بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

القرآن كله كلام الله

2008-04-18 9301 قراءة مقالات فكر د - صالح بن فوزان الفوزان
القرآن كله كلام الله
قرأت مقالا في جريدة الرياض الصادرة يوم الثلاثاء 17/11/1428هـ للكاتب يوسف أبا الخيل تحت عنوان: ( لكيلا نسقط ‏على القرآن وزر تمذهبنا ) وقد وجدت الكاتب – هداه الله – قد وقع في أخطاء عظيمة في القرآن وتفسيره على غير مراد الله ‏منه . وفي حملته الشعواء على بني أمية ووصفهم بالظلم والقهر بما فيهم من الصحابة الأجلاء والعلماء الفضلاء فرأيت أن ‏أناقشه فيه فأقول: ‏

‏1- غلطه حول القرآن حيث جعل نصوصه عبارة عن ثلاث محاور رئيسه كما يقول: وهي محور المتكلم ومحور المستقبل ‏‏– بكسر الباء – ومحور الغائب المتكلم عنه ثم قال بعد هذا التقسيم: فما قد يأتي من نصوصه على لسان المستقبل بكسر الباء ‏فليس هو من كلام المتكلم تعالى. وإنما هو كلام ساقه الله تعالى على لسان المستقبل ( الرسول ) لغرض رئيس في وظيفة ‏النص مثل ما تحمله النصوص من كلام على ألسنة الغائبين المتكلم عنهم في القرآن أو ما تحمله من أخبار عنهم لا يمثل في ‏حقيقته كلام الله لأن ما تحمله من مضامين قد يخالف أمر الله وحكمته والله تعالى يسوقها لتؤدي هي الأخرى وظيفة محددة ‏في النص القرآن انتهى كلامه. وأقول للكاتب إن هذا التقسيم غير صحيح فالقرآن الكريم هو كلام الله كله والأقسام التي ‏يتناولها كلها كلام الله وهي كثيرة منها ما يتعلق بالله كالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك وذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله ‏ومنها التشريعات من تحليل وتحريم وحكم بين الناس فيما أختلفوا فيه ومنها الأمثال المضروبة ومنها القصص ومنها ‏الأخبار عن المستقبل في الدنيا والآخرة ومنها الوعد والوعيد فما يقصه الله عن أهل الإيمان من الرسل وأتباعهم فهو ‏للاقتداء بهم وما يقصه عن الكفرة والجبابرة فهو للتحذير من طريقتهم فقد يذكر كلام الرسل وأتباعهم ويذكر كلام الكفرة ‏وأتباعهم فالقصص – بفتح الصاد – هو كلام الله قال تعالى: {نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ }يوسف3. {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ ‏مُوسَى وَفِرْعَوْنَ }القصص3 وأما المقصوص المحكي فهو كلام البشر ذكره الله إما للإقتداء بهم أن كانوا صالحين وإما ‏للتنفير من طريقتهم إن كانوا كافرين – وكذلك ليس للرسول صلى الله عليه وسلم كلام جعله الله قرآنا – وغنما كلام الرسول ‏صلى الله عليه وسلم يكون في سنته التي هي عبارة عن أقواله وأفعاله وتقريراته إلا ما حكاه الله من قول الرسول فهو كالذي ‏يحكيه عن غيره من الرسل وكله من كلام الله تعالى باعتبار ذكره له وكذلك من غلطه في حق القرآن ما قاله حول قوله ‏سبحانه في حق المرأة في سورة يوسف {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ }يوسف28 قال: ليس هو حكم الله تعالى على المرأة، يعني فلا ‏توصف المرأة بأن كيدها عظيم يقول: لأن هذا الكلام صدر عن الملك – ونقول له: أليس الله سبحانه قد ساقه مقررا له لا ‏منكرا له بل مؤيدا له أيضاً بما حكاه الله عن يوسف عليه السلام أيضا من قوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ }يوسف50 ثم قال ‏الكاتب أن هؤلاء القصاص لا يجدون حرجاً في أن يصفوا المرأة بنقصان العقل والدين في معرض تأكيدهم تفوق وسيطرة ‏الرجل عليها وهو قول يتناقض مع القول بعظم كيدها الذي لا يكون عظيماً غلا مع قوة عقلها – وأقول: نعوذ بالله تعالى من ‏هذا القول الذي تفوه به الكاتب – فالقائل بنقصان عقل المرأة ونقصان دينها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس قائله ‏هم القصاص ولعل الذي حمل الكاتب على هذا القول الخطر جهله بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن كان يعلم أنه ‏من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وأنكره فالأمر أخطر كما قيل: ‏

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة : وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وكذلك قول الكاتب عن قول الله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى }آل عمران36 حيث قال وينسبون هذه التفرقة العنصرية إلى ‏الله تعالى ونقول للكاتب: هذه الجملة من الآية قيل إنها من كلام الله فهو الذي أخبر أن الذكر ليس كالأنثى وقيل غنها من كلام ‏مريم والله ذكرها مقررا لها والواقع يثبت أن الذكر ليس كالأنثى – ولو قيل لأي ذكر إنك كالأنثى لغضب وأظن الكاتب ‏كذلك فالذي خلق الذكر والأنثى فاوت بينهم في الخلقة والطباع والاستطاعة والعمل الوظيفي وغير ذلك لا ينكر ذلك عاقل ‏فالمرأة لا تستطيع أن تتحمل ما يتحمله الرجل لضعفها وكذلك ما ذكره الكاتب حول قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ‏نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً }الزخرف32 قال ‏الكاتب: هذه الآيات في حقيقتها نفي من الله على تلك المجتمعات التي اتخذت التفاوت الاجتماعي والذي هو من صنع البشر ‏أنفسهم ذريعه للتفاخر والكبر والبطر والسخرية ممن هم أقل مستوى منهم ونقول للكاتب هذا قول على الله بغير علم وتفسير ‏للقرآن بغير ما أراده الله فالآية التي ذكرها هي في سياق الأنكار على الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ‏واحتقروه: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }الزخرف31 قال الله تعالى رداً عليهم : {أَهُمْ ‏يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }الزخرف32 فإذا كانوا لا يملكون قسمة الأرزاق فكيف ‏يقسمون رحمة الله التي أعظمها النبوة فيعطونها لمن شاءوا أو يحرمون منها من شاءوا وأما قول الكاتب: إن التفاوت ‏الاجتماعي من صنع البشر أنفسهم فنقول كيف يقول هذا والله تعالى قال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ ‏الدُّنْيَا }الزخرف32 وبين الحكمة في ذلك: { لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً }الزخرف32 أي مسخرا له في العمل بالأجرة كي ‏يستفيد صاحب المال ويستفيد العامل ولو كانوا كلهم أغنياء لم يوجد عمال ولو كانوا كلهم فقراء لم يوجد عمل ولا أجرة فلس ‏المراد بالآية النعي من الله على المجتمعات: وإنما المراد الامتنان من الله علينا فالذي من صنع البشر إنما هو التفاخر والكبر ‏والبطر والسخرية بالفقراء وليس المراد من قوله تعالى: { لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً }الزخرف32 السخرية كما فهم ‏الكاتب وإنما المراد التسخير في العمل فهناك فرق بين ( سخريا ) بضم السين و سخريا بكسر السين كما في قوله تعالى: ‏‏{فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ }المؤمنون110 فالأول من التسخير والثاني من السخرية ‏فليفهم الفرق كيلا يلتبس هذا بهذا – كما التبس على الكاتب ففهم من الآية غير ما أراد الله بها.‏

‏2- وأما حملة الكاتب على بني أمية حيث قال: إن بداية الإنحراف الحقيقي عن القراءة العلمية للقرآن جاء على أيدي ‏الأمويين عندما التفوا على شرعية الحكم الإسلامي آنذاك مما حدى بهم إلى أن يصطنعوا شرعية جبرية مضمونها ما ادعوه ‏أن الله تعالى هو الذي ساق لهم الحكم بسابق قدره وأنه بالتالي هو من قدر عليهم غشيان المحرمات وسفك الدماء وانتهاك ‏حرمة المقدسات ولأجل شرعنة هذا الجبر عمدوا إلى توظيف الوعاظ والقصاص يؤولون نصوص القرآن – إلخ ما قال ‏ونقول له:‏

أولاً: بنو أمية هم أول من منع القصاص قال معاوية رضي الله عنه: ( لا يقص إلا أمير أو مأمور ).‏

ثانياً: ما هي أدلتك وبراهنك على ما رميت به بني أمية من هذه الأتهامات الخطرة وهم دولة مسلمة لها جهود في نشر ‏الإسلام ومقاومة الفرق الضالة وقتل الزنادقة والملاحدة.‏

ثالثاً: هل خلافة بني أمية خارجة عن قضاء الله وقدره إذا فالله سبحانه وتعالى يقع في ملكه ما لا يريد – تعالى الله عن ذلك ‏القول الذي هو في حقيقته قول المعتزلة الذين ينفون القدر.‏

رابعاً: دولة بني أمية دولة عظيمة لها مكانتها في التأريخ الإسلامي ولها جهودها في الحفاظ على الإسلام ونشره في الآفاق ‏بالدعوة والجهاد.‏

خامساً: إذا كان في دولة بني أمية من ليس على المستوى المطلوب دينيا من بعض الأمراء والعاملين في دولتهم فهذا لا ‏ينسب إلى جميع الدولة الأموية لأن هذا شيء لا تسلم منه دولة ولا مجتمع في الغالب.‏

سادساً: بنو أمية فيهم صحابة كرام كعثمان بن عفان الخليفة الراشد وأبو سفيان وأبناؤه: معاوية وأخته أم حبيبة أم المؤمنين ‏ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم رضي الله عنهم ومنهم عبد الملك بن مروان وأبناؤه ومنهم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ‏وفيهم من يغلب عدله على جوره – فهم منزهون عما رماهم به الكاتب وأظنه استقى هذا الكلام الذي قاله في بني أمية من ‏خصومهم الشيعة الذين لم يسلم منهم حتى الخلفاء الراشدون حيث قالوا فيهم إنهم اغتصبوا الخلافة من الوصي بزعمهم علي ‏رضي الله عنه وظلموا أهل البيت وأن أبا بكر وعمر صنما قريش وختاما أوصي نفسي والكاتب بتحري الحق وقول الصدق ‏والتحفظ من القول على الله وعلى رسوله بغير علم والتجني على الأبرياء وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح وصلى ‏الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال