في تونس، كما في العديد من البلدان التي تمر بتجارب تعليمية معقدة، تتجاوز المدرسة كونها مجرد فضاء للتعلم، لتصبح مرآة للواقع الاجتماعي والثقافي والرمزي. لكن هذه المرآة غالبًا ما تكون مشوهة، إذ تواجه المدرسة ازدواجية بين ما هو مفروض عليها من نصوص تربوية مستوردة، وبين حاجات المتعلمين وواقع الميدان. هذه الثنائية تجعل المدرسة تبحث عن ذاتها، غير قادرة على إنتاج معرفة تنبع من داخلها.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى قراءة المدرسة من منظور الهووياتية، التي يمكن تعريفها هنا بأنها:
قدرة المدرسة على تكوين هويتها الخاصة، واستنباط معرفة حقيقية من داخلها، وليس مجرد استقبال نسخ جاهزة من الخارج. وعندما تُفقد هذه القدرة، تتحول المدرسة إلى فضاء للأداء الشكلّي، بلا روح أو تجربة حقيقية، فتضيع الهوية المدرسية بين النصوص النظرية والواقع الميداني.
علوم التربية والهووياتية: علوم لم تولد من الداخل
هل ولدت المدرسة من الداخل أم صُنعت من الخارج ثم تُركت تبحث عن ذاتها؟ قراءات من الداخل
1. الأصل المستورد للعلوم التربوية: التعليم كأداء شكلي
النظريات التربوية المستوردة غالبًا ما تُفرض على السياق المحلي كما لو كانت حلولًا نهائية، دون محاولة فهم حاجات المتعلمين والمعلمين. هذا يجعل المدرسة تطبق تعاليم خارجية تتحول إلى فضاء للتكرار أكثر من كونه منتجًا للمعرفة.
يشير Bourdieu & Passeron (1970) إلى أن النسخ المستوردة تعمّق الفجوة بين النصوص النظرية وواقع الميدان، وتحد من الإبداع المحلي. بينما يؤكد Morin (1999) على ضرورة ربط المعرفة بالنظام المعقد للواقع، وإلا ستظل المدرسة مجرد آلة لإعادة إنتاج نصوص خارجية.
2. غياب الجذور الداخلية: المدرسة بلا صلة بذاتها
غياب القدرة على إنتاج أدواتها ومفاهيمها يجعل المدرسة حبيسة برامج ومناهج مفروضة من الخارج، مما يفقدها القدرة على التأقلم مع المتغيرات الواقعية ويحوّل التعلم إلى أداء شكلي.
وفق Dewey (1916)، التعلم الفعّال ينبع من تجربة المتعلم والمجتمع، بينما يرى Morin (1999) أن غياب الصلة بين المعرفة والواقع يولّد معرفة مفككة لا تكوّن عقلًا نقديًا قادرًا على التعامل مع التعقيد الاجتماعي والثقافي.
هنا تظهر أزمة الهووياتية: المدرسة تفقد القدرة على بناء هويتها الداخلية، فتصبح نسخة مقلدة، متأثرة بالمعايير الخارجية أكثر من كونها مؤسسة متجذرة في الواقع المحلي.
3. هشاشة المعرفة المطبقة: حفظيات بلا معنى
المعرفة المعلّمة كنصوص جامدة تصبح بلا جدوى إذا غاب السياق الواقعي، فيتحول التعلم إلى عملية حفظية شكلية. يوضح Illich (1971) أن التعليم الرسمي غالبًا ما يُستخدم لإعادة إنتاج المعرفة النظرية بدل تطوير القدرة على التفكير النقدي والإبداعي.
يشدد Morin (1999) على أن التعلم يجب أن يكون نظاميًا ومعقدًا، متصلًا بالواقع الاجتماعي والثقافي، وإلا سيظل المتعلم متلقيًا جامدًا للنصوص، بلا قدرة على تشكيل معارفه وفهم العالم.
4. الأركيولوجيا الفكرية: كشف الطبقات المخفية للهوية المدرسية
المدرسة ليست مجرد ناقل للمعرفة، بل فضاء متوتر بين فرضية نظرية وفعل تربوي محدود القدرة على التنفيذ.
منهجية الأركيولوجيا الفكرية، كما طرحها Foucault (1969)، تكشف التناقضات بين النصوص الرسمية والواقع المدرسي، بين الانضباط المفترض والفوضى الميدانية، وبين ما يُعلّم وما يُمارس فعليًا.
هذه القراءة تتيح فحص أزمة الهووياتية: المدرسة تُركت تبحث عن ذاتها وسط نظام مركزي صارم ونصوص نظرية جامدة، فتتلاشى قدرة الفاعلين الحقيقيين – المعلمين والتلاميذ – على إنتاج معرفة حية متجذرة في الواقع.
5. الهووياتية المفقودة: المدرسة تبحث عن ذاتها
فرض النظريات من الخارج يجعل المدرسة حائرة، فتتفكك الهوية التربوية ويجد التلميذ والمعلم أنفسهم في صراع بين ما يُفرض وما يحتاجونه.
يشير Freire (1970) إلى أن التعليم بهذه الطريقة يكرر الواقع بدل أن يشكّله، بينما يؤكد Morin (1999) أن غياب النظرة الشمولية يحرم المدرسة من بناء عقل نقدي قادر على مواجهة التعقيد الاجتماعي والثقافي.
بعد التعريف الملزم في المقدمة، يمكن استخدام مصطلح الهووياتية مباشرة في التحليل، لتدل على قدرة المدرسة على بناء هويتها الخاصة واستنباط معرفة حقيقية، بعيدًا عن النسخ الجاهزة. وعندما تُفقد هذه القدرة، تتحول المدرسة إلى فضاء للأداء الشكلّي، بلا روح أو تجربة حقيقية.
خاتمة: المدرسة تصنع ذاتها أو تظل نسخة مستوردة؟
إذا كانت المدرسة لم تولد من الداخل، فهل يمكن إعادة بناء جذورها لتصبح متصلة بالواقع المحلي وحقيقية في وظيفتها؟
هل ستظل علوم التربية مجرد نصوص مستوردة، أم يمكن تحويلها إلى أدوات لإطلاق الإبداع والفهم العميق لدى المتعلمين؟
كيف يمكن للمعلم أن يتحرك بحرية بين النصوص النظرية وواقع الميدان، بحيث تصبح المعرفة تجربة حية وليست مجرد أداء شكلي؟
هل يمكن للمدرسة أن تصنع هويتها بنفسها، أم سيظل النظام التربوي يمارس عليها الوصاية الفكرية؟
أين تكمن المعرفة الحقيقية: في الكتب والنظريات، أم في صميم الحياة اليومية للمدرسة؟
الجواب يكمن في قراءة الواقع بعمق، وربط النظرية بالممارسة، وإتاحة فضاء للتجربة الحية داخل المدرسة، بحيث تتحول المدرسة من نسخة مقلدة بلا روح إلى فضاء إنتاج للمعرفة والهوية.
المراجع:
1. Foucault, M. (1969). L’archéologie du savoir. Paris: Gallimard.
2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. Paris: ditions de Minuit.
3. Dewey, J. (1916). Democracy and Education. New York: Macmillan.
4. Illich, I. (1971). Deschooling Society. New York: Harper & Row.
5. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Herder and Herder.
6. Morin, E. (1999). La tête bien faite: Repenser la réforme, réformer la pensée. Paris: Seuil.
علوم التربية والهووياتية: علوم لم تولد من الداخل - هل ولدت المدرسة من الداخل أم صُنعت من الخارج ثم تُركت تبحث عن ذاتها؟ قراءات من الداخل.
2026-03-26
14 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال