بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تفكيك السيادة المُستعارة: من وهم الشرعية إلى هندسة التبعية في الدولة الحفصية المتأخرة

2026-05-04 93 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تفكيك السيادة المُستعارة: من وهم الشرعية إلى هندسة التبعية في الدولة الحفصية المتأخرة
في تلك اللحظة الفارقة من تاريخ المتوسط حين كانت الجغرافيا تتحول إلى ساحة قمار كبرى بين قياصرة الشرق وسلاطين الغرب لم تكن تونس مجرد مدينة تسكن خلف أسوارها بل كانت الفكرة والمبتدى والمنتهى في صراع لم يعرف الرحمة.
نحن هنا لا نقرأ تاريخاً ميتاً بل نستنطق سيادة جريحة تمددت فوق نصل الغدر وتقاطعت عندها شهوات الإمبراطوريات التي لا تغيب عنها الشمس.
عهد الحسن الحفصي أو مولاي حسن كما يتردد صداه في الأراشيف الأوروبية لم يكن مجرد مرحلة عابرة بل كان زلزالاً ضرب بنية الشرعية في المغرب الإسلامي حيث تحولت الدولة الحفصية من إمبراطورية إقليمية مهابة إلى كيان صوري، مسخ سياسي يستمد أنفاسه من رئتي حامية عسكرية أجنبية تتربص في حلق الوادي.

كانت تونس في مطلع القرن السادس عشر هي الجائزة الكبرى في لعبة الجيوبوليتيك العالمية.
فبعد أن سقطت غرناطة عام 1492 لم يكتفِ العقل الإسباني الكاثوليكي باستعادة الأندلس بل شرع في تنفيذ ما يمكن تسميته بالاحتواء الأمامي محولاً السواحل المغاربية إلى سلسلة من القلاع السجينة من المرسى الكبير إلى طرابلس. وفي المقابل كان البحر يغلي بصعود القوة العثمانية الفتية يقودها الإخوة بربروس الذين لم يكونوا مجرد قراصنة كما صورتهم البروباجندا الغربية بل كانوا مهندسي مشروع توحيد الشمال الأفريقي تحت راية الخلافة.
هنا، في هذا المفترق بدأت المأساة الحفصية.
فبينما كان خير الدين بربروس يرى في تونس قاعدة لصد الزحف الصليبي وإنقاذ الموريسكيين المهجرين كان السلاطين الحفصيون الغارقون في أوهام العظمة القديمة يتوجسون من نمو نفوذ الأتراك.
لقد كانت لحظة رفض السلطان الحفصي إمداد بربروس بالبارود أثناء حصار بجاية عام 1514 هي اللحظة التي انكسر فيها الإناء، لم يكن مجرد قرار عسكري بل كان تعبيراً عن نزعات شيطانية وأفكار سوداوية دبت في قلب السلطان نتيجة الحسد لتبدأ القلوب في التغير ويفتح الباب أمام صراع سينتهي لاحقاً بتسليم مفاتيح البلاد للعدو التاريخي.

صعد الحسن الحفصي إلى العرش على سجادة من دماء إخوته في مشهد تراجيدي أفقده الشرعية الأخلاقية قبل أن يفقدها سياسياً.
وبفرار أخيه رشيد إلى القسطنطينية منح الحسن العثمانيين الذريعة الذهبية للتدخل بوصفهم حماة الحق المغصوب. وبحلول عام 1530 كان الحسن قد أصبح ملكاً بلا مملكة محاصراً بسخط رعيته وتمرد القبائل العربية التي رأت في حكمه اغتصاباً للإرادة. وعندما دخل خير الدين بربروس تونس عام 1534 بتكليف من سليمان القانوني لم يجد مقاومة تذكر فقد استقبل التونسيون الأتراك بالترحاب ليس حباً في الأجانب بل هرباً من جور الحسن الذي فر باحثاً عن النجاة في حضن خصمه الوجودي شارلكان.

هذا اللجوء الاضطراري لشارلكان ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة كان بمثابة انتحار سياسي مغلف بوعود الاستعادة.
استغل شارلكان لغة الاستعطاف والتبعية التي صاغها السلطان بإيعاز من مستشاريه الجلادين ليجهز حملة صليبية ضخمة عُرفت بجورنادا دي تونس عام 1535.
كانت الحملة استعراضاً كونياً للقوة شارك فيها أساطير البحر مثل أندريا دوريا ودوق ألبا بتمويل ضخم من ذهب وفضة العالم الجديد المستباح.
لم يكن الهدف إعادة ملك تائه إلى عرشه بل كان تحويل تونس إلى مخفر متقدم للإمبراطورية الإسبانية.
وبعد حصار مرير لحلق الوادي سقطت العاصمة لتشهد تونس أبشع أيامها فيما عرف بخطرة الأربعاء.
مجزرة بشرية وثقافية أباح فيها شارلكان المدينة لجنوده فداسوا جامع الزيتونة بخيولهم ومزقوا المخطوطات النفيسة وقتلوا الآلاف من الأبرياء في محاولة صريحة لمحو الهوية العربية الإسلامية للمدينة.

ما تلا ذلك لم يكن استعادة للسيادة بل كان صك عبودية
قانونياً تحت مسمى معاهدة 6 أوت 1535.
أصبح الحسن الحفصي صنيعة إسبانية، مجرد موظف لدى التاج الإسباني يدفع الجزية السنوية من ذهب وخيول وصقور ويسلم الموانئ الاستراتيجية للحاميات المسيحية ويحظر دخول المهاجرين الأندلسيين الذين كانوا يمثلون عمقاً حضارياً للبلاد.
وفي أروقة أرشيف سيمانكاس تبرز تلك الرسائل الحزينة المكتوبة بلغة هجينة مكسورة تكشف كيف كان السلطان يتوسل لقائد حامية حلق الوادي بأن يكون جاراً طيباً وكيف كان يشتكي من ضيق ذات اليد وتوقف التجارة.
كان الحسن سجيناً في قصره يخوض حرباً أهلية ضد شعبه والقبائل الثائرة في القيروان وغيرها مستقوياً بمدافع الإسبان التي لم تكن تحميه بقدر ما كانت تراقب أنفاسه.
وحتى عندما حاول ابنه أحمد الحفصي لاحقاً أن يصحح المسار عبر انقلاب سمل فيه عيني والده، ظل محاصراً بنفس المعادلة المستحيلة.
حاول المناورة بين العثمانيين والإسبان لكن الزمن كان قد تجاوزه فالدولة التي تفرط في شرعيتها الشعبية من أجل البقاء في الكرسي تفقد في النهاية الكرسي والسيادة معاً.

وظل حصن حلق الوادي خنجراً في خاصرة البلاد حتى عام1574 حين قرر التاريخ إغلاق هذا الفصل الدامي.

وبقيادة سنان باشا تحطم الوهم الحفصي نهائياً وطُردت الحاميات الإسبانية لتتحول تونس إلى إيالة عثمانية مخلفة وراءها درساً قاسياً في التاريخ الدبلوماسي:
إن الحاكم الذي يفتح أبواب بلاده للغزاة ليستعيد ملكه لا يبني دولة بل يحفر قبره وقبر سلالته تاركاً وطنه ينزف سيادة جريحة لا تلتئم إلا بقطيعة كاملة مع زمن التبعية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال