بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

علوم التربية خارج إحداثيات العلوم الصحيحة: قراءات إبستمولوجية في وهم العلمية التربوية

2026-03-12 68 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في السنوات الأخيرة، توسّع حضور الخطاب التربوي في المدرسة المعاصرة توسعًا لافتًا. فالمعلم لم يعد يُعرَّف فقط بوصفه ناقلًا للمعرفة، بل أصبح مطالبًا بأن يكون منشّطًا، وميسّرًا، ومصمّم وضعيات تعلم، ومديرًا لمسارات التعلّم الفردية. وفي خضم هذا التحول، برزت علوم التربية بوصفها المرجع النظري الذي يقدّم الأدوات المفاهيمية والمنهجية لتفسير الظواهر التعليمية وضبط الممارسات الصفية. غير أن هذا الصعود المتسارع للخطاب التربوي أثار في المقابل أسئلة إبستمولوجية عميقة: هل تمتلك علوم التربية حقًا نفس شروط العلمية التي تمتلكها العلوم الدقيقة؟ وهل يمكن إخضاع الظاهرة التربوية لنفس الإحداثيات المعرفية التي تنظّم الفيزياء أو الرياضيات؟ أم أن الحديث عن “علمية” التربية يخفي في داخله نوعًا من الوهم المعرفي؟
ومن هنا يبرز السؤال الذي يؤطر هذا المقال.

#علوم_التربية_خارج_إحداثيات_العلوم_الصحيحة
#قراءات_إبستمولوجية_في_وهم_العلمية_التربوية

1. خصوصية الظاهرة التربوية واستعصاؤها على الصرامة العلمية

تقوم العلوم الصحيحة على شروط إبستمولوجية صارمة: إمكانية القياس، وقابلية التكرار، والقدرة على التنبؤ. فالتجربة الفيزيائية، مثلًا، يمكن إعادتها في نفس الظروف والحصول على نفس النتائج تقريبًا. أما الظاهرة التربوية فهي ظاهرة إنسانية مركّبة، تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والمؤسسية. ولذلك فإن محاولة إخضاعها لنفس منطق العلوم الدقيقة تظل إشكالية.
وقد أشار إميل دوركهايم إلى أن التربية ليست مجرد عملية تقنية، بل هي فعل اجتماعي يتأثر بالبنية الثقافية والقيمية للمجتمع (Durkheim, 1922). وهذا يعني أن الظاهرة التربوية لا يمكن عزلها في مختبر كما يحدث في الفيزياء أو الكيمياء، لأنها مرتبطة بسياقات اجتماعية متغيرة.

2. تعددية المرجعيات النظرية وغياب النموذج الموحّد:

من السمات الأساسية للعلوم الدقيقة وجود نموذج نظري مهيمن يوجّه البحث العلمي لفترة طويلة، وهو ما سماه توماس كون “النموذج الإرشادي” (Kuhn, 1962). لكن في علوم التربية نلاحظ تعدد المقاربات والنظريات بشكل لافت: السلوكية، والبنائية، والسوسيوبنائية، ونظريات التعلم الاجتماعي، وغيرها.
هذا التعدد لا يمثل ثراءً نظريًا فحسب، بل يكشف أيضًا عن غياب نموذج معرفي موحّد قادر على تفسير الظاهرة التعليمية بشكل شامل. فكل نظرية تضيء جانبًا من العملية التعليمية، لكنها تعجز عن احتوائها بالكامل، وهو ما يجعل العلمية التربوية أقرب إلى حقل تفسيري متعدد المرجعيات منه إلى علم دقيق ذي قوانين ثابتة.

3. من العلم التفسيري إلى الخطاب المعياري:

كانت علوم التربية في بداياتها محاولة لفهم الظواهر التعليمية وتفسيرها. غير أن تطورها المؤسسي داخل أنظمة التكوين والتخطيط التربوي جعلها تتحول تدريجيًا إلى خطاب معياري يحدّد ما يجب أن يفعله المعلم داخل القسم.
وقد حذّر بيير بورديو من هذا النوع من التحول حين تتحول المعرفة العلمية إلى أداة سلطة تحدد الممارسات الاجتماعية بدل أن تكتفي بتفسيرها (Bourdieu, 1990). ففي كثير من الأحيان، لا تكتفي النظريات التربوية بوصف التعلم، بل تملي على المعلم كيف يجب أن يعلّم، وكأنها تمتلك قوانين عامة صالحة لكل السياقات.

4. وهم القياس في الظواهر الإنسانية:

أحد أبرز مظاهر السعي إلى “علمية” التربية يتمثل في تكاثر أدوات القياس والتقويم: الاختبارات المعيارية، المؤشرات الإحصائية، ومقاييس الكفايات. غير أن تحويل التعلم إلى أرقام لا يعني بالضرورة فهمه فهمًا علميًا.
فقد بيّن إدغار موران أن الظواهر الإنسانية تتميز بدرجة عالية من التعقيد تجعل اختزالها في مؤشرات كمية أمرًا مضللًا أحيانًا (Morin, 1999). فالتعلم ليس مجرد اكتساب لمهارة قابلة للقياس، بل هو عملية مركبة تتداخل فيها المعرفة والخبرة والهوية والثقافة.

5. بين الضرورة المعرفية وحدود العلمية:

لا يعني التشكيك في العلمية الصارمة لعلوم التربية التقليل من أهميتها. فهذه العلوم توفر أدوات تحليلية مهمة لفهم عمليات التعلم وتنظيم العمل التربوي. لكنها تظل أقرب إلى علم إنساني تفسيري منها إلى علم دقيق تحكمه قوانين ثابتة.
ولهذا السبب يدعو بعض الباحثين إلى التعامل مع علوم التربية بوصفها حقلًا معرفيًا مفتوحًا يستفيد من علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة بدل أن يدّعي امتلاك نموذج علمي مكتمل (Charlot, 1997).

خاتمة:

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود علوم للتربية، بل في الادعاء بأنها تمتلك نفس الصرامة التي تمتلكها العلوم الصحيحة. فالظاهرة التربوية، بحكم طبيعتها الإنسانية والاجتماعية، تقاوم الاختزال في قوانين ثابتة أو معادلات دقيقة.
ومن هنا يصبح السؤال الإبستمولوجي ضروريًا: هل نحن أمام علم حقيقي للتربية أم أمام خطاب معرفي يسعى إلى إضفاء الشرعية العلمية على ممارسات تربوية؟ وهل يمكن فعلًا بناء قوانين عامة للتعلم كما نبني قوانين الفيزياء؟ أم أن المدرسة ستظل دائمًا فضاءً إنسانيًا معقدًا يتجاوز قدرة أي علم على الإحاطة الكاملة به؟
ثم أليس من المشروع أن نسأل أيضًا: هل تحوّل خطاب العلمية التربوية إلى نوع من السلطة الرمزية التي تُخضع المعلم لنماذج جاهزة؟ وهل أصبح الحديث عن “علمية التعليم” أحيانًا مجرد قناع نظري يخفي عجزنا عن فهم ما يحدث فعلاً داخل الفصل؟

المراجع:

1. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris: PUF.

2. Kuhn, T. (1962). The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: University of Chicago Press.

3. Bourdieu, P. (1990). Le sens pratique. Paris: Minuit.

4. Morin, E. (1999). La tête bien faite. Paris: Seuil.

5. Charlot, B. (1997). Du rapport au savoir. Paris: Anthropos.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال