مقدمة: شرعية مهدّدة وهشاشة بنيوية.
المدرسة التونسية قدّمت نفسها طيلة عقود باعتبارها ابنة شرعية لعلوم التربية، مستندة إلى نظريات بيداغوجية غربية لتكون واجهة التحديث وبوابة "المواطنة الصالحة". لكن هذه الشرعية سرعان ما تكشّفت هشاشتها أمام واقع اجتماعي وسياسي معقّد. المدرسة، في جوهرها، لم تكن فضاءً محايدًا، بل أداة دولة–أمة لإنتاج نوع محدد من المواطن، وفق أولويات سياسية واقتصادية أكثر منها تعليمية بحتة.
وفقًا لبورديو (1970)، تمثل المدرسة حلبة صراع رمزي يعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية، بينما يوضح فوكو (1975) أنها جهاز ضبط يسيطر على الأجساد والعقول تحت غطاء التربية. في تونس، تتجسد هذه الثنائية بشكل صارخ: المدرسة متهمة بتكريس الامتيازات، وفي الوقت ذاته بريئة لأنها مرآة اختيارات الدولة وتدخلات الخارج.
1. البعد التاريخي: من الاستقلال إلى التحولات المعاصرة.
منذ الاستقلال، سعت الدولة التونسية لبناء مدرسة حديثة تعكس رؤية التحديث والتنمية الوطنية. نموذج بورقيبة أبرز التجربة: مدرسة مركزية، بيروقراطية، تتمتع بالسلطة الرمزية على المعلم والتلميذ، لكنها عاجزة عن الانفتاح الحقيقي على المجتمع المحلي.
خلال السبعينات والثمانينات، ظهرت محاولات إصلاح المناهج، لكنها غالبًا مفروضة من الخارج تحت تأثير البنك الدولي والمنظمات العالمية، بهدف إنتاج "رأسمال بشري" لسوق العمل، لا مواطنين قادرين على التفكير النقدي (Ben Hassen, 2015).
2. المدرسة كبركان متشظٍ:
اليوم، تبدو المدرسة بركانًا متصدعًا، تتدفق منه حمم الغضب والإحباط:
العنف المدرسي: تظاهرات التلاميذ، الاعتداءات على المربين، رفض الانضباط.
تصدع السلطة الرمزية للمعلم: فقدان هيبته، وتحوله من "نبي المعرفة" إلى موظف مرهق فاقد للحماية و للرعاية المادية.
هشاشة مثلث المدرسة–العائلة–التلميذ: العائلة تتخلى عن التربية، المدرسة تواجه مقاومة اجتماعية، والتلميذ يعيش بين عالم افتراضي بلا ضوابط وعالم مدرسي مغلق.
هذا الواقع يعكس أزمة بنيوية مستمرة، وليس مجرد اضطراب ظرفي.
3. ثنائية الاتهام والبراءة: المدرسة كضحية وجانية.
المدرسة التونسية تقع في قلب مأزق مزدوج: فهي في الوقت ذاته متهمة وبريئة، بين ما يفرضه الواقع الاجتماعي وما تفرضه الهياكل السياسية والاقتصادية المحلية والعالمية.
1. المدرسة متهمة:
تتمثل التهمة في عدة محاور متداخلة:
العجز التربوي: فشل المدرسة في ترسيخ قيم الانضباط والمعرفة، مما أدى إلى ضعف المستوى التحصيلي وارتفاع نسب التسرب والعنف المدرسي.
إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية: النظام التعليمي غير المتكافئ يعيد إنتاج الامتيازات، ويكرّس التفاوت الطبقي، كما أشار بورديو وبودون (Bourdieu & Passeron, 1970; Boudon, 1973).
الضعف في مواجهة ثقافة الاستهلاك والاغتراب: التلاميذ، تحت تأثير الإعلام والثقافة العالمية، يتحدون سلطتها الرمزية، ويظهرون تمردًا واضحًا على القيم المدرسية.
فقدان العلاقة الأصيلة مع المجتمع: المدرسة لم تعد محاورة حقيقية للبيئة المحلية، بل أصبحت جهازًا مغلقًا يواجه مقاومة من التلميذ والأسرة والمحيط.
2. المدرسة بريئة:
في المقابل، يمكن القول إن المدرسة ضحية إكراهات خارجية وداخلية:
خيارات سياسية واقتصادية: المدرسة انعكاس لسياسات الدولة، فهي ليست صانعة القرار النهائي في المناهج أو أساليب التدريس، بل مطيعة للخيارات العليا التي تفرضها الدولة وفق أولويات سياسية واقتصادية.
ضغوط العولمة: تدخل مؤسسات مثل البنك الدولي، وصناديق التمويل، والمنظمات الدولية، فرض مناهج إصلاحية لا تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية للتلميذ التونسي، مما يجعل المدرسة ضحية هذه الضغوط (Sultana, 2017).
إملاءات ثقافية عالمية: التيارات الثقافية العالمية، بما فيها الإعلام التجاري والفضائيات، تفرض رموزًا وسلوكيات تتعارض مع السياق المحلي، ما يزيد من هشاشة المدرسة وابتعادها عن مهمتها الأصلية.
الهشاشة المهنية والاجتماعية للمعلم: المربي الذي يفترض أن يكون مركز السلطة الرمزية داخل المدرسة، يجد نفسه ضعيفًا أمام الضغوط، غير قادر على مواجهة التحديات اليومية، مما يجعل المدرسة ضحية لتفكك السلطة الداخلية.
3. أمثلة واقعية:
تمرد التلاميذ في المؤسسات الحضرية: ممارسات تهديد المعلمين، استعمال لغة هجينة، رفض ارتداء زي مدرسي موحد، وهي كلها انعكاسات للتمرد على سلطة المدرسة وعدم توافقها مع ثقافة التلميذ الحديثة.
تدخلات خارجية: مناهج "المهارات الحياتية" التي فرضتها المنظمات الدولية، والتي لم تراعي الخصوصيات الثقافية، أدت إلى شعور المعلمين بعدم القدرة على التدريس بحرية.
تراجع العائلة: أولياء أمور يتخلون عن متابعة أبنائهم، أو يضغطون على المدرسة لتساهل غير منطقي في العقاب، مما يزيد من ضعف السلطة الرمزية للمعلم.
4. قراءة مركبة:
هذه الثنائية – بين الاتهام والبراءة – تعكس جوهر أزمة المدرسة التونسية:
لا يمكن تحميلها المسؤولية وحدها، فهي جزء من منظومة أكبر تشمل الدولة، المجتمع، الاقتصاد العالمي والثقافة الاستهلاكية.
لا يمكن اعتبارها بريئة بالكامل، فهي تساهم أيضًا في إعادة إنتاج الفوارق، وتفرض نفسها أحيانًا كجهاز بيروقراطي جامد، يعيد إنتاج السلطة بمعزل عن التلميذ والمجتمع.
يمكن تصوير المدرسة كمسرح يجتمع فيه الضحية والجلاد، البراءة والتهمة، القيد والتحرر، حيث كل طرف في هذا المسرح يلعب دورًا في إنتاج الأزمة المستمرة، ولكن أيضًا في إمكانية تحويل هذه الأزمة إلى فرصة إصلاحية إذا ما تم التعامل معها بوعي نقدي شامل.
5. بعد ثقافي–هوياتي: الصراع بين المدرسة والمجتمع.
المدرسة اليوم في صراع دائم مع التلميذ:
اللغة: صراع بين الفصحى والعامية.
الثقافة: صراع بين التراث المحلي والانفتاح على العولمة.
العالم الافتراضي: تعلم التلميذ قيمًا وسلوكيات متناقضة مع المدرسة.
جيل اليوم يتميز بـ تمرد صارخ على القيم التقليدية، في اللباس، اللغة، السلوك، وحتى رفض المعرفة نفسها. بعض أولياء الأمور يتخلون عن مسؤولياتهم التربوية أو يتحدون سلطة المدرسة، مما يزيد من هشاشة النظام التربوي (Frémeaux, 2009).
6. العولمة، الإعلام والمافيا الثقافية العالمية:
تتأثر المدرسة التونسية بتدخلات عالمية مباشرة وغير مباشرة:
مؤسسات مثل البنك الدولي ومنظمات التمويل تفرض برامج ومناهج تهدف إلى تكوين "عمالة متعلمة" للسوق العالمي، لا مواطنين قادرين على التفكير النقدي.
الإعلام والشارع يساهمان في تدمير منظومة القيم، عبر ترويج ثقافة الاستهلاك والتمرد على كل سلطة رمزية، وتطبيع سلوكيات هجينة تؤدي إلى جيل صعب ومتمرد.
وجود تيارات ثقافية متحكمة عالميًا يشبه "المافيا الثقافية"، التي تفرض رموزًا وسلوكيات غريبة عن السياق المحلي لتسهيل التحكم الاجتماعي والسياسي.
7. بركان لا ينضب: أفق الإصلاح.
الأزمة بنيوية وتستدعي إصلاحات جذرية:
1. المناهج: يجب أن تنبع من خصوصية المجتمع التونسي، تجمع بين التراث والمعاصرة، وتشجع على التربية النقدية والتحررية.
2. المعلم: تمكينه ماديًا ورمزيًا، وتجاوز ثقافة الهشاشة والبيروقراطية.
3. العائلة: شراكة حقيقية ومسؤولية تربوية، لا تحميل المدرسة وحدها عبء التربية.
4. المجتمع والسياسة: حماية المدرسة من الضغوط الخارجية وضمان استقلاليتها في بناء المواطن.
5. الأجيال الجديدة: توجيه جيل صعب، تمرده طبيعي في ضوء الهشاشة الاجتماعية والثقافية، عبر برامج تربوية واعية.
خاتمة: من البراءة المزعومة إلى مواجهة الإدانة.
المدرسة التونسية ليست مجرد مؤسسة تعليمية؛ إنها ساحة للمعنى، وجرح مفتوح في جسد المجتمع، ومختبر للهوية الوطنية تحت ضغط العولمة.
هي: براءتها مزعومة، وإكراهاتها للإدانة واقعية، ضحية وجلاد، بركان ورماد.
المسؤولية الآن تقع على المجتمع ككل: كيف نحول رماد المدرسة إلى أرضية خصبة لنظام تربوي جديد، يعيد الثقة بالمعلم، بالقيم، وبالمجتمع، ويعيد إنتاج معنى التربية لا مجرد المعرفة.
المراجع:
1. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Minuit.
2. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Naissance de la prison. Paris: Gallimard.
3. Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. New York: Continuum.
4. Ben Hassen, T. (2015). ducation et développement en Tunisie: Entre héritage colonial et défis contemporains. Tunis: Cérès.
5. Altbach, P. G. (2011). Comparative Higher Education: Knowledge, the University, and Development. Rotterdam: Sense Publishers.
6. Boudon, R. (1973). L’inégalité des chances. La mobilité sociale dans les sociétés industrielles. Paris: Armand Colin.
7. Frémeaux, P. (2009). Les relations école-famille: Une lecture critique. Paris: L’Harmattan.
8. Sultana, R. G. (2017). Globalization and Education: A Critical Perspective. London: Routledge.
9. Giroux, H. A. (2004). The Terror of Neoliberalism: Authoritarianism and the Eclipse of Democracy. Boulder: Paradigm Publishers.
المدرسة التونسية بين براءتها المزعومة وإكراهات الإدانة: منيفستو ثوري.
2025-11-15
649 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال