطقة القصبة التي تمثل الدماغ السياسي والعسكري للدولة نجد أنفسنا أمام هندسة الخوف والمباغتة التي تجسدت في باب الغدر هذا المعلم الذي يختزل في تسميته ووظيفته فلسفة الحكم والهروب في آن واحد إذ لم تكن الأبواب في التاريخ التونسي مجرد منافذ للعبور بل كانت صمامات أمان تتحكم في تدفق النخبة والرعية وفق تراتبية صارمة تعكس طبيعة السلطة وتوجساتها الدائمة من الداخل قبل الخارج.

الحديث عن باب الغدر الذي يقع في الخاصرة الجنوبية الغربية للقصبة والمعروف رسمياً بباب سيدي عبد الله الشريف يتطلب غوصاً في سوسيولوجيا العمارة الدفاعية حيث تبرز ازدواجية الحماية الروحية والمادية.
فبينما يحمل الباب اسم ولي صالح لضمان البركة والشرعية الدينية نجد أن الوظيفة التقنية للباب كانت غارقة في السرية والبراغماتية العسكرية فهو لم يفتح يوماً للقوافل أو للعامة بل صُمم ليكون ثغرة النجاة للحكام والوزراء في لحظات الانكسار أو التمرد الشعبي ومن هنا نبعت تسمية الغدر في المخيال الجمعي التونسي منذ القرن الرابع عشر .
السلطة التي تحكم من وراء الأسوار تحتاج دائماً إلى مخرج خلفي يؤمن انسحابها بعيداً عن أعين الرعاع الذين قد يتحولون في لحظة جنون تاريخي إلى طوفان يهدد استقرار العرش وتلك هي المفارقة التونسية بامتياز حيث يقترن المقدس بالسرية وتتحول العمارة إلى أداة للمناورة السياسية.

عندما داهم الإمبراطور شارل الخامس أسوار تونس في عام 1535 لم يكن يبحث فقط عن نصر عسكري بل كان يفكك شفرة مدينة اعتقدت أن أسوارها حصينة ضد التحولات الكبرى.
وفي تلك اللحظة التراجيدية تحول باب الغدر والأنفاق المرتبطة به إلى مسارات للمأساة الإنسانية حيث يختلط التاريخ بالأسطورة حول باب السرداب الذي سمح للسكان بالفرار الجماعي من بطش القوات الإسبانية .
وهنا نلمس دقة التوثيق الذي قدمه الرسام كورنيليوس فيرمين الذي رافق الحملة وصور لنا تونس كجسد مكشوف أمام المدافع الحديثة بينما كانت الأبواب السرية التي صُممت لحماية النخبة تتحول إلى منافذ للهروب اليائس مما يعكس هشاشة البناء الدفاعي عندما يفتقر إلى الحاضنة الشعبية الحقيقية فالأسوار التي لا يحرسها وعي الناس تتحول إلى مجرد سجون حجرية تنهار عند أول مواجهة حقيقية مع التاريخ.
وفي سياق هذا التداخل بين الجغرافيا والسياسة تبرز قصة سيدي الميزوني كفصل من فصول المسرح السياسي التونسي الذي يمتزج فيه الواقع بالخيال الاستخباري حيث تصر الرواية الشعبية على أن الولي الصالح قدور الميزوني لم يكن سوى الضابط الفرنسي شارل ميزون Charles Maison الذي تغلغل في المجتمع التونسي بزي متصوف ليمهد الطريق
للاحتلال الفرنسي في عام 1881.
وبالرغم من أن البحوث الرصينة تؤكد أن الميزوني هو شخصية حقيقية تنتمي للزاوية القادرية بالكاف إلا أن أسطورة شارل ميزون تظل قوية لأنها تعبر عن خوف تونسي مزمن من الاختراق المعنوي والروحي فالمستعمر في العقل التونسي لا يأتي فقط عبر البوارج بل يأتي متخفياً في ثوب الدراويش ومستخدماً كرامات زائفة لتخدير الوعي الجمعي وتعطيل إرادة المقاومة.
الاختراق الحقيقي الذي قاده المهندس الاستعماري برنار روا لم يكن يحتاج إلى زرع جواسيس بملابس صوفية بل كان يعتمد على تكنولوجيا الاحتواء والفساد المنظم داخل بنية الزوايا الصوفية نفسها حيث تشير الوثائق إلى أن الزاوية الميزونية التي كانت تسيطر على نفوذ روحي واسع يمتد عبر الحدود التونسية الجزائرية قد تم تدجينها عبر منظومة من الامتيازات والمصالح الشخصية فبرنار روا لم يواجه الميزوني بالسلاح بل واجهه بالحصانة القضائية لحفيده مصطفى وبتسهيلات عقارية وإعفاءات ضريبية حولت الزاوية من حصن للجهاد إلى أداة لتمرير الفتاوى التي تمنع قتال الفرنسيين وتعتبرهم ضيوفاً يجب الترحيب بهم وهكذا سقطت تونس معنوياً قبل أن تسقط عسكرياً لأن الأبواب الروحية قد فُتحت من الداخل بمفاتيح المصالح الضيقة.

هذا التوظيف السياسي للمقدس يعيدنا إلى منطق باب الغدر في نسخته المعنوية فإذا كان الباب المعماري يؤمن هروب الحكام فإن الزاوية الميزونية أمنت هروب المجتمع من مسؤوليته التاريخية في الدفاع عن الأرض والسيادة وهنا تبرز عبقرية برنار روا الذي أدرك أن السيطرة على تونس تمر عبر السيطرة على خارطة الأولياء والزوايا حيث تم تحويل الولاية الصالحة إلى وظيفة إدارية تابعة للإقامة العامة الفرنسية مما أدى إلى تشويه مفهوم التصوف وتحويله من حركة إشعاع روحي ومقاومة اجتماعية إلى هيكل فارغ يخدم أجندات القوى الدولية في صراعها على النفوذ في شمال إفريقيا.

التحولات العمرانية التي شهدتها تونس العتيقة مع بداية القرن العشرين وإزالة الأسوار وتوسيع الطرق لتناسب نمط الحياة الأوروبي أدت إلى اندثار المعالم المادية لأبواب مثل باب الغدر وباب السرداب لكن التسميات ظلت باقية كوشم في الذاكرة الجماعية التونسية لتعبر عن حذر شعبي من كل ما هو سري أو مستتر .
التونسي الذي يمر اليوم بساحة القصبة قد لا يرى حجارة باب الغدر لكنه يستحضر في وعيه الباطن فكرة الثغرة التي يمكن أن يتسلل منها الخراب السياسي وتلك هي قوة الرموز التاريخية التي تتجاوز الوجود المادي لتصبح جزءاً من الشخصية الوطنية التي تشكلت عبر قرون من الحصار والمناورة والبحث الدائم عن التوازن بين الشرق والغرب.

وعندما نقرأ ما كتبه المؤرخ ابن أبي الضياف في إتحاف أهل الزمان نجد أن تونس كانت دائماً مدينة تعيش على إيقاع الأبواب فهي تفتح وتغلق وفق موازين القوى الدولية فمن باب البحر الذي يطل على الضفة الأخرى للمتوسط إلى باب الغدر الذي يطل على خبايا السلطة في القصبة تظل المدينة مختبراً للأفكار والتحولات الكبرى .
الميزوني في هذا السياق ليس مجرد اسم لشخص أو زاوية بل هو نموذج للمثقف أو الزعيم الروحي الذي يقع في فخ التبعية ويتحول إلى جسر يمر فوقه الاحتلال دون أن تراق قطرة دم واحدة وبذلك تصبح قصة الميزوني وشارل ميزون تحذيراً أبدياً من تغليب المصلحة الفردية على المصير المشترك ومن الركون إلى الحلول السهلة في لحظات الحسم التاريخي.
تونس التي بقيت أسيرة هذه الثنائيات القاتلة بين العمارة والسياسة وبين المقدس والمدنس تجد نفسها اليوم في مواجهة أبواب غدر جديدة بملامح حديثة تتجاوز الأسوار الحجرية لتصل إلى الفضاءات الرقمية والمنظومات الاقتصادية العالمية فالغدر التاريخي الذي كان يتم عبر فتحة سرية في السور بات اليوم يتم عبر اتفاقيات معقدة وقروض مثقلة بالشروط تعيد إنتاج نموذج سيدي الميزوني بصور مختلفة .
من هنا تأتي أهمية العودة إلى هذه التفاصيل الدقيقة في تاريخنا لا لمجرد البكاء على الأطلال بل لفهم آليات الاشتغال الاستعماري وكيفية تحصين الأبواب الوطنية ضد كل أشكال الاختراق والاحتواء التي تستهدف الهوية والسيادة.

في نهاية المطاف تظل تونس العتيقة بأبوابها المندثرة والباقية هي المرآة التي تعكس صراعاتنا وإخفاقاتنا وطموحاتنا وباب الغدر سيبقى يذكرنا بأن السلطة التي لا تحتمي بالناس هي سلطة غادرة بطبعها والزاوية التي لا تنتصر للحق هي زاوية ميزونية بالضرورة والتاريخ لا يرحم الذين يتركون أبوابهم مشرعة للريح بينما يغلقون قلوبهم وعقولهم عن فهم حركة الزمن وتحولات الجغرافيا السياسية التي لا تعترف إلا بالأقوياء والواعين بشروط اللعبة الدولية في هذا العالم المليء بالأبواب المغلقة والسراديب المظلمة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال