بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

كهرباء الهوية وصراع المركز: من فوانيس الغاز الاستعمارية إلى هندسة السيادة الطاقية في تونس

2026-04-22 82 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كهرباء الهوية وصراع المركز: من فوانيس الغاز الاستعمارية إلى هندسة السيادة الطاقية في تونس
تتجاوز حكاية الضوء في تونس كونها مجرد تدفق تقني للإلكترونات عبر أسلاك النحاس لتصبح في عمقها سردية سياسية كبرى وملحمة سوسيولوجية تعيد رسم ملامح الجغرافيا والوجدان.
حين نتحدث عن الكهرباء في هذا الوطن فنحن لا نؤرخ لمحطات توليد أو أعمدة خشبية بل ننبش في ذاكرة التحديث القسري ونحلل بنية الاستعمار الذي أراد الضوء مصباحاً لرفاهيته وعتمة لاستنزاف مواردنا وصولاً إلى الدولة الوطنية التي حاولت تحويل تلك الشعلة إلى أداة لتوحيد الهوية وبناء الكيان.
إنها رحلة بدأت بفتيل غاز وانتهت بسيادة طاقية نناضل اليوم لاستكمالها في عصر الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وسط عالم لا يرحم الضعفاء ولا يعترف إلا بمن يملك مفاتيح طاقته بيديه.
في البدء وتحديداً في تلك السنوات العجاف من نهاية القرن التاسع عشر لم يكن الضوء في تونس بريئاً.
كان عام 1885هو العام الذي انشطر فيه الوعي التونسي إلى نصفيه، في الشمال كانت شوارع العاصمة تكتسي بوهج الغاز الفحمي لتعطي إيحاءً كاذباً بباريسية المكان بينما كان فيليب توماس في الجنوب وتحديداً في جبال الثالجة الوعرة يكتشف الكنز الدفين: الفسفاط.
هذا التزامن المريب لم يكن صدفة جغرافية بل كان تخطيطاً استراتيجياً للإمبراطورية الفرنسية التي كانت ترى في تونس مجرد ضيعة خلفية ،العاصمة مركز إداري يحتاج للإنارة ليلاً لتسهيل حركة المستوطنين والشرطة الاستعمارية والجنوب منجم مفتوح يجب أن يُستخرج أحشاؤه لإضاءة مصانع أوروبا.
كان فجر الاستنارة في تونس استنارة انتقائية حيث تنتهي خطوط الإضاءة عند أبواب المدينة العتيقة كأن الضوء في المخيال الاستعماري هو علامة مسجلة للمدينة الأوروبية بينما تترك الأحياء العربية في عتمتها كرمز للتخلف المزعوم وهو ما أسس لظاهرة الفصل المكاني والطبقي الذي ظلت تونس تعاني منه لعقود طويلة.
ومع حلول عام 1902 دخلت تونس عصر الكهرباء الحقيقي لكنه لم يكن دخولاً من باب الرفاهية المنزلية بل من باب المصلحة الصناعية والنقل.
تأسست الشركات الأولى لتلبية حاجة المحركات التي بدأت تنهش الأرض وتحرك الترامواي.
كان قرار تحويل خط تونس وحلق الوادي والمرسى إلى الجر الكهربائي في عام 1905 بمثابة الانتصار التقني للمحرك على العربة التي تجرها الخيول لكن هذا الانتصار كان محصوراً في حزام يخدم الحركة التجارية الفرنسية.
وهنا نلاحظ مفارقة تاريخية صارخة فالكهرباء التي كانت تضيء قصور ضاحية المرسى كانت هي نفسها القوة التي تحرك المطارق العملاقة في مناجم المتلوي والرديف وأم العرايس.
في الحوض المنجمي لم تكن الكهرباء رفاهية بل كانت عصب الحياة لماكينة الاستخراج. و
صلت الكهرباء إلى أعماق جبال قفصة قبل وصولها إلى مدن كبرى في الساحل والوسط، لا لشيء إلا لأن الفسفاط كان يتطلب عملاً متواصلاً على مدار الساعة.
كان الضوء في المنجم هو الضوء الذي يقتل عتمة الجبل ليزيد من مردودية العامل الخماسي التونسي الذي كان يكدح في ظروف لا إنسانية ليغذي خزائن شركة الفسفاط والسكك الحديدية. تلك الشركة التي كانت دولة داخل الدولة تملك المحطات وتملك الأسلاك وتملك حياة العمال وموتهم.
كان المجمع السكني للأوروبيين في المتلوي يغرق في الضوء والموسيقى المنبعثة من أجهزة الراديو بينما كان العامل التونسي في أحياء العمال يعيش على وهج القنديل الشحيح في تجسيد صارخ لما يمكن تسميته بالفصل العنصري الطاقي.

قبل الاستقلال كانت الخارطة الكهربائية في تونس عبارة عن فسيفساء مشتتة من الإقطاعيات التقنية. ثماني شركات خاصة معظمها بتمويل فرنسي تتقاسم جسد الوطن.
كانت كل شركة تعمل بمعاييرها الخاصة، بجهد كهربائي مختلف وترددات متضاربة، مما جعل الربط بين المدن التونسية ضرباً من المستحيل التقني.
لم يكن هذا التشتت ناتجاً عن غباء هندسي بل كان سياسة استعمارية مدروسة تمنع نشوء أي تكامل اقتصادي وطني.

كانت صفاقس جزيرة طاقية وتونس العاصمة جزيرة أخرى والشمال جزيرة ثالثة وكلها مرتبطة سرياً بالشركات الأم في باريس.
كان هذا الوضع يجسد حالة التبعية المطلقة حيث لا يملك التونسي من أمره شيئاً في مواجهة شركات كانت ترى في الكهرباء سلعة للربح السريع وليست حقاً إنسانياً أو أداة للتنمية.
وعندما جاء الاستقلال أدرك القادة الأوائل أن السيادة التي لا تملك ضوءها هي سيادة عرجاء.
كانت معركة تأميم الكهرباء في عام 1962 هي معركة التحرر الثانية .بصدور المرسوم التاريخي الذي أعلن ولادة الشركة التونسية للكهرباء والغاز انتهى زمن الإقطاعيات الطاقية وبدأ زمن الدولة الوطنية.
لم يكن الأمر مجرد تغيير في الأسماء على الفواتير بل كان مشروعاً ضخماً لتوحيد الترددات والجهود الكهربائية في كامل التراب الوطني.
كان التحدي تقنياً وهندسياً بامتياز، كيف نربط الشمال بالجنوب؟ وكيف نوحد ما فرقته الشركات الاستعمارية؟
كان المهندس التونسي في تلك المرحلة هو الجندي المجهول الذي خاض معركة الأسلاك والمحولات ليصنع شبكة وطنية موحدة.
كان الهدف هو تحويل الكهرباء من امتياز للمستعمر إلى حق لكل مواطن في أبعد قرية في جبال خمير أو في أعماق صحراء تطاوين.
أحدث دخول الكهرباء إلى البيوت التونسية صدمة حضارية وسوسيولوجية لا تزال آثارها محفورة في الذاكرة الشعبية.
في القرى البعيدة حيث كان الليل مرادفاً للسكون المطلق والمخاوف الغيبية استُقبل المصباح الكهربائي بريبة دينية وتوجس فلسفي.
أطلقوا عليه نور الشيطان لأنهم لم يستوعبوا كيف يشتعل الضوء بضغطة زر دون نار أو زيت لكن هذا النور الشيطاني المزعوم سرعان ما أصبح هو النور الرحماني الذي كسر عزلة الريف.
بفضل الكهرباء دخل الراديو إلى كل بيت وأصبح صوت المذيع هو الخيط الرفيع الذي يربط القروي في الشمال بالبدوي في الجنوب ليشكل وعياً قومياً موحداً حول قضايا الوطن والعروبة والاستقلال.
فعلت الكهرباء في سنوات قليلة ما لم تفعله قرون من التلقين، مدت الزمن الاجتماعي وأصبح بإمكان العائلات السهر والقراءة والتعلم بعد غروب الشمس مما خلق جيلاً من أبناء الاستقلال الذين تعلموا على ضوء المصباح الكهربائي ليبنوا تونس الحديثة.
معمارياً، غيرت الكهرباء فلسفة البيت التونسي.
تراجع وسط الدار المفتوح الذي كان مصدراً وحيداً للضوء واتجهت التصاميم نحو الغرف العميقة والمغلقة مما عزز من مفهوم الخصوصية الفردية وغير من نمط التفاعل الأسري.
وفي الأسواق العتيقة كانت الكهرباء هي السكين التي ذبحت مهناً تراثية ضاربة في القدم.
اختفى المشاعلجي الذي كان يطوف بالأزقة لإنارة الفوانيس ومع اختفائه ضاعت طقوس ليلية كانت تمنح المدينة روحها.
تراجعت صناعة القناديل النحاسية لتتحول إلى مجرد ديكور صامت لكن في المقابل منحت الكهرباء الورش الحرفية قدرة إنتاجية هائلة حيث دخلت الآلات لتعصر الزيت وتطحن القمح وتقطع الخشب بدقة لم تكن تخطر على بال أجدادنا.

لكن الجرح ظل مفتوحاً في الحوض المنجمي.
هذه المنطقة التي أعطت تونس الفسفاط والكهرباء ظلت لعقود تعيش تحت وطأة شعور مرير بالتهميش.
كانت أسلاك الضوء تمر فوق رؤوس الأهالي لتضيء الفنادق والمدن الساحلية بينما تظل قراهم تعاني من ضعف التجهيزات والبطالة.
هذا التفاوت التنموي هو الذي جعل من قفصة ومنطقتها المنجمية بركاناً دائماً للثورة.
اليوم ونحن في عام 2026 تجد تونس نفسها أمام منعطف طاقي جديد.
لم تعد المحطات التقليدية التي تعمل بالغاز والوقود الثقيل كافية ولا هي مستدامة في ظل التغيرات المناخية والجيوسياسية المتسارعة.
المعركة الحالية هي معركة الانتقال نحو الطاقات المتجددة. الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية ليسا مجرد خيارات تقنية بل هما ضمانة الاستقلال الوطني في القرن الحادي والعشرين.
تونس بموقعها الجغرافي الفريد وإشعاعها الشمسي الذي لا ينضب في الجنوب مرشحة لتكون قلباً نابضاً للطاقة في المتوسط لكن هذا يتطلب شجاعة سياسية وتشريعية لكسر القيود البيروقراطية وفتح الباب أمام المبادرات الشعبية والاستثمارات الوطنية الكبرى.
القوانين التي صدرت في السنوات الأخيرة من قانون الإنتاج الذاتي إلى تشريعات الهيدروجين هي خطى في الاتجاه الصحيح لكنها تحتاج إلى إرادة حديدية لتطبيقها على أرض الواقع بعيداً عن ضغوط اللوبيات الدولية.

إننا نكتب اليوم فصلاً جديداً في ملحمة الضوء.
فبعد أن كان الضوء سلاحاً بيد المستعمر ثم أداة بيد الدولة يجب أن يصبح اليوم ثروة بيد الشعب.
السيادة الطاقية الحقيقية تعني أن ننتج ضوءنا من شمسنا ورياحنا وألا نظل رهائن لتقلبات الأسعار العالمية أو لرحمة الشركات العابرة للقارات.
حكاية الكهرباء في تونس هي مرآة لصراعنا من أجل الوجود فكما حول الأجداد تلك الشرارة الاستعمارية إلى شعلة وطنية يقع على عاتقنا اليوم أن نحول شمسنا إلى محرك للنهضة الصناعية والرقمنة والسيادة التكنولوجية.

التاريخ لا يرحم الشعوب التي تغط في نوم عميق بينما العالم من حولها يتسابق لامتلاك مصادر القوة وتونس التي كانت دائماً منارة للعلم والحضارة في قلب المتوسط لا يمكنها أن تكتفي بدور المستهلك السلبي.
الضوء الذي انطلق من مصابيح شارع الحبيب بورقيبة في نهاية القرن التاسع عشر يجب أن يمتد اليوم ليكون ضوءاً للعقل والابتكار والذكاء الاصطناعي.
لا نريد مجرد أسلاك تنقل الكهرباء بل نريد شبكة تنقل الأمل والعدالة وتصون كرامة التونسي في وطنه.
حكاية الضوء في تونس هي في الحقيقة حكاية الحرية
تلك الحرية التي لا تكتمل إلا بامتلاكنا لقرارنا الطاقي وفهمنا لدروس الماضي واستشرافنا الواعي لآفاق المستقبل الذي لا مكان فيه لمن يعيش في الظل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال