إنّ فكرة الشورى ليست قيمة سياسية ولا أخلاقية فحسب، بل مبدأ وجودي، وفرملة سماوية، وصمام أمان وضعته الديانات لمنع الإنسان من التحوّل إلى سلالة فرعونية جديدة.
لا توجد ديانة واحدة سماوية كانت أو أرضية أجازت للحاكم أو النبي أو الكاهن أو الفيلسوف أن يحكم بعقله وحده.
كلها، بلا استثناء، ضربت على يد المتفرّد بالرأي، لأن العقل الفردي خطرٌ كالأوثان: يبدأ صغيرًا ثم يكبر حتى يبتلع الدولة.
في التوراة، حين حاول موسى أن يحمل الشعب وحده، كاد يسقط. فجاء النص الحاسم، كأنّه نبوءة سياسية:
"اجمع لي سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل كي يحملوا عنك ثقل الشعب."
سبعون لا واحد.
لم يكن موسى سلطانًا ولا نبيًا متفرّدًا، بل قائدًا يوزّع السلطة ولا يحتكرها.
ومنذ ذلك اليوم وُلد مجلس السبعين (السنهدريم)، أول برلمان ديني سياسي معروف.
ولماذا سبعون؟
لأن العقل البشري، كما يقول عزرا الكاتب، "لا يكتمل إلا بآذان الآخرين".
فالسماء تعرف نقص الإنسان أكثر ممّا يعرف هو نفسه.
وفي المسيحية، يقف المسيح أمام تلاميذه لا ليقول "اتبعوني" فقط، بل ليؤسّس مجمع الرسل، النواة الأولى للقرار الجماعي.
وبعد الصعود، لم يجرؤ بطرس ولا بولس على اتخاذ قرار عقائدي إلا بعقد مجمع.
كان مجمع أورشليم (حوالي سنة 50م) أول قرار تشريعي جماعي في تاريخ الكنيسة.
ثم جاءت المجامع المسكونية نيقية، وخلقيدونية، وأفسس كلها قائمة على مبدأ واحد:
لا يوجد بابا معصوم أمام عقل جماعي كامل من الأساقفة.
حتى الكنيسة التي تُتَّهم بالتسلّط، قامت في أصلها على مبدأ الشورى.
أمّا الإسلام، فلم يقدّم الشورى كفضيلة، بل كـقانون حكم.
لم يقل القرآن: تشاوروا، بل قال:
وأمرهم شورى بينهم
أي إن القرار ملك الجماعة، والحاكم مجرّد خادم لها.
والنبي نفسه وهو النبي استشار في كل شيء:
في بدر أخذ برأي الشباب، وفي أحد أخذ برأي الأغلبية ضد رأيه، وفي الخندق أخذ بفكرة سلمان، وفي الأسرى جمع أصحابه واستشارهم.
لم يتفرّد لحظة.
حتى الوحي لم يُعطه رخصة التفرد.
وهذه الحقيقة لم يتحمّلها الحكّام الذين جاؤوا بعده فاستبدّوا، فتمزّقوا، فسقطوا.
أما الديانات الشرقية الهندوسية، والبوذية، والزرادشتية، والكونفوشيوسية فليست ديانات "فوضوية" كما ظنّ الغرب، بل ديانات مؤسسات ومجالس وحكماء تعمل منذ آلاف السنين كبرلمانات روحية وفكرية.
في الهندوسية كان هناك السابهــا Sabha، مجلس الشيوخ القديم، حيث يُحاسَب الملك أمام البراهمة ولا يقرّر دونهم.
وفي البوذية جمع بوذا رهبانه في مجلس السانغا، مجلسًا تشريعيًا عقائديًا لا مكان فيه لعقل مطلق أو لرهبان معصومين.
وفي الزرادشتية كانت مجالس الحكماء تصدر القرارات الكبرى، لا الملك.
وفي الكونفوشيوسية يصرخ كونفوشيوس منذ 2500 سنة:
"الحاكم الذي يحكم وحده يحكم بجهله."
هذه ليست ديمقراطية يونانية، بل ديمقراطية شرقية أقدم من أثينا ذاتها.
لماذا رفضت كل الديانات التفرّد بالرأي؟
لأنها تعرف بيولوجيا السلطة:
فالإنسان، حين يُترك وحده مع السلطة، يتحوّل إلى فرعون صغير.
هذه ليست نظرية سياسية بل قانون نفسي:
السلطة بلا رقابة هي فساد
السلطة بلا شورى هي طغيان
السلطة بلا جماعة هي هلاك
حتى الأنبياء أبعدوا عن أنفسهم شبهة التفرد.
فكيف يجرؤ حاكم على ذلك؟
إنّ قائمة الذين قتلهم "العقل الواحد" طويلة:
فرعون، نمرود، نيرون، أباد شاه، ملوك الآشوريين، أمبراطوريات المغول، خلفاء بني أمية حين تحوّلوا إلى سلاطين، بعض خلفاء بني العباس حين سكروا بالسلطة، سلاطين بورصة وإسطنبول في القرون المظلمة، أوروبا في زمن الكنيسة المتفرّدة، وديكتاتوريات القرن العشرين.
كلهم ماتوا بالطريقة نفسها:
التفرّد بالرأي.
كان يمكن إنقاذهم لو سمعوا رأيًا آخر
ولكن من يسمع حين يعتقد أن الله يتكلم من فمه وحده؟
الشورى ليست "ميزة" في الديانات، بل الذراع التي تضرب بها السماء الاستبداد.
إنها الخوف السماوي من الإنسان حين يجلس وحده على العرش.
إنها الرسالة المخفية التي تقول:
السلطة الجماعية هي الحاكم الحقيقي، والفرد مهما كان نبيًا أو عبقريًا ناقص.
لا توجد ديانة أعطت رجلًا واحدًا حقّ إصدار القرار النهائي.
ولا توجد شريعة قالت:
"سلّموا مصير الأمة لعقل واحد".
إنّ الشورى هي الدستور الذي كُتب قبل ظهور الدول.
فالدول الحديثة لم تخترع البرلمان، بل ورثته من الديانات.
والتاريخ لم يتقدّم بالشورى بل سقط حين رفضها.
من يرفض الشورى اليوم يقطع الحبل الذي يربطه بالسماء والتاريخ معًا.
ومن يبحث عن حكم الفرد يبحث عن وهم.
فالسماء نفسها لم تُسلّم أمر دينها لرجل واحد،فكيف نسلّم نحن أمر دولة كاملة لرجل واحد؟
الشورى ليست اختيارًا إنها وصيّة الكون،ومن يخالفها يخالف قانون البقاء.
الشورى،الوصيّة السماوية الأخيرة قبل سقوط الإنسان في حكم الفرد
2025-12-09
448 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال