بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

نظريات علوم التربية: من أكسيومات التأسيس إلى اللاهوت البيداغوجي قراءة جدلية في تحطيم الأصنام المعرفية

2026-02-13 307 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
توطئة:

هذا النصّ لا يهاجم علوم التربية بحد ذاتها، بل يرفض تحويلها إلى عقيدة مغلقة تُمارس باسم "العلمية". حين تتحوّل النظريات إلى "أكسيومات" لا تُناقش، نفقد روح البحث العلمي الحرّ، ونربح في المقابل "لاهوتًا بيداغوجيًا" يفرض مسلّماته على التفكير.
المقال هنا محاولة لفتح "الجرح المعرفي" الذي أغلقه الصمت، وكسر القيود التي أصبحت مفروضة على التفكير في المجال التربوي، لاستعادة السؤال المشروع والمساءلة النقدية.

تقديم: مشروعية السؤال ونسبية التعريف

منذ نشأتها، سعت “علوم التربية” إلى وسم نفسها بصفات علمية لتأكيد شرعيتها بين العلوم الإنسانية؛ بل حاول مؤسّسوها إضفاء صبغة علمية عليها تُحاكي نموذج الرياضيات وعلوم الفيزياء بحثًا عن اعتراف أكاديمي وموقع داخل منظومة “العلوم الصحيحة”. في هذا الأفق التأسيسي، بُنيت تصوّرات عن التعلّم والنموّ والفاعلية التربوية بوصفها قوانين قابلة للتعميم: فالبنائية النمائية لدى Jean Piaget (1970) قُدّمت كثيرًا كمسار كوني واحد لمراحل النموّ الذهني، والتربية التجريبية عند John Dewey (1916) صيغت كأفق معياري عام للتعلّم الديمقراطي، بينما منح mile Durkheim (1911) التربية إطارًا سوسيولوجيًا يعد بموضوعية علمية داخل النسق الوضعي. غير أنّ هذا الطموح التأسيسي أخفى هشاشة إبستمولوجية عميقة: فالمعرفة التي تنتجها هذه العلوم نسبية وسياقية، محدودة في قدرتها على التفسير والتنبؤ والتحكّم في الواقع التربوي، على خلاف ما توحي به الادّعاءات الوضعية الصارمة.
يتحوّل هذا الطموح العلمي داخل المؤسسة إلى لغة شرعنة أكثر منه أفق مساءلة: يُغلق سؤال “علمية” علوم التربية باسم الإجماع الأكاديمي، ويستمرّ الخلط بين علم بالمعنى الصارم ومجال معرفي يستعير من حقول متعدّدة دون امتلاك جهاز إبستمولوجي صلب يضمن التراكم والتكذيب. يسمح تحليل علاقات المعرفة/السلطة لدى Michel Foucault (1975) بفهم كيف تُنتَج شرعية هذا الحقل داخل الجامعة وأجهزة الدولة عبر آليات اعتماد وتكوين وتقويم، لا عبر برهنة علمية قابلة للدحض وحدها. في الخطاب الجامعي والمؤسساتي، تُقدَّم علوم التربية كنصوص شبه نهائية تُلقَّن بوصفها حقائق مهنية، فتُمحى تاريخية المفاهيم وسياقات إنتاجها الاجتماعية والسياسية. هكذا تتحوّل النظريات من فرضيات تفسيرية قابلة للنقض إلى أكسيومات تُمارَس كلاهوت بيداغوجي يحدّد ما يُقبل وما يُقصى داخل الحقل. تكشف قراءة المدرسة بوصفها جهاز إعادة إنتاج للشرعية الرمزية عند Pierre Bourdieu وJean-Claude Passeron (1970) كيف تعمل اللغة العلمية كهيمنة ناعمة داخل الممارسة اليومية. وحتى تسمية الحقل بصيغة الجمع تُنتج وهم التعدّد، بينما تُدار الممارسة وفق نسق معياري واحد يُقنّن المقبول ويؤطّر الممكن. وقد نبّه Paulo Freire (1970) وIvan Illich (1971) إلى المخاطر السياسية لتحويل التربية إلى تقنية تدبير وإخضاع بدل كونها ممارسة تحرّرية ناقدة. من هنا تنطلق هذه القراءة: تفكيك الأكسيومات التي تلبس لباس البداهة، ورفع القناع عن اللاهوت البيداغوجي الذي يُدار باسمه الحقل التربوي المعاصر.

1. التعدّد المعرفي بوصفه أصلًا مُغيَّبًا

نشأت علوم التربية من تداخل حقول معرفية متعدّدة، وكان هذا التداخل وعدًا بإنتاج معرفة مركّبة قادرة على مقاربة التربية في تعقيدها الرمزي والاجتماعي والتاريخي. غير أنّ الوعد احتُوي مؤسّساتيًا عبر نزعة توحيدية تبحث عن نموذج “الأكثر علمية” لفرضه معيارًا مرجعيًا. ما يُقدَّم بوصفه توحيدًا إبستمولوجيًا ليس سوى تبسيط إجرائي يختزل التعدّد في واجهة خطابية، بينما تُقصى المقاربات التي لا تنسجم مع القوالب المعتمدة في التكوين والتقويم. يستعير هذا المنحى منطقه من تصوّر “الباراديغم” عند Thomas Kuhn (1962)، لكن نقله إلى حقل التربية يُنتج أثرًا عكسيًا: إغلاق أفق الخلاف بدل تنظيمه، وتحويل الاختلاف النظري إلى انحراف مهني. في السياق التونسي، يتجسّد ذلك في تعميم صيغ بيداغوجية موحّدة على فضاءات تعليمية غير متكافئة الشروط، بما يجعل التعدّد المعرفي شرطًا مُغيَّبًا لصالح وحدة معيارية تُعيد إنتاج الامتثال وتستنزف قدرة الفاعل التربوي على الابتكار السياقي.

2. من الفرضية إلى الأكسيومة: تحنيط المفاهيم التربوية

تشتغل النظريات التربوية في أصلها كاقتراحات تفسيرية محدودة الصلاحية، غير أنّ المؤسسة تُعيد تدويرها كقواعد إجرائية ثابتة. هكذا تُختزل البنائية النمائية إلى وصفة تدريسية صالحة لكل جغرافيا زمنية وسياقية كأنها اكتشاف لا بد من تأبيده، وتُحوَّل تجربة ديوي إلى تقنية صالحة في زمكان واحد لانهائي تُقاس بمؤشّرات شكلية لا بقدرتها على فتح أفق الخبرة والمعنى (1916). يفقد المفهوم طبيعته الإرشادية ليكتسب طابع الإلزام، ويُمحى التوتّر الخلّاق بين النظرية والواقع لصالح ترجمة بيروقراطية للمعرفة. يتعمّق هذا "التحنيط" حين تدخل المفاهيم دائرة التكوين الرسمي والتقويم المهني، فتغدو أدوات وسم وضبط، ويُعاد إنتاج انزلاق إبستمولوجي يجعل النسبي كونيًا، والسياقي معيارًا عامًا. في المدرسة التونسية، يُقاس أداء المدرّس بنماذج جاهزة لا تعكس تعقيد الواقع الاجتماعي للفصل، فتتحوّل الممارسة إلى امتثال شكلي يُراكم التقارير ولا يُنتج معرفة عن الواقع.

3. اللاهوت البيداغوجي وإغلاق أفق النقد:

حين تستقرّ الأكسيومات في قلب الممارسة، يتشكّل لاهوت بيداغوجي يُؤسِّس لنظام إيمان مهني ضمني: مفاهيم تُتلى، مؤشّرات تُحترم، ونماذج تُنفَّذ. لا يعود النقاش حول صلاحية المفاهيم مشروعًا، بل يُؤوَّل بوصفه مقاومة للتحديث أو ضعف احترافية. تُعاد صياغة اللغة البيداغوجية كجهاز رمزي لضبط السلوك المهني للتلامذة والمدرّسين، وتُغَلَّف الهشاشة المفهومية بقناع العلمية. هنا تتكثّف السلطة المعرفية داخل أجهزة التكوين والتفقد، وتُحتكَر “الحقيقة المهنية” في قوالب جاهزة، ويُدفع الفاعل التربوي إلى الامتثال بوصفه معيار الكفاءة. ما يبدو حيادًا تقنيًا هو في العمق سياسة معرفة تُعيد ترتيب الحقل هرميًا، وتُنتج طاعة مهنية ناعمة. قراءة بورديو وباسرون (1970) تُبيّن كيف تُعاد إنتاج علاقات القوة عبر رموز ومعايير تُقدَّم بوصفها مهنية محايدة، بينما هي محمّلة بمنطق الهيمنة.

4. علوم التربية بين التعدّد الاسمي والوحدة المعيارية:

يُعلَن التعدّد نظريًا ويُدار عمليًا بوحدة معيارية تضبط ما يُدرَّس وكيف يُدرَّس وكيف يُقاس. يتحوّل التعدّد إلى رأس مال رمزي يمنح الحقل شرعية “علمية”، بينما تُستثمر هذه الشرعية لتكثيف السيطرة على الممارسة. في السياقات الهشّة مادّيًا واجتماعيًا، يُفضي تعميم النماذج إلى تعميق اللامساواة بدل تقليصها، لأن المعيار الواحد يُقاس على واقع غير متكافئ الشروط. تُعاد صياغة مهنة التعليم بوصفها تطبيق وصفات جاهزة أكثر من كونها إنتاج حلول محلية خلاّقة تستجيب لتعقيد الواقع. يتقاطع هذا المنحى مع نقد إيليش (1971) لمأسسة التربية حين تتحوّل المعرفة إلى خدمة مُقنَّنة تُدار بمعايير امتثال لا بمعايير معنى.

5. تحطيم الأصنام: إعادة نسبيّة المعرفة

تحطيم الأصنام لا يعني هدم النظريات، بل نزع قدسيتها وإعادتها إلى حجمها الطبيعي كأدوات تفسيرية محدودة الصلاحية، مشروطة بسياقات إنتاجها واستعمالها. يستعيد هذا الأفق قيمة الخطأ بوصفه مصدر تعلّم كما يبيّن Jean-Pierre Astolfi (1997)، ويُعيد الاعتبار لتعقيد الواقع الاجتماعي الذي يكشف هشاشة أي نموذج شامل كما عند Edgar Morin (1994). حين يُفكَّك السحر الرمزي للمصطلح الأكاديمي، تُستعاد اللغة أداةً للفهم لا جهازًا للضبط. في الواقع المدرسي، تُعرّي أوضاع الفقر والتهميش والعنف الرمزي محدودية الوصفات الجاهزة، وتفرض استراتيجيات مرِنة قابلة للتكيّف: يُوسَم تلميذ بالضعف وفق معيار موحّد بينما تتجلّى قدراته في فضاءات غير مُعترف بها؛ يُسوَّق المشروع الجماعي كفضاء تعاون فيما يتحوّل إلى سباق درجات؛ وتُدرَّس “مهارات الحياة” كنصوص في سياق اجتماعي مأزوم يجعل ممارستها شبه مستحيلة. إعادة نسبيّة المعرفة ليست تنازلًا عن الطموح العلمي، بل شرطًا لإخراجه من وهم اليقين إلى أفق السؤال.

خاتمة: أسئلة مُحرِجة لما بعد الدوغما

هل نملك الجرأة لإعادة علوم التربية من مقام القداسة إلى أفق السؤال؟ وهل يمكن للتكوين أن يُنتج فاعلًا ناقدًا لا مجرّد منفّذ للوصفات؟ وهل تقبل المؤسسة أن تُستعمل النظريات لفهم الواقع لا لإخضاعه؟ ألسنا، باسم “العلمية”، نُعيد إنتاج هيمنة رمزية جديدة داخل الفصل؟ وبأيّ أحقّية يُسمّى هذا الحقل “علومًا” بصيغة الجمع وهو يُمارَس عمليًا بصيغة المفرد، كنسق معياري واحد؟ هذا ليس سؤالًا أكاديميًا محايدًا؛ إنّه اختيار سياسي-معرفي. ثمّ إنّ الادّعاء العلمي، حين يتحوّل إلى درع ضدّ النقد، لا يحمي العلم بل يفرغه من روحه النقدية.

المراجع:

1. Astolfi, J.-P. (1997). L’erreur, source d’apprentissage. ESF.

2. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. ditions de Minuit.

3. Dewey, J. (1916). Democracy and Education. Macmillan.

4. Durkheim, . (1911). ducation et sociologie. Félix Alcan.

5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Gallimard.

6. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés. Maspero.

7. Illich, I. (1971). Une société sans école. Seuil.

8. Kuhn, T. S. (1962). La structure des révolutions scientifiques. University of Chicago Press.

8. Morin, E. (1994). La méthode: La nature de la nature. Seuil.

9. Piaget, J. (1970). Psychologie et pédagogie. Denoël.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال