بالمقابل أدى منع العديد من الكتب الإسلامية إلى لفت الانظار للحضور الطاغي لكتب الطبخ والأبراج والأزياء والتقاليد الشعبية أجنحة المعرض، بحسب الجمهور.
وتشارك نحو 1027 دار نشر تمثل 32 دولة من العالم العربي وقارات أوروبا وآسيا والأمريكيَين، إضافة إلى خمس منظمات إقليمية، في المعرض الذي انطلق يوم الجمعة 25-4-2008.
ويضم المعرض أكثر من 100 ألف عنوان، فضلا عن العديد من الكتب الرقمية التي خصصت لها أجنحة كبرى.
وتم منع بعض الكتب الإسلامية علانية؛ حيث أعلن مدير الدورة أبو بكر بن فرج: "لا مكان للكتب الظلامية والمتطرفة في هذا المعرض الذي يسعى من خلال العناوين المقترحة إلى تنوير العقل والانفتاح على الآخر"، مشيرا إلى أنه جرى استبعاد قرابة 25 دار نشر وصفها "بالمتطفلة على الكتاب".
وأضاف بن فرج أنه تم "استبعاد العناوين الرديئة والمتعارضة مع القيم الجوهرية التي انبنت عليها السياسة الثقافية في تونس".
القيم الجوهرية ؟!
هذا المنع لما وصفته السلطات بالكتب "الظلامية" أثار استياء بعض الزائرين للمعرض، خاصة مع ما يلاقيه الكتاب الإسلامي من رواج كبير في معارض الكتاب بالدول العربية.
أحد هؤلاء الزائرين تساءل مستنكرا في تصريح لـ"إسلام أون لاين.نت": "ماذا يُقصد بتعارض بعض الكتب مع (القيم الجوهرية التي انبنت عليها السياسة الثقافية في تونس)؟ هل هو التمييع المتعمد والممنهج للناشئة؟ أم هي ما عبرت عنه الراقصة سهام بلخوجة في إحدى حواراتها الصحفية بقولها: (إن الرقص هو توجه سياسي في تونس)؟!".
كما أبدى معظم الناشرين امتعاضا شديدا؛ جراء منع بعض كتبهم، وكذلك الرقابة المشددة المفروضة عليهم حتى بعد انطلاق العرض.
وقال ناشر سوري: إن السلطات منعت 90% من قائمة قدّمها للجنة الرقابة، مشيرا إلى "منع كل كتب (المفكر الإسلامي السوري) محمد سعيد رمضان البوطي".
وتساءل: "هل المستهدف بهذا المنع هو ما تصفه السلطات بـ(الكتب الظلامية) أم هي الكتب الإسلامية بصفة عامة؟"
هذا التساؤل أجاب عليه ناشر مصري بقوله: "الأكيد أن المستهدف هي الكتب الإسلامية مقابل السماح لدور النشر الأخرى، وخاصة الفرنسية منها، بعرض مجمل منشوراتها دون رقابة تذكر".
وأوضح الناشر المصري أن "كل كتب ابن تيمية وابن قيم الجوزية وكتب (الشيخ محمد متولي الشعراوي) وغيرها، ممنوعة بصفة دائمة في تونس منذ سنوات".
وخصص المعرض في هذه الدورة فضاء واسعا لدول الاتحاد الأوروبي في شكل جناح مشترك، تماهيا مع العلاقات التي تربط تونس بالأوروبيين، بحسب صحيفة "الشرق" التونسية.
اتجاه للمقاطعة
إجراءات الرقابة والمنع الصارمة جعلت عددا من الناشرين يفكرون في مقاطعة الدورات المقبلة؛ حيث قال أحد القائمين على جناح مكتبة "مدبولي" المصرية لـ"إسلام أون لاين.نت": "أعتزم تقديم اقتراح لمؤسستي بعدم المشاركة مستقبلا".
وشدد على أن "الرقابة أضرت كثيرا بنسبة المبيعات، ولم نعد قادرين على تغطية تكاليف المشاركة؛ نظرا لارتفاع سعر متر العرض المربع".
وتمرّ الرقابة على الكتب المشاركة في معرض تونس الدولي بعدّة مراحل تبدأ قبل انطلاق المعرض بأسابيع؛ حيث ترسل الدور المشاركة قائمة بالكتب التي تريد عرضها، وفي هذا المستوى تتم تصفية أولية للعناوين غير المرغوب فيها.
وعندما تصل الكتب إلى الموانئ التونسية تتعرض إلى مستوى ثان من الرقابة، عن طريق أعوان شرطة الحدود والديوانة.
وخلال المعرض تتم الرقابة في مستواها الثالث؛ حيث تمر لجان الرقابة بصفة منتظمة على الأجنحة، وتركز بالأخص على الكتب التي تشهد إقبالا واضحا من قبل المتدينين.
مناسبة "فولكلورية"
واقتصرت المساحة المخصصة للكتب الدينية في المعرض على المصاحف وبعض كتب التفسير، وبالرغم من ذلك أكد وكيل إحدى دور النشر اللبنانية في تونس لـ"إسلام أون لاين.نت" أن "الإقبال على الكتب الدينية يظل الأكبر، وتظل الأقسام المخصصة لهذه النوعية من الكتب الأكثر حيوية طيلة أيام العرض".
ولفت ناشر آخر إلى أن "المنع الذي تعرضت له الكتب الدينية ساهم بشكل كبير في تراجع الإقبال على المعرض"، موضحا أن "هذه المشكلة تخص بالأساس دور النشر الأجنبية؛ حيث إن دور النشر التونسية تتعرض للرقابة طوال السنة".
"رجاء. ن"، طالبة تونسية (25 سنة)، اعتبرت أن "المعرض يتجه ليصبح مناسبة فلكلورية فقط، يعرض فيه مختلف أنواع الكتب المتعلقة بالطبخ والأزياء والتقاليد والعادات الشعبية وكتب الأبراج وحظك هذا العام.. وغيرها، في مقابل انحسار الكتب الإسلامية".
وأضافت رجاء، وهي محجبة، أن "الملفت في هذه الدورة هو تراجع عدد دور النشر المشاركة مقابل توسع الأجنحة الخاصة بالسفارات والبعثات الثقافية التابعة لها، والتي يتوفر لها دعم مالي هائل من قبل حكوماتها، على غرار الجناح الذي خصص هذا العام للاتحاد الأوروبي أو الجناح السعودي أو غيرها".
كما لفت أحمد (45 سنة)، وهو موظف وأب لثلاثة أطفال، إلى أنه "في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كان محظوظا من يتمكن من دخول المعرض في يومه الأول؛ حيث كانت تنفد الكتب بعد يوم أو يومين من الافتتاح، بينما جاء الإقبال ضعيفا على افتتاح دورة هذا العام".
تعليق على مقال