إننا نتحدث عن مأساة السيادة التي تم اغتيالها في وضح النهار بيد أبنائها المصطنعين، بيد الجنرال رستم والجنرال أحمد زروق هذين الكائنين اللذين لم يكونا مجرد ضباط عابرين بل كانا تروساً في آلة جهنمية صممت لخنق تونس وتحويلها من دولة ذات سيادة إلى مجرد ضيعة خاصة لبنك باريس وهولندا وقناصل الدول الكبرى.
انظروا إلى الخارطة الجغرافية والسياسية في ذلك الزمن ستجدون أن تونس كانت تعيش فصاماً نكداً بين قصر باردو الذي يتحدث الفرنسية والتركية والايطالية وبين الجبل والسهل الذي يتحدث لغة الجوع والقهر والتمرد.
الجنرال رستم، هذا القوقازي الذي اقتُلعت جذوره من جبال الشركس ليُغرس في تربة لا يفهم سرها كان يمثل العقل البارد للنظام المملوكي، رجل تخرج من مكتب المهندسين ليصمم لنا خرائط الموت لا خرائط البناء.
رستم لم يكن جندياً يحمي الثغور بل كان مهندس ضرائب وقائداً لمحلات التأديب التي كانت تنطلق من العاصمة لتجتاح الدواوير والقبائل كما تجتاح الجراد المحاصيل.
خطيئة أحمد باشا باي الكبرى لم تكن في رغبته في التحديث بل في استيراد قادة هذا التحديث من أسواق النخاسة، فكيف لعقل مملوكي نشأ على الولاء الأعمى للولي أن يستوعب مفهوم الوطن أو المواطنة!!!!!!!
هؤلاء المماليك كانوا طبقة عازلة، طبقة صماء لا تسمع إلا صدى صوت الباي ولا ترى إلا بريق الذهب الذي يُنتزع من جلود الفلاحين وهنا يبرز اسم الجنرال أحمد زروق ذلك اليوناني الذي تحول إلى إعصار من الرعب في الساحل التونسي، زروق لم يكن يمارس السياسة أو العسكرية بل كان يمارس سادية السلطة في أبشع تجلياتها، نظام التتيك الذي ابتكره لم يكن مجرد جباية بل كان عملية إبادة اجتماعية شاملة استهدفت كسر شوكة الطبقة الوسطى والمنتجين في المدن الساحلية، هل يمكن أن نتخيل أن جنرالاً في دولة تدعي التحديث يقوم بجر الشيوخ والعلماء مسلسلين بالأغلال خلف خيول عسكره؟!!!!!!
هل يمكن أن نتخيل أن قصراً فخماً كقصر زروق في المرسى قد بني من أموال المصادرات والنهب المنظم تحت تهديد السلاح والأفاعي السامة؟!!!!؟!!
إننا أمام عصابة دولية تلبس رتباً عسكرية وتتحدث باسم السيادة الوطنية بينما هي في الواقع ليست سوى وكيل تجاري للقوى الاستعمارية.
ثورة علي بن غذاهم في عام 1864 كانت لحظة الحقيقة
اللحظة التي صرخ فيها الإنسان التونسي في وجه المجبى وفي وجه المماليك لكن رد الفعل كان وحشياً.
رستم من جهة الشمال وزروق من جهة الساحل وكأنهم في سباق لإثبات من هو الأكثر ولاءً للقصر ومن هو الأكثر قسوة على الشعب، رستم الذي كان يدعي الثقافة والتحضر لم يتردد في حرق القرى وتحويل الشمال الغربي إلى ساحة إعدامات مفتوحة وزروق الذي كان يمثل اليد الضاربة لم يترك في صفاقس وسوسة والمهدية إلا العويل.
هذه النخبة المملوكية هي التي مهدت الطريق للاحتلال ليس لأنها كانت خائنة بالمعنى التجسسي التقليدي فحسب بل لأنها كانت خائنة بنيوياً لأنها دمرت الرابطة بين الحاكم والمحكوم وحولت الدولة إلى عدو للشعب وعندما تضعف الجبهة الداخلية وتصبح الدولة مجرد آلة قمع فإن السقوط أمام العدو الخارجي يصبح مسألة وقت ليس إلا.
رستم وزروق هما المهندسان الحقيقيان لبروتوكول باردو، هما اللذان أرهقا الخزينة بالديون والنهب ليفتحا الباب على مصراعيه للكومسيون المالي، تلك المقصلة التي وضعت رقبة تونس تحت سكين المصارف الدولية.
واليوم عندما نقرأ تاريخ هؤلاء لا يجب أن نقرأه كحكايات من الماضي بل كدروس حية في الجغرافيا السياسية فالمماليك ليسوا جنرالات بملابس قديمة فقط بل هم عقلية يمكن أن تتكرر في أي زمن، عقلية الاستقواء بالخارج لقمع الداخل وعقلية التحديث الفوقي الذي لا يرى في الشعب إلا أرقاماً في دفاتر الجباية.
رستم الذي هرب إلى إسطنبول وزروق الذي مات منبوذاً يمثلان نهاية كل من يبيع وطنه مقابل لحظة سلطة عابرة.
تونس كانت أكبر من أحلامهم الضيقة وأعمق من حقدهم الطبقي لكن الثمن كان باهظاً، أربعون عاماً من التيه المملوكي انتهت بثمانين عاماً من الاحتلال الفرنسي
فهل تعلمنا الدرس؟!!!!!
هل أدركنا أن السيادة تبدأ من عدالة الرعية لا من قصور المماليك؟ ؟؟؟!!!!!
قلمي لا يرحم هؤلاء لأن التاريخ نفسه لم يرحمهم ولأن آثار سياط زروق ودموع ضحايا رستم لا تزال محفورة في وجدان الأرض.
نحن بحاجة إلى فكر جراحي يستأصل هذه الأورام التاريخية لكي لا تنبت من جديد ولكي تبقى تونس لأبنائها لا للمستوردين ولا للمرتزقة ولا للذين يرون في الوطن مجرد فريسة وفي الشعب مجرد رعية مسلوبة الإرادة.
إن المأساة الحقيقية ليست في ضياع السيادة عام 1881 بل في ضياع الوعي بالسيادة منذ عام 1837 عندما سُلمت مقاليد الأمور لمن لا يحب هذه الأرض ولا ينتمي لترابها.
إنها قصة الخيانة الصامتة التي تلبست لبوس الحداثة وقصة النهب المنظم الذي تسمى إصلاحاً وقصة المماليك الذين ظنوا أنهم أسياد فإذا بهم مجرد أدوات في يد من هو أقوى منهم ولتظل ذكرى علي بن غذاهم ورفاقه هي المنارة التي تضيء طريق العزة وتبقى أسماء رستم وزروق في مزبلة التاريخ حيث تنتمي، لأن تونس الحرة لا تُبنى بقلوب من حجر ولا بعقول من رصاص.
إن الفكر الإصلاحي لا يكتفي بالرصد بل يذهب إلى جوهر العلة،التونسي أصيب بجرثومة التبعية يوم أن قرر البايات أن الأمن لا يتحقق إلا بالغرباء والازدهار لا يتم إلا بالديون فكانت النتيجة دماراً شاملاً أطاح بالعرش وبالدولة معاً.
رستم لم يكن إلا قناعاً لوزارة الحرب التي لم تحارب قط إلا التونسيين وزروق لم يكن إلا فماً جائعاً التهم مدخرات الأجيال فتباً لهكذا جنرالات وتباً لهكذا تاريخ يكتبه الجلادون.
نحن اليوم هنا لنعيد كتابة الحقيقة بدموع المظلومين وبغضب الأحرار لنقول للعالم إن مملكة تونس لم تسقط لأنها كانت ضعيفة بل سقطت لأنها كانت مخترقة من داخلها بيد نخبة مملوكية باعت الروح قبل أن تبيع الجسد
وهذه هي أم المآسي التي لا تزال تلاحقنا في صور شتى فاحذروا المماليك وإن لبسوا أفخر الثياب وتحدثوا بأرقى اللغات فإن تحت الجلود قلوباً لا تعرف الحنين ولا تقدس الوطن.
تعليق على مقال