بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أحمد بن صالح

2025-11-10 923 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في التاريخ التونسي الحديث، ثمّة رجل لا يمكن المرور عليه كما يُمرّ على الوزراء في المذكرات أو التقارير الحكومية، بل كما يُقرأ فصلٌ من كتاب ميلاد الدولة، بكل ما فيه من مغامرة وأمل وانكسار. ذلك الرجل هو أحمد بن صالح، الوزير الذي أراد أن يحوّل تونس من دولة إلى فكرة، ومن مجتمع إلى مشروع، ومن إدارة ما بعد الاستعمار إلى آلة وطنية تنتج مصيرها. رجلٌ وُلد في المكنين، لا في القصر ولا في ظلّ البايات، بل في بيتٍ بسيط يشبه بدايات تونس نفسها، خرج من رحم القهر الاستعماري ليحمل على كتفيه همّ فكرة لم تنضج في العقول بعد: أن تبنى تونس بالعقل لا بالشعارات، وبالاقتصاد لا بالسياسة.
كان بن صالح ابنَ التعليم الحديث، نتاج المدرسة الصادقية التي أرادها خير الدين التونسي مصنعًا للنخبة الوطنية، وابن السوربون أيضًا، حيث شرب من مناهل الفكر الاجتماعي الفرنسي قبل أن يعود إلى بلاده ليجدها تتلمّس طريقها بين أنقاض الاستعمار وفراغ الهوية. عاد شابًا مفعمًا بالثقة، لا يبحث عن وظيفة بل عن دور. فدخل الاتحاد العام التونسي للشغل، تلك المدرسة السياسية التي كانت آنذاك حزبًا شعبيًا في ثوب نقابة، ومختبرًا لتوازنات ما قبل الاستقلال. هناك، اكتشف أن الشعب لا يُحرّك بالعاطفة وحدها، بل بالحلم، وأن الاستقلال لا يُصنع بالمظاهرات فقط، بل بالقدرة على بناء الدولة بعد زوال المستعمر.

سريعًا، صار أحمد بن صالح الأمين العام للاتحاد وهو في الثامنة والعشرين، شابًّا صعد إلى القمة في زمنٍ كان فيه القادة كهولاً من جيل بورقيبة والحبيب ثامر. وكان هذا الصعود نذيرًا بالصدام المبكر بين “النقابي الشاب” و”الزعيم الأب”. ففي مؤتمر صفاقس عام 1955، واجه بورقيبة بشجاعة، عندما اختار الاتحاد خطًّا وطنيًا أقرب إلى فكر صالح بن يوسف، فدفع ثمنها مبكرًا بالإبعاد، لأن في دولة الزعيم الواحد، كل من يفكر خارج السرب يُعتبر مؤامرة.

لكنّ الدولة التي أُسّست بعد الاستقلال لم تجد أمامها غير رجال الحلم لبنائها، فعاد بن صالح من بوابة الحكومة سنة 1957 وزيرًا للصحة، ثم وُضعت في يده مفاتيح الاقتصاد كله. وهنا تبدأ الحكاية الكبرى، الحكاية التي ستظل إلى اليوم أعظم تجربة تونسية في الاقتصاد والفكر والتنمية، وأكبر مأساة سياسية في تاريخ الجمهورية الأولى.
كان أحمد بن صالح يعتقد أن الدولة ليست جهازًا بيروقراطيًا فقط، بل فكرة حية يمكن أن تتحول إلى “مشروع إنتاجي”، وأن تونس – الصغيرة بمواردها – قادرة أن تبني نموذجًا يوازي نماذج الدول الكبرى إذا جعلت من الإنسان رأس مالها. كان يؤمن بالتخطيط كما يؤمن المتصوف بالقدر، فحوّل الاقتصاد إلى عقيدة، والتعاونيات إلى معابد للإنتاج الجماعي. وهكذا ولدت “التعاضدية” سنة 1962: فلسفة اقتصادية تُشبه الاشتراكية، لكنها مغسولة بماء تونسي. لا تشبه موسكو ولا القاهرة، بل تشبه المكنين وسوسة وصفاقس.

كان هدفه واضحًا: إنهاء نظام الملكيات الزراعية الكبرى الذي ورثته تونس من العهد العثماني ومن الاستعمار، وإدخال الفلاح في قلب الدولة. أراد أن يجعل من الفلاح موظفًا في تعاضدية، ومن الأرض ملكًا جماعيًا، ومن السوق مشروعًا وطنيًا. حلمه كان أن يعيش الجميع في دولة تملك وسائل الإنتاج، وتوزّع الثروة بالعدل. فعمّم التعاضديات على الفلاحة والتجارة، وأطلق مشاريع ضخمة: معمل السكر بباجة، معمل الورق بالقصرين، مصفاة النفط ببنزرت، مصنع الحديد بمنزل بورقيبة، وبدأت تونس، لأول مرة، تملك صناعة وطنية.
كان يخطط بعقل اقتصادي صارم، ويرى الدولة كمنظومة متكاملة لا كسلسلة من الوزارات. وفي ظلّه، تحولت الحكومة إلى ماكينة إنتاج، وأصبح بن صالح وزيرًا فوق الوزارات، يُراقب الخطط الخمسية كما يراقب المهندس خريطة المدينة التي يبنيها. كانت تلك الفترة الذهبية لبدايات الاقتصاد الوطني: التعليم المجاني، بناء المدارس، المستشفيات، المساكن الاجتماعية، انطلاق التلفزيون التونسي، وتأسيس الجامعة التونسية. كانت تونس تحلم، وتنفّذ، وتخطط.
لكنّ كل حلمٍ له ثمنه. فمع ازدياد سلطاته، ازداد خوف القصر منه. بورقيبة، الذي رآه في البداية “العقل الاقتصادي للدولة”، بدأ يشعر بأنه يملك جمهورًا وعقيدة ونجاحات. والزعيم لا يحب أن يشاركه أحد في حبّ الجماهير. أضف إلى ذلك أن الطبقة البرجوازية الناشئة، وأصحاب الأراضي، وكثيرًا من البيروقراطيين، وجدوا أنفسهم مهددين بمشروع التعاضد الذي سلبهم امتيازاتهم. فبدأت حملة خفية لتشويه الرجل وتجربته. قيل إنه يريد إقامة “دولة داخل الدولة”، وإنه يحوّل الحزب إلى حزب اشتراكي ضد “الزعيم الدستوري الأكبر”.

في النهاية، انتصر الخوف على الحلم. ففي خريف 1969، أُقيل أحمد بن صالح من جميع مناصبه، وسرعان ما تحوّل من وزيرٍ مُبجَّل إلى متهمٍ بالخيانة العظمى. لم يُحاكم مشروعه الاقتصادي فقط، بل حُوكمت الفكرة نفسها. الدولة التي صنعت التعاضد، هي نفسها التي قتلته. صدرت الأحكام الثقيلة، ودخل السجن، ثم فرّ إلى الجزائر ومنها إلى أوروبا. وهناك، في المنفى، أسّس حركة “الوحدة الشعبية”، أول تنظيم معارض في تاريخ تونس الحديث، حزبًا اشتراكيًا قوميًا، أراد أن يعيد الفكرة إلى أصلها: أن الدولة ليست زعيمًا، بل عقدًا اجتماعيًا بين الشعب والمستقبل.
في المنفى، ظلّ بن صالح يكتب ويفكر، لا كمنفيٍّ سياسي، بل كمفكر في فكرة الدولة. كان يرى أن تونس أخطأت حين استبدلت الحلم بالزعيم، والعقل بالولاء، وأن مشروعه لم يكن فاشلًا بل مُجهضًا. قال ذات يوم: “لقد زرعت بذورًا في أرضٍ خائفة، فخافت من أن تنبت.” وفعلاً، تلك البذور ظلت كامنة، وها نحن اليوم نرى آثارها في مفهوم العدالة الاجتماعية، وفي بناء الدولة الحديثة.
أما علاقته ببورقيبة، فهي واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في تاريخنا السياسي: علاقة إعجابٍ وخوف، شراكةٍ وصراع، حبٍّ وبغض. كان بورقيبة يرى فيه تلميذًا طموحًا تجاوز أستاذه، وكان بن صالح يرى في بورقيبة زعيمًا لا يريد أن يرى أحدًا بعده. كلاهما كان مؤمنًا بالدولة، لكن أحدهما أرادها دولة النظام، والآخر دولة الإنتاج. أحدهما بنى “الزعيم الأب”، والآخر أراد “المواطن المنتج”. وبين الفكرة والرجل، خسر الاثنان: سقط بن صالح في المحاكمة، وبدأ بورقيبة منذ تلك اللحظة يسير ببطء نحو العزلة والانهيار.
حين عاد بن صالح إلى تونس بعد 2000، كان الزمن قد دار دورته. لم يعد ذاك الوزير الشاب الذي يحرك الوزارات بإصبعه، بل شيخًا يبتسم للصحافيين بمرارة، كمن يرى بلاده تمر من أمامه ولا تراه. لم يُنصَف حيًا، لكنه بقي في ذاكرة التاريخ كما تبقى التجارب الكبرى التي لم تكتمل.
لقد كان أحمد بن صالح مشروع دولة فكرية، ضحية جمهورية سياسية. رجلًا أراد أن يصنع مجتمعا عادلا في زمنٍ لم يفهم العدالة إلا بمعنى الولاء. أراد أن يصنع من الشعب شركة، فحوّلته السلطة إلى خطر. كانت فكرته بسيطة لكنها عظيمة: أن تبني الأمة نفسها كما تبني بيتك، بالحساب، والعقل، والعمل. لكنّ الفكرة في العالم العربي دائمًا تسبق زمنها، فتُقتل أو تُنفى أو تُنسى.
سيبقى أحمد بن صالح، مهما حاولت الروايات الرسمية تبسيطه أو تشويهه، أحد القلائل الذين فهموا أن “الاستقلال لا معنى له إن لم يتحول إلى مشروع اقتصاديٍّ مستقلٍّ للإنسان”. وسيبقى أيضًا مرآة لتونس نفسها: بلدٌ يملك من الذكاء ما يكفي لصنع المعجزات، لكنه يملك من الخوف ما يكفي لإجهاضها.
لقد مات الرجل، لكن فكرته لم تمت. لأن في كل مرحلة من تاريخ تونس، حين ينهض السؤال عن التنمية والعدالة والمستقبل، يعود اسمه من الرماد، ليذكّرنا بأن الحلم الذي وُئد في ستينات القرن الماضي، ما زال يطالبنا بأن نعيد قراءته لا كخطأ، بل كبداية لم تكتمل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال