نحن لا نتحدث هنا عن مجرد سرد لتاريخ منسي أو حكاية عابرة لمغامر يهودي خرج من أزقة الحفصية ليركب أكتاف البايات بل نتحدث عن شيفرة جينية للخراب التونسي المقيم.
تلك العقيدة التي تزاوجت فيها شهوة السلطة عند الحكام مع جشع السماسرة عند الشمّاميّين الأوائل لتنتج لنا هذا المسخ المشوّه الذي هو في الحقيقة مجرد وكالة تجارية مفلسة تديرها عائلات ومافيات وقناصل.
ومن هنا أبدأ الحفر في هذا الجرح الذي لم يندمل منذ قرنين لأكشف كيف تحولت تونس من إيالة مهابة تفرض الأتاوات على أساطيل أوروبا في البحر الأبيض المتوسط إلى مجرد خرقة مالية تُباع وتُشترى في مزادات باريس وليفورنو وكيف صار نسيم شمامة ليس مجرد اسم لشخص فرّ بالخزينة بل صار منهجاً و مدرسة و ديناً لكل من اعتلى منصة القرار في هذه البلاد. حيث نكتشف أن التاريخ التونسي ليس سوى سلسلة من الكمبيالات الموقعة بالدم والعرق بدأت بحلم
أحمد باي بجيش نظامي ومصانع للمدافع وقصور تضاهي فرساي وانتهت بوقوف تونس عارية أمام لجان المراقبة الدولية.
تماماً كما تقف اليوم أمام صناديق النقد والبنك الدولي في تكرار بئيس لمأساة لا تريد أن تنتهي لأننا لم نقرأ الصندوق الأسود الذي تركه لنا شمامة وخزندار ومصطفى إسماعيل أولئك الذين علّموا الحكام أن السيادة يمكن مقايضتها بصكوك بنكية وأن الوطن يمكن تحويله إلى رهن عقاري في يد الأجانب.
إن العودة إلى سنة 1805، تاريخ ولادة نسيم شمامة في ذلك المناخ المشبع برائحة التوابل والمكائد في حارة تونس، تمنحنا المفتاح لفهم كيف تُصنع النخب الهجينة.
فهذا الرجل لم يكن يمتلك جيشاً ولا قبيلة لكنه كان يمتلك ما هو أخطر، كان يمتلك الأرقام في دولة لا تجيد الحساب وكان يمتلك الصلة مع القوى العظمى التي كانت تتربص بالإيالة كما تتربص الضباع بجثة منهكة.
وحين ارتقى إلى منصب قابض مالية الدولة في عهد المشير أحمد باي لم يكن يفكر في إعمار البلاد بقدر ما كان يخطط
لاستعمارها من الداخل عبر تحويل الجباية إلى سوط يلهب ظهور الفلاحين في الوسط والشمال والجنوب ليمتص آخر قطرة عرق منهم ويصبها في قعر صندوق أسود لا يراه أحد سواه.
وهنا تكمن العبقرية الشيطانية للشمامية، أن تجعل الدولة تستدين من مالها الخاص الذي سرقته أنت منها ثم تفرضه عليها بفوائد ربوية تجعل الحاكم دائماً تحت رحمتك.
وهذا بالضبط ما فعله شمامة حين أقنع الباي بأن العصرنة تتطلب قروضاً وأن القروض تتطلب ضمانات والضمانات كانت دائماً هي الأرض و السيادة.
فكانت تونس في تلك الفترة أشبه بمدمن مخدرات يُباع له الوهم بأغلى الأثمان وحين يصحو من نشوته يجد نفسه قد فقد بيته وأثاثه وحتى ملابسه الداخلية.
ولم تكن قصور باردو والمحمدية إلا واجهات زائفة لخراب مالي كان يطبخ في المكاتب الخلفية لنسيم شمامة وصهره وصديقه اللدود مصطفى خزندار ذلك المملوك الذي صار رئيساً للوزراء وأكبر شريك في عملية نهب منظمة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً حيث تحالف المال اليهودي مع
السلطة المملوكية لهرس الشعب التونسي بين فكي كماشة بينما كان القناصل الأجانب يراقبون المشهد بابتسامات صفراء ينتظرون اللحظة التي تسقط فيها الثمرة الناضجة في أحضانهم دون إطلاق رصاصة واحدة.
وعندما نتحدث عن الصندوق الأسود لعام 1863 فإننا نفتح أبواب الجحيم الرقمي ففي تلك السنة المشؤومة تم التوقيع على القرض الذي قصم ظهر الإيالة حيث اقترضت تونس 35 مليون فرنك من بنك أوبنهايم .
لكن المفارقة المضحكة المبكية هي أن ما دخل الخزينة فعلياً لم يتجاوز 5 ملايين فرنك بعد أن ذهبت البقية في جيوب السماسرة والوسطاء والعمولات السرية.
وكان شمامة هو المهندس الخفي لهذه الصفقة وهو الذي كان يهمس في أذن محمد الصادق باي بأن الحل الوحيد لتجنب الإفلاس هو مزيد من الاستدانة تماماً كما يفعل خبراء اليوم الذين يغرقوننا في ديون جديدة لسداد فوائد ديون قديمة في دائرة جهنمية أدت في النهاية إلى مضاعفة ضريبة المجبى من 36 ريالاً إلى 72 ريالاً وهي الضريبة التي لم تكن مجرد رقم بل كانت حكماً بالإعدام على ملايين التونسيين الذين لم يكونوا يملكون حتى ثمن رغيف الخبز.
ومن هنا انفجر البركان ،ومن هنا خرج علي بن غذاهم ذلك الفارس الذي فهم بالبديهة الفطرية ما لم يفهمه علماء باردو فهم أن العدو ليس في باريس فقط بل هو قابع في دهاليز المالية في تونس وأن السيادة تبدأ من رغيف الخبز لا من ديباج القصور.
لكن الشمامية كانت أذكى من الثورة فقد استخدمت المال لشراء الذمم واستخدمت الدسائس لشق صفوف القبائل وبينما كان بن غذاهم يحلم بجمهورية للفلاحين كان نسيم شمامة يحضر خطة الهروب الكبير بعد أن استشعر أن السفينة توشك على الغرق وأن دوره كمايسترو للخراب قد انتهى ليبدأ دوره كلاجئ سياسي بالمليارات.
إن هروب نسيم شمامة في جوان 1864 تحت حماية المدافع الفرنسية ومن ميناء حلق الوادي لم يكن مجرد فرار لص عادي بل كان تهريباً للدولة بكامل وثائقها وأسرارها وذهبها
قد حمل معه في صناديقه ما قيمته 20 مليون فرنك ذهبي وهو مبلغ كان كفيلاً بإنقاذ الإيالة من الإفلاس لعقود لكنه
تركه خلفه شعباً يواجه المجاعة والوباء وعساكر بلا رواتب والمثير للاشمئزاز هو الاستقبال البطولي الذي حظي به في أوروبا حيث نال وسام جوقة الشرف من نابليون الثالث واشترى لقب كونت من ملك إيطاليا وعاش في قصوره بليفورنو كأمير من أمراء النهضة .
بينما كان التونسيون يموتون على أرصفة الطرقات من بوغلاب والجوع.
وهنا أسأل،ألا يشبه هذا ما يحدث اليوم حين نرى لصوص الدولة يهربون بأموال الشعب ليجدوا الملاذ الآمن في عواصم الديمقراطية التي لا تسأل عن مصدر المال طالما أنه سيُضخ في بنوكها؟
سيرة شمامة هي الدستور غير المكتوب للفساد العابر للحدود وهي الدليل القاطع على أن الاستعمار لم يكن قدراً جغرافياً بقدر ما كان ضرورة مالية فرضها خونة الداخل قبل أطماع الخارج.
ولولا الشمامية لما كانت هناك معاهدة باردو سنة1881فالجيوش الفرنسية لم تدخل إلا لتسلم المفاتيح التي سلمه إياها شمامة وخزندار قبل ذلك بسنوات في غرف العمليات المالية المظلمة.
إننا اليوم نعيش في الجمهورية الشمامية الثالثة حيث لم يعد السارق يرتدي الجبة والعمامة بل يرتدي بدلة سموكنغ ويتحدث بلغة الماكرو اقتصاد والنمو السلبي والإصلاحات الهيكلية.
لكن الجوهر لم يتغير، فالدولة لا تزال غنيمة تُقتسم بين عائلات تسيطر على البنوك والموانئ والوكالات التجارية والشعب لا يزال هو المنجم الذي يُستخرج منه المال عبر جباية جائرة لا تعود عليه لا بصحة ولا بتعليم ولا بكرامة والسيادة الوطنية لا تزال مجرد شعار يُرفع في المناسبات بينما القرار الفعلي يُطبخ في مكاتب الخبراء الأجانب الذين هم الورثة الشرعيون للقناصل القدامى
الخلاصة المرة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا هي أننا لم نتحرر قط بل انتقلنا من وصاية القنصل إلى وصاية الصندوق ومن خزينة شمامة إلى حسابات الأوفشور وأن الصراع في تونس لم يكن يوماً بين حداثة وتراث بل كان دائماً بين الوطن و الصفقة وبين من يريد بناء دولة للمواطنين ومن يريد تحويلها إلى ضيعة للزبائن.
وما لم نكسر هذه الدائرة وما لم نعد قراءة تاريخنا بعيداً عن الروايات الرسمية الناعمة فإننا سنظل ندور في رحى الشمامية إلى الأبد ننتظر بن غذاهم جديداً قد لا يأتي بينما يواصل الشماميون الجدد حزم حقائبهم في كل مرة يشعرون فيها بريح الثورة ليعودوا إلينا لاحقاً بأسماء جديدة ووجوه مغسولة بماء الوطنية الزائفة تاركين لنا الكتاب الأسود لنقرأه بدموعنا بينما يقرؤون هم أرصدتهم بضحكات مجلجلة في صالونات باريس وجنيف.
التاريخ في هذه البلاد لا يسير إلى الأمام بل يدور حول الخزنة المفقودة التي سرقها شمامة ولم نجدها حتى اليوم.
مانيفستو الخراب التونسي: من حقيبة نسيم شمامة إلى حقائب السماسرة الجدد , الصندوق الأسود لدولة بيعت بالتقسيط في مزادات القناصل
2026-02-16
62 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال