بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

علوم التربية: من أكسيوم التأسيس إلى لاهوت الممارسة - أركيولوجيا الفجوة بين النظرية والممارسة

2026-03-16 75 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لقرنٍ كاملٍ تقريبًا، كتبت علوم التربية آلاف الصفحات عن كيفية التعليم. غير أن المفارقة اللافتة أن المعلم، داخل القسم، ما يزال يبتكر يوميًا طرقًا للتعليم لم تذكرها تلك الصفحات قط. فبين ما تقوله النظريات وما يحدث فعليًا داخل الفصل، تظهر مسافة خفية لا تُرى بسهولة في النصوص الأكاديمية.

قبل أن تتحول علوم التربية إلى مجال أكاديمي رسمي، كانت التربية فعلًا اجتماعيًا حيًّا يتشكل داخل الحياة اليومية للأسر والمؤسسات التعليمية التقليدية، حيث تنتقل المعرفة والقيم والمهارات عبر التجربة المباشرة. لم تكن التربية آنذاك مجرد تقنية للتعليم، بل سيرورة اجتماعية يتداخل فيها التعلم مع السلطة والانتماء والثقافة.

غير أن دخول التربية إلى الحقل الأكاديمي غيّر طبيعة هذا الفعل. فقد تحولت تدريجيًا من خبرة يومية متغيرة إلى خطاب نظري يسعى إلى صياغة «أكسيومات» عامة للفعل التربوي، قواعد يُفترض أنها صالحة في كل زمان ومكان، حتى عندما لا تشبه الواقع المعقّد الذي يعيشه المعلم والتلميذ داخل الفصل.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي:
كيف تشكّلت الفجوة بين النظرية والممارسة داخل علوم التربية، وما الذي تمّ إسكاته من واقع الفعل التربوي حين تحولت التربية من خبرة يومية حيّة إلى خطاب نظري يسعى إلى تنظيمها؟

علوم التربية: من أكسيوم التأسيس إلى لاهوت الممارسة
أركيولوجيا الفجوة بين النظرية والممارسة

1. من أكسيوم التأسيس إلى لاهوت الممارسة:

يمثل الأكسيوم في علوم التربية القواعد النظرية التي تُقدَّم باعتبارها مسلّمات عامة تؤسس للفعل التربوي. وغالبًا ما تُستمد هذه الأكسيومات من الفلسفة أو علم النفس أو العلوم الاجتماعية الكبرى، حيث تُستخدم لبناء تصور مثالي للتربية ولعملية التعلم. فقد سعت العديد من النظريات التربوية إلى صياغة مبادئ عامة يمكن اعتمادها في تنظيم العملية التعليمية، كما يظهر في أعمال جون ديوي (John Dewey, 1938) حول التعلم من خلال الخبرة، أو في محاولات جيروم برونر (Jerome Bruner, 1966) لبناء نظرية للتعليم تقوم على بنية المعرفة وتنظيمها.
غير أن هذه الأكسيومات، حين تنتقل من مجال التفكير النظري إلى مجال السياسات التعليمية والنصوص البيداغوجية الرسمية، تميل أحيانًا إلى التحول من أدوات للفهم إلى قواعد معيارية يُفترض تطبيقها كما هي داخل الفصل. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بلاهوت الممارسة: أي اللحظة التي تتحول فيها المبادئ النظرية إلى يقينيات تربوية يصعب مساءلتها، حتى عندما لا تنسجم مع تعقيد الواقع المدرسي. ولا يشير مفهوم اللاهوت هنا إلى الدين بالمعنى الحرفي، بل إلى حالة من تقديس النظريات التربوية حين تتحول من أدوات تفسير إلى مسلّمات غير قابلة للنقد.
غير أن الحياة اليومية داخل القسم تكشف صورة مختلفة تمامًا. فالمعلم يبتكر باستمرار، والتلميذ يتفاعل بطرق غير متوقعة، وتتشكل داخل الفعل التربوي معرفة عملية لا تنبثق من الأكسيومات النظرية بقدر ما تنبثق من مواجهة الواقع نفسه. وهو ما أشار إليه دونالد شون (Donald Schn, 1983) حين تحدث عن الممارسة المهنية بوصفها مجالًا للتفكير داخل الفعل، حيث تتولد المعرفة من التجربة المباشرة لا من تطبيق القواعد المجردة فقط.

2. أركيولوجيا الفجوة بين النظرية والممارسة:

لفهم هذه الفجوة بين الخطاب والممارسة، يمكن الاستعانة بمفهوم الأركيولوجيا كما صاغه ميشيل فوكو (Michel Foucault, 1969)، والذي يسعى إلى الكشف عن الطبقات الخفية للمعرفة داخل الخطابات والمؤسسات. فالنصوص التربوية الرسمية لا تعبّر فقط عن تصورات تعليمية، بل تعكس أيضًا ما يُسمح بذكره وما يُستبعد من الخطاب.
في هذا السياق، يصبح تحليل الفجوة بين النظرية والممارسة مدخلًا للكشف عن المسكوت عنه داخل الحقل التربوي. فالممارسات اليومية للمعلمين والتلاميذ، رغم أنها تشكل جوهر العملية التعليمية، نادرًا ما تحظى بحضور واضح في النصوص النظرية. كما أن استراتيجيات التكيف التي يبتكرها المعلمون لمواجهة نقص الموارد أو مشكلات الانضباط غالبًا ما تبقى خارج السرديات الرسمية للتربية.
ولا يتعلق الأمر هنا بحوادث معزولة، بل ببنية معرفية تراكمت عبر الزمن، حيث تميل الخطابات التربوية إلى إعطاء الأولوية للنماذج النظرية المجردة، في حين يتم تهميش المعرفة الميدانية المتولدة داخل الفعل التربوي نفسه. ويمكن فهم ذلك أيضًا في ضوء تحليلات بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1993) للحقل الثقافي، حيث تتحدد داخل كل حقل معرفي أشكال المعرفة التي تعتبر «شرعية» أو قابلة للاعتراف الأكاديمي، في حين تبقى أشكال أخرى من المعرفة – خصوصًا المعرفة العملية المتولدة في الميدان – خارج الاعتراف الرسمي.
كما ناقش باحثون في السياسة التعليمية مثل ستيفن ج. بول (Stephen J. Ball, 2003) ومايكل آبل (Michael Apple, 2004) كيف تساهم السياسات التعليمية في إعادة إنتاج هذا التفاوت بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية داخل المدارس.

3. الممارسة اليومية كمنتِج للمعرفة:

تكشف الملاحظة الميدانية داخل المدارس أن العلاقة بين النظرية والممارسة ليست مجرد علاقة تطبيق، بل علاقة إعادة إنتاج وإعادة اختراع مستمرة للفعل التربوي.
في المدارس الحضرية المكتظة، مثلًا، يطور المعلمون أساليب غير رسمية لتنظيم الزمن المدرسي وتوزيع الانتباه بين التلاميذ، بما يختلف عن التعليمات البيداغوجية الرسمية، كما تشير تحليلات التغيير التربوي لدى مايكل فولان (Michael Fullan, 2007). أما في البيئات التي تعاني من نقص التجهيزات، فإن المعلمين غالبًا ما يبتكرون حلولًا عملية لتعويض غياب الوسائل التعليمية، مثل توظيف الموارد المحلية أو إدماج أنشطة تفاعلية داخل القسم، وهو ما وثقته دراسات حول الوصول إلى التعليم والعدالة التربوية مثل أعمال كيث م. لوين (Keith M. Lewin, 2007).
غير أن أهمية هذه الممارسات لا تكمن فقط في كونها تكيفًا مع الواقع، بل في كونها تنتج نوعًا من المعرفة العملية الضمنية التي تتشكل داخل الفعل التربوي نفسه. فالمعلم هنا لا يكتفي بتطبيق النظرية، بل يعيد تأويلها وإعادة تشكيلها في ضوء ظروف العمل اليومية داخل الفصل.
ومن هذا المنظور، تصبح الممارسة اليومية داخل المدرسة مجالًا حقيقيًا لإنتاج المعرفة التربوية، حتى وإن ظلت هذه المعرفة غالبًا غير مرئية داخل الخطابات الأكاديمية.

4. قراءة نقدية للفجوة بين النظرية والممارسة:

لا يعني هذا النقد رفض النظرية أو التقليل من قيمتها، بل السعي إلى إعادة توظيفها بوصفها أداة لفهم الواقع لا سلطة تفرض عليه نموذجًا جاهزًا. فالفجوة بين النظرية والممارسة تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المعرفة التربوية نفسها:
هل تُنتج علوم التربية أدوات لفهم الواقع المدرسي، أم أنها تبني نماذج معيارية بعيدة عن التجربة اليومية؟
وكيف يمكن إدماج خبرة المعلمين والتلاميذ داخل عملية إنتاج المعرفة التربوية؟
إن قراءة الواقع قبل النظرية تكشف أن العديد من التنظيرات التربوية لا تعكس فقط تطور المعرفة العلمية، بل ترتبط أيضًا بسياقات مؤسسية وسياسية معينة تسعى أحيانًا إلى تنظيم الممارسة التعليمية أو إعادة تأطيرها أكثر من سعيها إلى فهمها بعمق، كما يناقش غيرت بيستا (Gert Biesta, 2010) في تحليله لنقد القياسوية في التربية.

5. الأبعاد الفلسفية والاجتماعية للفعل التربوي:

لا يمكن فهم العلاقة بين النظرية والممارسة داخل المدرسة دون النظر إلى الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي تشكل الفعل التربوي. فالمؤسسة المدرسية ليست مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل هي أيضًا مجال تتقاطع فيه علاقات السلطة والانتماء والهوية الثقافية.
تحدد هذه العلاقات ما يُسمح به كممارسة داخل المدرسة، وما يُعتبر خارج الإطار المشروع للفعل التربوي. كما أن الهوية الثقافية للتلميذ والسياق الاجتماعي الذي ينتمي إليه يؤثران بشكل مباشر في كيفية تلقي المعرفة وإعادة إنتاجها داخل الفصل، وهو ما أبرزته نظريات التربية النقدية لدى هنري جيروي (Henry A. Giroux, 1983).
ومن هذا المنظور، يصبح التكيف اليومي الذي يمارسه المعلمون والتلاميذ ليس مجرد استجابة ظرفية لقيود الواقع، بل شكلًا من أشكال الإنتاج المعرفي الذي يعيد تشكيل العملية التعليمية باستمرار.

خاتمة: أي مستقبل لعلوم التربية؟

تكشف هذه القراءة أن علوم التربية ليست مجرد منظومة من الأكسيومات النظرية، بل حقل معرفي يتشكل عند تقاطع الفكر والممارسة. فالنصوص التربوية، مهما بلغت دقتها النظرية، لا يمكن أن تحل محل التجربة اليومية التي يعيشها المعلمون والتلاميذ داخل الفصول الدراسية.
إن تحليل الفجوة بين النظرية والممارسة يسمح بإعادة الاعتبار للفعل الميداني بوصفه مصدرًا أساسيًا للمعرفة التربوية، ويفتح المجال لإعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين التنظير والتجربة داخل الحقل التربوي.
غير أن السؤال يظل مفتوحًا:
هل يمكن للنظرية أن تصبح مرآة دقيقة للواقع المدرسي اليومي؟
وكيف يمكن إدماج خبرة المعلمين والتلاميذ في صياغة معرفة تربوية أكثر ارتباطًا بالممارسة؟
وهل تمثل الفجوة بين النظرية والممارسة فرصة لإعادة ابتكار علوم التربية، أم أنها تكشف أن المعرفة التربوية لم تبدأ بعد في الإصغاء الحقيقي إلى صوت الممارسة؟

المراجع:

1. Dewey, J. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan.

2. Bruner, J. (1966). Toward a Theory of Instruction. Cambridge: Harvard University Press.

3. Foucault, M. (1969). The Archaeology of Knowledge. Paris: Gallimard.

4. Bourdieu, P. (1993). The Field of Cultural Production. New York: Columbia University Press.

5. Schn, D. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. New York: Basic Books.

6. Ball, S. J. (2003). “The Teacher’s Soul and the Terrors of Performativity.” Journal of Education Policy, 18(2), 215–228.

7. Apple, M. W. (2004). Ideology and Curriculum. New York: Routledge.

8. Fllan, M. (2007). The New Meaning of Educational Change. New York: Teachers College Press.

9. Lewin, K. M. (2007). Improving Access, Equity and Transitions in Education. CREATE.

10. Biesta, G. (2010). Good Education in an Age of Measurement. Boulder: Paradigm Publishers.

11. Giroux, H. A. (1983). Theory and Resistance in Education. South Hadley: Bergin & Garvey.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال