ينصب جزء من سعي الباطنية الحديثة على تشويه صورة بني أموية وخلافتهم ورموزهم الكبرى، إلى درجة تصويرهم كوحوش آدمية لا دين لهم ولا خلق ولا إنسانية، لا إنجاز لهم ولا ذكر حسن، وهذا كذب مفضوح تفنده الحقائق التاريخية، سوّقته السرديات الشيعية منذ قرون، وتلقاها تيار الباطنية الحديثة بأطيافه المعروفة: العلمانية اللادينية، الإلحاد الصريح، بعض الرموز الدينية التي تميل مع الأهواء.
تبدأ القضة بمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الذي حمّلوه أوزارا هو برئ منها رغم اجتهاده غير الموفق في أمور سياسية معروفة، والحقيقة أنه كان علامة فارقة في التاريخ الإسلامي، جاء في ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد، وحرب أهلية كانت تهدد تماسك الأمة، فاستطاع بعبقرتيه الفذة وحنكته ودهائه أن يؤسس أعظم امبراطورية في ذلك الزمان، يسودها الأمن والعدل، وتحكمها الشريعة، لم تتوقف فيها الفتوحات حتى وصل الإسلام المشارق والمغارب، ولولا معاوية لامتدّ لهيب النزاع الداخلي ولربما قضى على دولة الإسلام وأذهب ريحها، فالتاريخ لم يتوقف بموت علي رضي الله عنه بل قفز قفزة نوعية بتنازل الحسن رضي الله عنه، وكانت الدولة الأموية هي دولة الفتوحات والتأسيس الحضاري، كانت الشريعة هي الحاكمة، وبدأ شيء من الانحراف في سياسة الحكم والمال، وهذا ما جعل كثيرا من كبار العلماء عبر العصور – منهم ابن تيمية وابن خلدون - يعدّون خلافة معاوية امتدادا للخلافة الراشدة، وذلك استنادا إلى أدلة عقلية ونقلية، وفي هذا إبطال للحملة القديمة المتجددة على بني أمية التي تستهدف في حقيقتها الإسلام ذاته وتاريخه الناصع ومن صنعوه، حيث إنه تحت ذريعة تشويه بني أمية تمتدّ الحملة الخبيثة إلى الصحابة أنفسهم، وبالتالي إلى الدين الذي حملوه وبلغوه.
- إن الأمويين
فرسان الأمة وقادتها وساستها، أهل حكمة وعلم ودراية، ساسوا الأمة بالعدل، وأهلُ خيل ورباط وجهاد، خفقت أعلامهم في أعالي السماء، خدموا اللغة العربية وجعلوها اللغة الأولى في طول البلاد وعرضها، ومن المؤسف أن بعض قادة الفكر في هذا الزمان قسوا على تاريخنا ورجاله، من أمثل المودودي وسيد قطب ومحمد الغزالي رحمهم الله، كان كلامهم فيه غلو وتعميم، وبعيدا عن الانصاف، لكنهم في كتابات أخرى أنصفوا بني أمية، كيف لا ومن مناقب معاوية أنه أول من غزا في البحر، وجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية، بينما يحتاج المسلم اليوم إلى 100 ختم على أوراقه ليعبره، كما أنه وهو في سفينته في عرض المتوسط قد تأتيه قوة أمريكية أو أوربية تفتش السفينة، وتروّعه، وتطرح عليه ألف سؤال، في حين كان كل جواز سفر السلم أيام معاوية رضي الله عنه وايام دولته أن يشهد المسافر أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقط ... فلماذا يكرهون معاوية؟
- يكرهونه لأنه غزا الروم 16 غزوة، وكان يغزوا الروم كل 6 أشهر صيفا وشتاء.، وقد حكم الامة 19 سنة ظل طيلة 16 منها في جهاد مع الروم، واستكمل فتح بلاد العراق وفارس وأفغانستان وبلاد السند وبلاد ما وراء النهر وآسيا الصغرى وافريقية إلى حدود المحيط الأطلسي، وأسس دولة وصلت جيوشها الى بلاد الهند والصين وروسيا وأروبا وحتى الأندلس مع ملحمة صقر قريش العجيبة، دولة بني أمية هي التي صنعت للأمة أول دينار إسلامي في التاريخ، وأول دولة وصلت جيوشها الى حصار القسطنطينية عاصمة أعظم الامبراطوريات في التاريخ.
- هكذا امتدت الفتوحات الإسلامية في عهد الدولة الأموية لتشمل ما بين حدود الصين في أقصى الشرق وبلاد الأندلس وجنوبي فرنسا في أقصى الغرب وما بين النوبة في الجنوب إلى أراضي آسيا الصغرى. (انظر كتاب " الدولة الأموية المفترى عليها "-د. أحمد شاهين).
- هذا ولقد كان خلفاء بني أمية صالحين على العموم ما عدا الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وقد خلفه ابن عمه يزيد بن الوليد وكان رجلا صالحا، ويكفي ابن امية فخرا أن منهم عمر بن عبد العزيز، معجزة زمانه، الخليفة الراشد الخامس الذي ملأ الدنيا عدلا، وسارت بخبره الركبان، وما زالت.
- إن من يسيئون إلى بني أمية بالباطل – والأمويون بشر لكنهم من خيرة البشر – تستهدف سهامُهم الإسلام والعربية، وأغلبُهم شعوبيون لا يحبون الخير لا للدين ولا لغته الأولى ولا تاريخه الحافل بآيات العدل والمساواة والجهاد وأنواع المفاخر.
- ولا غرو أن النقد التاريخي شيء والطعن الممنهج شيء آخر.
عبد العزيز كحيل
-
-
هؤلاء هم بنو أمية
2026-03-10
19 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال