بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من المربي إلى المدرّس: حين فقدت المدرسة روحها قراءة فلسفية–سوسيولوجية في التحوّل التربوي التونسي وأثره على الوعي الجماعي.

2025-11-12 534 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
تمهيد: مدرسة بلا مربي

في تاريخ المدرسة التونسية، لم يكن المربي مجرّد ناقل للمعرفة، بل كان فاعلًا تربويًا يحمل مشروعًا إنسانيًا وأخلاقيًا. كان يُربّي قبل أن يُدرّس، يوجّه قبل أن يُقيّم، ويصنع الإنسان قبل أن يزرع الدروس.
لكن مع مرور الزمن، تغيّر اللقب إلى «مدرّس»، وتغيّرت معه فلسفة التعليم نفسها. لم يعد المربي صانع معنى، بل مجرّد منفّذ لمقررات تُكتب في مكاتب الوزارة وتُفرض في الأقسام.
هذا التحوّل، كما تبيّنه دراسة وزارة التربية التونسية (2020) حول “تحولات المنظومة التربوية”، لم يكن لغويًا فحسب، بل مؤسسيًا عميقًا أعاد رسم علاقة المعلم بالتلميذ والدولة والمجتمع.

1. الدولة: حين سُحبت الرسالة من صاحبها

منذ الاستقلال سنة 1956، تبنّت الدولة التونسية مشروعًا حداثيًا للتعليم يهدف إلى توحيد البرامج وتعميم التمدرس. غير أن هذا المشروع، مع الوقت، تحوّل إلى جهاز إداري ضخم يُخضع كل تفاصيل العملية التربوية للرقابة.
كما تشير مجلة التربية والتعليم (2019)، أصبحت المدرسة تُدار بمنطق البيروقراطية لا بمنطق القيم، فغابت روح المبادرة وحلّت محلها التقارير والجداول.
وجاءت القوانين الجديدة المتعلقة بحقوق الطفل لتضيف طبقة أخرى من الصرامة؛ فبحسب المعهد التونسي للدراسات القانونية (2018)، أصبحت هذه القوانين تُستخدم أحيانًا ضد المعلمين أنفسهم، فيُحاسب المربي على كل كلمة أو تصرف بدعوى حماية الطفل.
أما «مندوب حماية الطفل»، الذي كان يُفترض أن يكون حليفًا للأسرة والمدرسة، فقد تحوّل إلى سلطة رقابية تترصّد المعلم أكثر مما تراقب الظواهر الاجتماعية العميقة.
بهذا، نزعت الدولة عن المربي سلطته التربوية باسم الحداثة، وجرّدته من أداة التربية الأساسية: الضبط التربوي.

2. المجتمع: تربية بلا تربية

في موازاة هذا، تخلى المجتمع عن دوره التربوي التاريخي.
توضح الجمعية التونسية للتربية والتنمية (2016) أن العائلة التونسية المعاصرة أصبحت أكثر ميلًا إلى تحميل المدرسة كامل العبء التربوي، مكتفية بالدور المادي والرقابي.
فحين يحاول المدرّس تأديب تلميذ أو تقويم سلوك، يجد نفسه في مواجهة وليّ يراه متجاوزًا للحدود.
أصبح الانحراف يُبرَّر باسم الحرية، والتمرد يُحتفى به بوصفه استقلالية.
وهكذا تحوّل المربي إلى كائن وحيد في معركة لا سلاح له فيها سوى القلم.

3. التلميذ: جيل بلا ضوابط

تُظهر دراسة المركز الوطني للبحث في العلوم الاجتماعية (2017) أن سلوكيات التمرد في المدارس التونسية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين، بسبب تراجع سلطة المربي وتضارب الخطابات التربوية بين المدرسة والأسرة والإعلام.
لقد نشأ جيل جديد في غياب الضوابط، يعرف حقوقه القانونية أكثر من واجباته الأخلاقية.
لم يعد يرى في المعلم مرجعًا، بل موظفًا.
والتمرد الذي نراه اليوم ليس عصيانًا فجائيًا، بل نتيجة طبيعية لتفكيك السلطة التربوية عبر القانون والمجتمع معًا.

4. الفساد التلمذي: مرآة لفساد المجتمع

المدرسة اليوم لا تُنتج فقط الجهل والانضباط المفقود، بل أيضًا ثقافة الفساد المصغّر.
الغش في الامتحانات، التواطؤ، واستغلال النفوذ العائلي كلها مظاهر يراها التحليل السوسيولوجي (وزارة التربية، 2020) امتدادًا لفساد الكبار في الحياة العامة.
فالتلميذ الذي يرى الغش ناجحًا والكذب مجديًا لا يمكن أن يؤمن بالقيم المدرسية.
بهذا المعنى، صارت المدرسة مرآة للمجتمع أكثر منها وسيلة لتغييره.

5. العنف، المخدرات، والسطحية: أعراض أزمة القيم

تشير تقارير المركز الوطني للبحث في العلوم الاجتماعية (2017) إلى تزايد معدلات العنف والمخدرات داخل المؤسسات التربوية، مقرونة بارتفاع نسب الهدر المدرسي واللامبالاة العامة.
هذه الظواهر ليست مجرد انحرافات فردية، بل انعكاس لأزمة هوية وقيم.
لقد أصبحت المدرسة فضاءً بلا رمزية، حيث يغيب المثال والقدوة، ويتحوّل القسم إلى ساحة مفتوحة للابتذال اللفظي والسلوكي.

6. الدولة والمجتمع: تواطؤ الصمت

الدولة تُقيّد المربي بالقوانين، والمجتمع يُحاكمه بالإعلام، بينما كلاهما يطالبه بالمعجزات.
هذا التواطؤ المزدوج يخلق فراغًا تربويًا خطيرًا: الجميع يطالب بإصلاح المدرسة، لكن لا أحد يريد أن يبدأ بنفسه.
إنه صمت جماعي يُخفي وراءه خوفًا من مواجهة السؤال الحقيقي: هل نريد فعلاً مدرسة تربي؟

7. المربي المنكسر: من الذات الفاعلة إلى الذات الخائفة

يصف العديد من الأساتذة أنفسهم اليوم بأنهم يعيشون حالة من الإرهاق الوجودي قبل المهني.
لم يعد المربي يُمارس سلطته التربوية، بل يراقب نفسه خوفًا من المحاسبة.
التحوّل النفسي هنا خطير: من ذات فاعلة إلى ذات خائفة، من مربي إلى موظف ينجز ما يُطلب منه دون اقتناع.
وهذا ما تسميه مجلة التربية والتعليم (2019) «الاغتراب التربوي»، حيث يفقد المربي الإيمان برسالته ويكتفي بالبقاء داخل النظام خوفًا من الانكسار التام.

8. استعادة المربي: عودة المعنى قبل السلط

إصلاح المدرسة لا يبدأ بالمناهج، بل بإعادة الاعتبار للمربي كذات فاعلة في البناء القيمي.
ينبغي أن يُعاد التوازن بين حقوق الطفل وحقوق المعلم، كما تؤكد دراسة وزارة التربية (2020)، وأن يُمنح المعلم تدريبًا متجددًا في التربية والتوجيه الإنساني.
ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح ما لم تتحمّل الأسرة والمجتمع مسؤوليتهما في التنشئة المشتركة.
التربية ليست تكليفًا إداريًا، بل مشروع وجودي لصناعة الإنسان.

9. الوعي التربوي المفقود: دعوة فلسفية

إن الأزمة التربوية التي نعيشها ليست أزمة مناهج، بل أزمة وعي.
حين تتحوّل المدرسة إلى فضاء لتدبير الوقت بدل بناء الإنسان، يصبح كل إصلاح شكليًا.
كما يقول إيفان إيليتش في كتابه "Société sans école": “حين تحتكر الدولة التربية، تقتل روحها.”
وذلك ما حدث في تونس تدريجيًا؛ تسيّدت البيروقراطية، وغابت الفكرة.
المدرسة التي لا تُنبت القيم، مهما بلغت من التنظيم، ليست سوى إدارة بلا روح.
خاتمة:
لقد نجحنا في حماية التلميذ قانونيًا، لكننا فشلنا في حمايته تربويًا.
حوّلنا المعلم إلى آلة، والتلميذ إلى طفل متمرد، والمدرسة إلى جهاز إداري ضخم يكرر الفشل باسم الإصلاح.
فهل ما زال يحقّ لنا أن نسمي هذا الفضاء مدرسة…
أم علينا أن نعترف بأنه أصبح مختبرًا لتناسل الفوضى وغياب المعنى؟

المراجع:

1. وزارة التربية التونسية. (2020). تحولات المنظومة التربوية في تونس: من المربي إلى المدرّس. تونس: مطبعة الدولة.

2. مجلة التربية والتعليم. (2019). المدرسة التونسية بين البيروقراطية وفقدان القيم. العدد 12، ص. 45–67.

3. المعهد التونسي للدراسات القانونية. (2018). قراءة نقدية في قوانين حماية الطفل وتأثيرها على الفعل التربوي. تونس.

4. الجمعية التونسية للتربية والتنمية. (2016). تحولات العائلة التونسية ودورها التربوي في ظل العولمة. تونس: دار الفكر المعاصر.

5. المركز الوطني للبحث في العلوم الاجتماعية. (2017). العنف والتمرد في المؤسسات التربوية التونسية: دراسة سوسيولوجية مقارنة. تونس.

6. وزارة التربية التونسية. (2020). التربية والقيم في المدرسة التونسية: نحو إعادة بناء الوعي المدرسي. تقرير وطني.

7. إيليتش، إيفان. (1971). Société sans école [مجتمع بلا مدرسة]. باريس: ditions du Seuil.

8. مجلة التربية والتعليم. (2019). الاغتراب التربوي في الوسط المدرسي: من المربي إلى الموظف. العدد 14، ص. 22–41.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال