بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

مجزرة دير ياسين في ذكراها الستين

2008-04-14 9226 قراءة مختلفات عوني فرسخ
مجزرة دير ياسين في ذكراها الستين
مع أنها لم تكن الأكثر بشاعة قياسا بمجزرة الطنطورة، حيث دفن مواطنوها أحياء، ولا كان ضحاياها الأكثر عددا قياسا ‏بمجزرة الدوايمة التي جاوز شهداؤها 500، إلا أنها تفردت بين المجازر المائة خلال حرب 1948 بكونها الأشد تأثيرا ‏كارثيا في الروح المعنوية للشعب العربي الفلسطيني، للزمان والمكان اللذين اقتُرفت فيهما، ولغلبة الانفعال على ‏الموضوعية في الإعلان عنها وترويجه. كما في الدروس المستفادة منها في حاضر ومستقبل الصراع التاريخي المتواصل ‏مع الاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني ورعاته على جانبي الأطلسي، الأمر الذي يستدعي التذكير بأمّ المجازر في ‏ذكراها الستين. ‏


انتهاك الاتفاق.. عنوان أول

فدير ياسين تعتبر البوابة الغربية للقدس، إذ تقع على الطريق إلى يافا، وبما لا يجاوز خمسة كيلومترات من قلب القدس ‏الغربية، مركز الثقل الصهيوني. وكان مواطنوها يشعرون بحراجة موقفهم لأنهم لا يجاوزون 800 نسمة وسط مستعمرات ‏يقارب مستوطنوها 150 ألفا. فضلا عن إسهامهم في ثورة 1936-1939، ومأثرتهم بالحفاظ على أراضيهم، إذ لم يبيعوا ‏شبرا منها برغم الضغوط البريطانية والإغراءات الصهيونية. وحيث كانت ضمن منطقة القدس الدولية بموجب قرار التقسيم ‏استجابوا لدعوة مخاتير المستعمرات المجاورة للاتفاق على عدم العدوان فيما بين الطرفين، وقد التزم أهالي دير ياسين ‏بذلك، كما تذكر الرواية الرسمية "الإسرائيلية" لحرب 1947-1948 (ص 254)، إلا أن شباب القرية لم يطمئنوا للاتفاق ‏فاشتروا 60 بندقية ورشاشي "برن" وكمية من الذخيرة تحسبا للطوارئ.‏

وفي مخالفة صارخة للاتفاق هاجمت منظمتا "ليهي" و"الأرغون" الإرهابيتان دير ياسين، بالاتفاق مع دافيد شلتيئيل، قائد ‏‏"الهاجاناه" في منطقة القدس، الذي فوضهما بذلك، وقدم لهما الدعم اللوجستي، وقام بمتابعة العملية من مركز قيادته في ‏مستعمرة غيفعات شاؤول. ويذكر إسحاق شامير في مذكراته أن قادة "الهاجاناه"، وإن لم يشاركوا في العملية فإنهم لم ‏يعارضوا تنفيذها، بل طلبوا أن يترك المهاجمون قوة في القرية لضمان عدم دخول قوة عربية إليها.‏


على طريق جنين ورفح

ولقد شن الهجوم 130 إرهابيا بالمصفحات ومدافع المورتر تدعمهم طائرة. إلا أن المصفحات لم تستطع اختراق الحواجز ‏المقامة على مدخل القرية، وارتدت بعد أن تكبد المهاجمون خسائر فادحة. وبرغم أنهم أعادوا تنظيم صفوفهم وعزّزوا ‏قواتهم ارتدّوا ثانية. ولما كان المدافعون لا يجاوزون 80 شابا بأسلحة خفيفة، طلبوا النجدة من عين كارم، حيث توجد سرية ‏من "جيش الإنقاذ"، إلا أنها لم تنجدهم ولا حتى زودتهم بالذخيرة التي طلبوها، كما لم ينجدهم أهالي عين كارم المعروفون ‏بالشجاعة والنخوة. إذ كان الطرفان أسرى اليأس والإحباط الشائعين بعد استشهاد الحسيني وسقوط القسطل في اليوم السابق. ‏فاستنجدوا بالجيش البريطاني، ورجال الشرطة العرب، والصليب الأحمر الدولي، إلا أن أحدا لم ينجدهم، وبعد أن نفدت ‏ذخيرتهم بدأت المجزرة في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر.‏

وكان أول شهودها جاك دي رينر، رئيس الصليب الأحمر الدولي في فلسطين الذي أدانها بشدة. وقد جاء في تقرير مساعد ‏المفتش العام لشرطة الانتداب ريتشارد كاتلنج، عن المجزرة أن عددا من التلميذات اغتصبن أو ذبحن، ومزقت جثث ‏الأطفال، وانتزعت حلى النساء من زنودهن وأصابعهن، وبترت آذان بعضهن لانتزاع أقراطهن. فيما بلغت جرأة "الوكالة ‏اليهودية" على التاريخ التبرؤ من الجريمة وإدانة مقترفيها "الذين شوّهوا شرف السلاح اليهودي وشرف العلم اليهودي" كما ‏ورد في بيان رسمي أذاعته الإذاعة الصهيونية.‏

وكان بعض الناجين قد قابلوا د. حسين الخالدي، ممثل "الهيئة العربية العليا" بالقدس، ورووا له تفاصيل المجزرة، وأنه ‏سقط منهم 400 شهيد أغلبهم من الأطفال والنساء، وأوقعوا بالعدو كثيرا جدا من القتلى. ولكنه في البيان الذي أصدره أفاض ‏بإبراز بشاعة المجزرة، ولم يذكر مقاومة شباب دير ياسين وإيقاعهم بالعدو خسائر فادحة. ظنا منه أنّه بذلك يستثير الرأي ‏العام العالمي ونخوة الأنظمة العربية. فيما يقرر بهجت أبو غربية، أحد قادة "الجهاد المقدس" في منطقة القدس يومها: "أكد ‏لي من أثق بهم من أهل القرية أن عدد القتلى العرب كان نحو 90 وأن عدد القتلى اليهود كان يقرب من ذلك".‏


الخيار "الإستراتيجي"‏

والذي لم يأخذه في حسبانه د. الخالدي، والذين روّجوا أخبار المجزرة وزادوا عما ورد في بيانه، واقع الحالة النفسية ‏للجمهور العربي بعد استشهاد عبد القادر الحسيني، القائد الذي كان يراهن عليه، وفك الحصار عن القدس الغربية بسقوط ‏القسطل. بحيث كان بيان الإثارة كارثيا بما أشاعه من رعب وهلع صب في قناة ما كان مستهدفا من "التطهير العرقي" ‏الصهيوني. ولقد دفع شعب فلسطين غاليا بسبب بيان لم يصدر عن تقدير واع للموقف.‏

فضلا عن أن مصدر البيان ومروّجيه لم يكونوا يجهلون أن لا الرأي العام الأوروبي والأمريكي، ولا الدول العظمى ممّن ‏يتأثرون بالبيانات العاطفية، أو تحركهم مآسي شعوب العالم الثالث إذا لم يكن مستطاعا استغلالها في الأغراض ‏الاستعمارية، خاصة والضحايا عرب فلسطينيون ومقترفو المجزرة الشنعاء صهاينة. فضلا عن أن د. الخالدي، وله تاريخه ‏المشهود في الحراك الوطني الفلسطيني، كان يعرف تمام المعرفة عمق ارتباط صناع القرار العربي بالقوى الاستعمارية ‏وعميق تأثرهم بتعليمات لندن وواشنطن.‏

وأن تأتي الذكرى الستون لمجزرة دير ياسين والملتزمون بالممانعة والمقاومة خيارا إستراتيجيا هم القوة التي يحسب حسابها ‏العدو الصهيوني ورعاته على جانبي الأطلسي، ففي ذلك الدلالة على أن مجازر حرب 1947-1948 التي قرنها المؤرخ ‏البريطاني أرنولد توينبي بجرائم النازية بحق اليهود، لم تفتّ بإرادة شعب الصمود التاريخي والممانعة الأسطورية. فضلا ‏عن درسي المجزرة المتمثلين بعدم التزام الصهاينة بما يتفقون عليه. وبالآثار الكارثية لبيان الاستثارة بضرورة التعاطي ‏بموضوعية مع أخبار الصدامات الراهنة، خاصة إبراز تأثيرها لدى العدو. أخذا بالحسبان أن الأمة العربية اعتادت ‏امتصاص آثار العدوان ودحر الغزاة مهما بلغ تقتيلهم وتدميرهم، فيما كان عدم تمكين العدو من الشعور بالأمن والاستقرار ‏عاملا جوهريا في تطهير الأرض العربية من دنسه.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال