علوم التربية في مواجهة الفلسفة: تحطيم الأصنام
تمهيد: هشاشة المعرفة التربوية
منذ نشأتها، سعت علوم التربية إلى أن تُعلن عن نفسها علمًا مستقلًا قادرًا على إنتاج نظريات ومناهج تفسيرية للتعلّم والتعليم، محاولةً التحرر من وصاية الفلسفة التي كانت تمارس دور «الأم الكبرى» للمعرفة الإنسانية.
لكن، كما يشير بيار بورديو (Bourdieu, Questions de sociologie, 1980)، فإن كل محاولة علمية لتأسيس استقلالها تمرّ عبر وهم القطيعة مع الأصل، وهو ما يجعلها دائمًا في علاقة تبعية خفية.
ومع كل تراكم معرفي، ظلت علوم التربية تُظهر هشاشتها عند مواجهة الواقع المدرسي والاجتماعي، إذ تتحول تنظيراتها إلى «أصنام معرفية» تُعبد بدل أن تُسائل، وتُقدّس بدل أن تُفكك.
1. صنم العلم وعبادة المنهج:
تحاول علوم التربية تقليد العلوم الصلبة في منهجها ودقتها، لكنها بذلك تُسقط الإنسان من مقام «الكائن المتعدد» إلى «الكائن القابل للقياس».
وقد نبّه إدموند هوسرل (La crise des sciences européennes) إلى أن العلم الذي ينسى جذوره في «العالم المعيش» يفقد روحه ويتحول إلى جهاز تقني بلا معنى.
وباسم الموضوعية والعلمية، تم اختزال التعلم في مقاييس رقمية ومؤشرات نجاعة، فأصبح التعليم حسابًا بلا حياة.
والمعلم هنا لم يعد فاعلًا فكريًا، بل منفّذًا لبروتوكولات جاهزة، في حين يُختزل التلميذ إلى متغير في معادلة تجريبية.
2. صنم النجاعة وبيداغوجيا السوق:
حين تسللت مفاهيم الاقتصاد إلى الحقل التربوي — من قبيل "الاستثمار في رأس المال البشري" و"المردودية" — تغيّر جوهر الفعل التربوي.
يقول يورغن هابرماس (Théorie de l’agir communicationnel) إن هيمنة «العقل الأداتي» على مجالات الحياة تُحوّل القيم إلى أدوات والمعنى إلى سلعة.
وهكذا صارت المدرسة، في منطق السوق، مصنعًا لإنتاج الكفاءات لا فضاءً لتكوين الإنسان.
ويضيف إيفان إيليتش (La société sans école) أن المدرسة حين تتحول إلى مؤسسة خاضعة لمعايير السوق، فإنها تُفقر الروح وتنتج مواطنين مطيعين لا أحرارًا.
3. صنم الكفايات وبيداغوجيا المهارات:
تُقدَّم «بيداغوجيا الكفايات» على أنها الحل العصري لأزمة التعليم، غير أنها تُعيد إنتاج المأزق نفسه.
فكما يرى فيليب ميريو (Apprendre, oui, mais comment ?), الكفاية ليست مهارة تقنية بل قدرة على تحويل المعرفة إلى فعل ذي معنى في سياق إنساني.
لكن الممارسة المدرسية حولتها إلى وصفة ميكانيكية تُفرّغ التعلم من بعده الوجودي، ليصبح التلميذ بارعًا في الأداء لكنه عاجز عن التفكير النقدي.
وهو ما وصفه باولو فريري (La pédagogie des opprimés) بـ«التعليم البنكي»، حيث يُعامل المتعلم كوعاء يُملأ بالمعلومات دون وعي أو مساءلة.
4. صنم التنظير ونسيان الممارسة
كثيرًا ما تُغرق علوم التربية نفسها في لغتها الاصطلاحية، فتصبح سجنًا لمفاهيمها.
تحذرنا ميشال فوكو (L’archéologie du savoir) من أن كل خطاب يسعى لاحتكار الحقيقة يتحوّل إلى سلطة.
لقد ابتُكرت مصطلحات مثل «بيداغوجيا الكفايات»، «البيداغوجيا الفارقية»، «التعلم الذاتي»... حتى أصبحت اللغة التربوية غاية في ذاتها، لا أداة لفهم الواقع.
فغابت الممارسة الحية، وحلّ محلها خطاب يبرّر ذاته بذاته، في دوامة من «المفاهيم المتفاخرة» التي تفقد معناها بمجرد نزولها إلى القسم.
5. التجربة المدرسية التونسية: الأصنام المحلية
في المدرسة التونسية، تتجسد هذه الأصنام في أوضح صورها.
صنم «الإصلاح» الذي يتكرر كل عقدٍ بلا رؤية، وصنم «الكفايات» الذي تحوّل إلى شعار إداري، وصنم «الجودة» الذي غاب عنه الجوهر الإنساني.
فكما يبيّن أحد الباحثين، فإن المنظومة التربوية التونسية تعيد إنتاج أزماتها داخل خطابها الإصلاحي ذاته.
فكل إصلاح جديد لا يفكك البنية العميقة للمدرسة بل يجمّل واجهتها: فوضى الأقسام، الإنهاك المهني للمعلمين، الانسحاب العائلي أمام الشاشات، وضياع التلميذ بين الشارع والمنصات الافتراضية.
وهكذا تتحول المدرسة من فضاء للمعنى إلى مسرح للتمثيل الإداري، ومن مشروع إنساني إلى آلية بيروقراطية تعيد تدوير الفشل باسم الإصلاح.
6. المعلم بين الفلسفة والتربية:
يقف المعلم التونسي اليوم بين مطرقة الخطاب الرسمي وسندان الواقع المدرسي.
هو في آنٍ واحد «موضوع إصلاح» و«فاعل مهمّش».
لكن المعلم الفيلسوف، كما أراده جون ديوي (Democracy and Education), ليس من يطبّق النظريات، بل من يُعيد اكتشافها عبر التجربة.
إنه من يمارس الشك كمنهج، لا الطاعة كواجب، ومن يؤمن أن التربية فعل مقاومة قبل أن تكون مهنة.
فهل تسمح له المنظومة الحالية بأن يكون كذلك؟ أم أنه أُفرغ من معناه في دوامة التقويمات والأوامر الإدارية؟
خاتمة: نحو تربية تتحرر من أوهامها
إن تحطيم الأصنام التربوية لا يعني نفي علوم التربية، بل إعادة وصلها بالإنسان والفلسفة.
فما لم تتصالح هذه العلوم مع النقد والسؤال، ستبقى تدور في حلقة مفرغة من المفاهيم الباردة والشعارات المتكررة.
تربية بلا نقد هي عبودية فكرية، ومدرسة بلا فلسفة هي مؤسسة بلا روح.
ولعلّ السؤال الفلسفي الأعمق الذي يختتم هذا النص هو:
> هل يمكن لتربية تبحث عن النجاعة أن تُنقذ الإنسان من العدم؟
المراجع:
1. Bourdieu, P. (1980). Questions de sociologie. Paris: ditions de Minuit.
2. Husserl, E. (1954). La crise des sciences européennes. Paris: Gallimard.
3. Habermas, J. (1981). Théorie de l’agir communicationnel. Paris: Fayard.
4. Illich, I. (1971). La société sans école. Paris: Seuil.
5. Meirieu, P. (1987). Apprendre, oui, mais comment ? Paris: ESF.
6. Freire, P. (1970). La pédagogie des opprimés. Paris: Maspero.
7. Foucault, M. (1969). L’archéologie du savoir. Paris: Gallimard.
8. Dewey, J. (1916). Democracy and Education. New York: Macmillan.
علوم التربية في مواجهة الفلسفة: تحطيم الأصنام
2025-11-03
626 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال