بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المنسج والسيادة: جينالوجيا السجادة القيروانية من خراج الأغالبة إلى ثورة كاملة الشاوش

2026-04-21 327 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المنسج والسيادة: جينالوجيا السجادة القيروانية من خراج الأغالبة إلى ثورة كاملة الشاوش
في محراب التاريخ حيث تلتقي صرخة الفاتح عقبة بن نافع في عام 50 للهجرة الموافق لعام 670 للميلاد بصمت الرمال وهيبة القبلة الأولى لم تكن القيروان مجرد فكرة عسكرية أو مجرد مدينة من حجر وأسوار بل كانت قرارا استراتيجيا لإعادة هندسة الجغرافيا الروحية والسياسية في شمال إفريقيا.
حين نتحدث عن منظومة الزربية القيروانية والمرقوم والكليم فنحن لا نستعرض بضاعة نفعية أو أثاثا منزليا بل نحن أمام عملية تشريح بنيوي لنظام إنتاجي معقد نظام هو في جوهره نسيج للهوية وعملة سيادية صمدت عبر القرون.

السجاد القيرواني هو الوثيقة التي لم تحرقها الحروب ولم تمحها الهجرات بل هي الجينوم الثقافي الذي يروي قصة صعود وسقوط الإمبراطوريات من قلب إفريقية.

لنعد بالذاكرة إلى الوراء، إلى ذلك العصر الأغلبي الذهبي الممتد بين عامي 800 و909 للميلاد، حين كانت القيروان عاصمة العالم والمركز الحيوي الذي يربط بغداد بقرطبة.
في ذلك الزمن لم تكن المنسوجات مجرد رفاهية بل كانت جزءا عضويا من الخراج السنوي المقدس الموجه إلى خلفاء بغداد في العصر العباسي حيث تشير التقارير التاريخية والأرشيفية الرصينة إلى أن اقتصاد الأغالبة كان عملاقا بكل المقاييس بمداخيل سنوية ناهزت 26 مليون درهم، مما مكنهم من تحويل المنسوجات إلى أداة دبلوماسية قوية ورمز للسطوة الحضارية.
القيروان في ذلك الوقت كانت مختبرا بشريا يغلي بالعرب والفرس والبربر والروم وهذا الانفجار الديموغرافي خلق تنافسا جماليا لا نظير له حيث امتزجت التقنيات وتلاقحت الرؤى مما أدى إلى تجويد المنتج وتنميطه كسلعة فاخرة تليق بعروش السلاطين.
إن الجذور تضرب في أعماق العهد البونيقي والقرطاجي القديم حيث كشفت التنقيبات الأثرية في المقابر البونية عن مغازل يدوية وأدوات غزل تؤكد أن هذه الحرفة كانت منذ آلاف السنين رمزا للفضائل المنزلية والقدرة الإنتاجية للمرأة في هذه الأرض الطيبة لكن القيروان هي التي منحت هذه الحرفة صبغتها المؤسساتية والسيادية.

أما المنعطف التكنولوجي والسيوسيوثقافي الأكبر والذي يمثل الانكسار التاريخي المنتج في سيرة الزربية فقد حدث في عام 1830 للميلاد. في هذا العام الفاصل، ظهرت شخصية استثنائية هي كاملة بنت محمد الشاوش ابنة والي القيروان ذو الأصول التركية، والتي كانت بمثابة المهندسة التي أعادت برمجة الذاكرة الحرفية للمدينة.
كاملة الشاوش لم تكن مجرد نساجة بل كانت حاملة لرسالة تكنولوجية ثورية حيث قامت بنقل تقنية غرزة جورديس أو ما يعرف بالعقدة المتناظرة من هضاب الأناضول لتغرسها في تربة القيروان.
قبل عام 1830 م كانت المنسوجات القيروانية تعتمد على النسيج المسطح أو الوبر البسيط المستمد من الإرث الأمازيغي ولكن كاملة أدخلت مفهوما جديدا للسجاد ذي الوبر الكثيف والناعم مغيرة بذلك البنية التحتية للصناعة التقليدية برمتها. أدخلت كاملة الشاوش نظام الحقل المركزي والأشرطة المتوازية والزخارف النباتية والهندسية المتداخلة مما جعل الزربية الكاملة نسبة إليها تصبح المعيار الفني والجودة الفائقة التي تتسابق المتاحف العالمية اليوم لاقتنائها.
ومنذ ذلك الحين ترسخت العادة القيروانية بأن تقوم الفتاة بإهداء أول زربية تنسجها إلى مقام ولي صالح تيمنا ببركة كاملة الشاوش التي حولت الصوف إلى فن عالمي.

هذا الإرث العظيم وجد من يفك شفراته في العصر الحديث ففي عام 1973 للميلاد أصدر المؤرخ والأنثروبولوجي الفرنسي جاك ريفو كتابه المرجعي تحت عنوان تصاميم ونماذج من السجاد والمنسوجات في شمال إفريقيا.
ريفو الذي شغل منصب رئيس قسم الفنون التونسية لم يكتف بالوصف بل قام بعملية مسح راداري للهوية المنسوجة موثقا أكثر من 300 نمط وتصميم عبر أربعة محافظ فنية كبرى. لقد كشف ريفو أن الزربية القيروانية هي لوحة سيميولوجية معقدة حيث يتم استخراج الألوان من كيمياء الطبيعة الصرفة فالأحمر يأتي من حشرة الكوشينيل والأزرق من نيلة الهند والأصفر من قشور الرمان في عملية توازن دقيق لدرجات الحموضة تضمن بقاء اللون لقرون.
كما أشار ريفو ببراعة إلى أن الأبعاد المستطيلة للزربية لم تكن عبثية بل صممت لتتطابق مع معمار البيوت القيروانية التقليدية مما يجعل السجادة قطعة مكملة للهيكل المعماري والروح القيروانية التي ترفض الفراغ وتتمسك بالامتلاء الجمالي.

التشريح التقني لهذه المنظومة يكشف عن تنوع بنيوي مذهل يجمع بين الزربية والمرقوم والكليم.
الزربية القيروانية هي سيدة المنسوجات وهي سجاد ذو وبر قائم يصنع يدويا عبر عقد خيوط الصوف حول السداة وتتجلى قمتها في العلوشة التي تحافظ على ألوان الصوف الطبيعية من أبيض وبيج ورمادي وبني وأسود لتعكس الجذور الأرستقراطية والصفاء الطبيعي للمدينة.
أما المرقوم فهو النسيج المسطح الذي تسكنه زخارف الرقمة والمعينات الهندسية ذات الجذور الأمازيغية العميقة حيث الرموز ليست للزينة بل هي تمائم لرد العين وجلب الخصوبة بينما يمثل الكليم أبسط أنواع المنسوجات وأكثرها عملية بأشرطته المتوازية.
كل هذه الأنواع تعتمد على أدوات لها قدسية خاصة بدءا من القرداش لتسريح الصوف والمغزل لفتله وصولا إلى الخلالة الحديدية الثقيلة التي تستخدمها الحرفية لدك الخيوط بقوة وهي أداة تعد مستودع أسرار المرأة القيروانية خلال شهور العمل التي تتراوح بين 15 و 20 يوما من الجهد المتواصل لإنجاز قطعة واحدة في عملية إنتاجية تتطلب صبرا أنطولوجيا لا يتوفر إلا في الأرواح الحرة.

وفيما يخص الهيكل التنظيمي فإن الديوان الوطني للصناعات التقليدية يلعب دور الحارس للهيكل عبر دار الطابع حيث لا تخرج أي زربية للبيع الرسمي دون الحصول على الطابع الذي يحدد صنفها بناء على معايير صارمة تشمل صوفا صافيا بنسبة 100 بالمئة وكثافة غرز تتجاوز 40000 عقدة في المتر المربع.
هذا النظام هو الذي حمى عائلات كبرى وحافظ على سمعة القيروان كعاصمة للنسيج ومن هذه العائلات نذكر باحميدة وأروم ولطرش وبلعيد الذين سهروا على استقامة المعاملات في سوق الربع وسوق السراجين.
ومع ظهور النوع العصري المسمى ياسمين تابس في الثمانينات حاول الديوان مواءمة الأصالة مع ذوق السوق العالمية لكن التحديات تظل وجودية في عصر العولمة الجارفة، حيث ارتفعت تكاليف المواد الأولية ليصل سعر كيلو الصوف الخام إلى مستويات قياسية تناهز 100 دينار مما يهدد استمرارية الحرفة.

الزربية القيروانية اليوم هي صمود للخيط في وجه الزمن هي حكاية بدأت منذ عام 670 م وتطورت كفعل سيادي في عهد الأغالبة بين عامي 800 و 909م ثم انبعثت من جديد مع ثورة كاملة الشاوش في عام 1830 م وتوثقت علميا في عام 1973 م على يد جاك ريفو.
إنها الذاكرة التي ترفض النسيان حيث كل عقدة وكل غرزة هي توقيع لامرأة قيروانية صهرت وقتها وحياتها في سبيل بقاء هذه الوثيقة الحضارية.
بقاء القيروان كعاصمة عالمية للنسيج يعتمد على حماية هذا الإيكوسيستم من الاندثار لأن سقوط الخيط يعني سقوط الهوية والزربية القيروانية ستظل دائما هي المحراب الجمالي الذي نتعبد فيه في محراب الأصالة التونسية العميقة التي لا تقبل القسمة ولا التراجع.
عندما ننظر إلى كاملة الشاوش فإننا لا ننظر إلى امرأة نسجت صوفا بل ننظر إلى رائدة صناعية نقلت تكنولوجيا الشرق إلى قلب المغرب فقبل ثورتها كانت الزربية التونسية تفتقر إلى الكثافة التي تمنحها عقدة جورديس تلك العقدة التي تتطلب مهارة يدوية فائقة ودقة متناهية في الحساب فكل متر مربع يضم آلاف العقد التي يجب أن تكون متساوية في القوة والاتجاه.
كاملة الشاوش هي التي جعلت من الزربية القيروانية منافسا شرسا للسجاد الإيراني والتركي وهي التي وضعت القوانين غير المكتوبة للجمال القيرواني حيث المحراب المركزي يمثل قبلة الروح والحدود الجانبية تمثل حماية الأرض والزخارف النباتية تمثل تطلع النفس إلى الجنة.
إن تاريخ 1830 م هو تاريخ الميلاد الثاني للقيروان ميلاد الفن الذي يتكلم لغة الخيوط.

الاستراتيجية الشاملة لإحياء هذا الموروث يجب أن تنطلق من فهمنا بأن الزربية ليست مجرد منتج بل هي نظام معرفي كامل. من تربية الأغنام في مراعي القيروان والوسط التونسي إلى تنظيف الصوف بالماء والملح والشمس إلى الصباغة بالنباتات والأعشاب وصولا إلى دار الطابع.
الأرقام تتحدث عن تراجع في عدد النساجات
ولكنها تتحدث أيضا عن بقاء النوعية الرفيعة التي لا تزال تطلب في كندا وأوروبا والولايات المتحدة.
إن كلفة 100 دينار لكيلو الصوف هي صرخة إنذار بضرورة دعم هذا القطاع لأن ضياع الخبرة التي استمرت منذ عهد عقبة بن نافع هو ضياع لجزء من السيادة الوطنية.
الزربية القيروانية هي السفير الذي لا يحتاج إلى جواز سفر، هي القطعة التي تحمل اسم تونس إلى أبعد الآفاق وهي الشاهد الأخير على أن اليد التونسية هي يد مبدعة، مفكرة وصامدة تماما كما هو الخيط الذي يربط بين كاملة الشاوش وجاك ريفو وكل امرأة تجلس اليوم خلف المنسج لتروي قصة شعب لا ينحني.
القيروان هي الزربية والزربية هي القيروان.
لا يمكن الفصل بين المدينة ومنسوجها فالمباني والأسوار والقباب كلها تتكرر في زخارف السجاد والصبر الذي بنيت به القيروان في عام 50 للهجرة هو نفسه الصبر الذي تنسج به كل غرزة وكل عقدة في عامنا هذا.
إنها رحلة عبر الزمن تبدأ من خراج الأغالبة بـ 26 مليون درهم وتمر عبر أنامل كاملة الشاوش في 1830 م وتستقر في دراسات جاك ريفو في 1973 م لتبقى الزربية القيروانية شامخة تروي بـ 40000 عقدة في المتر المربع قصة حضارة لن تموت.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال