بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المنزع الإصلاحي وإشكالية التحديث عند محمود قابادو: دراسة في جدلية النص والواقع بتونس القرن التاسع عشر

2026-04-16 299 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المنزع الإصلاحي وإشكالية التحديث عند محمود قابادو: دراسة في جدلية النص والواقع بتونس القرن التاسع عشر
في قلب تونس التي كانت تئن تحت وطأة التحولات الكبرى في القرن التاسع عشر برز رجل لم يكن مجرد عابر سبيل في تاريخ الفكر بل كان الجسر الذي حاولت من خلاله الأمة العبور من ضفة التقليد إلى لجة التحديث دون أن تغرق.
إنه محمود قابادو ذلك الشيخ الذي ولد وفي عروقه بقايا من حنين أندلسي ضائع وفي عقله طموح عثماني متوثب.
لم تكن حياته التي بدأت عام ألف وثمانمئة وخمسة عشر مجرد سيرة ذاتية لرجل دين بل كانت مختبرا حقيقيا لتشريح إشكالية النهضة في مجتمع يرى في كل جديد بدعة وفي كل وافد تهديدا. إن فهم قابادو يتطلب منا أولا أن نتحلل من النظرة السطحية التي تحصره في جلباب الفقيه لنراه في حقيقته كمهندس اجتماعي ومشرع لاهوتي حاول أن يجد في نصوص الوحي مساحة تتسع لمخترعات العصر وعلوم المادة.

نشأ هذا الفتى في أزقة مدينة تونس العتيقة لعائلة منحدرة من مهاجري الأندلس الذين استقروا في الإيالة هربا من القمع الإسباني وهذا الأصل بالذات كان يمنحه وعيا مبكرا بمرارة الهزيمة الحضارية. فمن يفقد وطنا بحجم الأندلس يدرك جيدا أن الصلاة وحدها لا ترد الجيوش الغازية وأن هناك خللا ما في منظومة القوة الإسلامية. تلقى تعليمه في جامع الزيتونة المعقل التاريخي للعلوم الشرعية لكن روحه المتمردة كانت تضيق بالمنطق الأرسطي العقيم والشروحات التي تكرر نفسها. كان يميل منذ صباه إلى العزلة التأملية والصوفية التي لم تكن بالنسبة له هروبا من الواقع بل كانت وسيلة لتطهير العقل من غبار التواكل.
تتلمذ على يد الشيخ إبراهيم الرياحي الذي كان بدوره علامة فارقة في عصره ومنه تعلم قابادو أن العالم الحقيقي هو من يقرأ كتاب الكون جنبا إلى جنب مع كتاب الوحي.

جاءت الرحلة إلى إسطنبول بين عامي ألف وثمانمئة وخمسة وثلاثين وألف وثمانمئة وثمانية وثلاثين لتكون الصدمة المعرفية التي أعادت تشكيل وعيه بالكامل. في عاصمة الخلافة رأى قابادو بدايات التنظيمات العثمانية وشاهد كيف بدأت الدولة العلية تستعير أدوات الغرب التقنية لترميم جسدها المتهالك.
لم تكن إسطنبول بالنسبة له مجرد مآذن وقصور بل كانت مدرسة لتعلم فن البقاء في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.
عاد إلى تونس وهو يحمل قناعة راسخة بأن إصلاح الأمة لا يبدأ من الوعظ الأخلاقي المجرد بل من امتلاك ناصية العلوم الرياضية والطبيعية.
كان يرى أن تفوق أوروبا لم يكن ناتجا عن عبقرية عرقية بل عن منهجية عقلية جعلت المادة طوع إرادة الإنسان.

عندما قرر المشير أحمد باي تأسيس المدرسة الحربية بباردو عام ألف وثمانمئة وأربعين كان يدرك أنه بحاجة إلى رجل يشرعن هذا الانفتاح أمام العامة والنخبة المحافظة فكان قابادو هو الخيار الأمثل. في رحاب تلك المدرسة التي كانت تخرج الضباط والمهندسين لم يكتف الشيخ بتدريس اللغة والأدب بل وضع ما يمكن تسميته لاهوت الإصلاح العسكري.
كان يقف أمام طلابه ليفسر لهم أن دراسة الهندسة والميكانيكا والكيمياء هي في جوهرها عبادة لأنها تمكن المسلمين من إعداد القوة التي أمر بها القرآن. صاغ مصطلح العلوم الحكمية ليرفع الحرج عن المترددين مؤكدا أن هذه العلوم هي إرث إسلامي ضائع استثمره الغرب وطوره وأن استردادها هو عودة إلى الأصل لا تشبها بالأغيار.

لقد كان قابادو يمارس دورا خطيرا وحساسا فهو الذي مهد الطريق فكريا لظهور جيل من المصلحين الكبار مثل خير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف. هؤلاء الرجال الذين سيصيغون لاحقا عهد الأمان ودستور عام ألف وثمانمئة وواحد وستين كانوا ينهلون من معين قابادو الذي فكك لهم عقدة الخوف من الغرب.
كان يرى أن الحكمة ضالة المؤمن وأنه لا ضير من الاقتباس من النظم الإدارية والسياسية الأوروبية ما دامت تحقق العدل والمصلحة العامة التي هي مقصد الشريعة الأسمى.
هذا الانفتاح لم يكن انبطاحا حضاريا بل كان محاولة ذكية لإيجاد لغة مشتركة بين الإسلام والحداثة.

بيد أن هذه المسيرة لم تخلُ من تناقضات مؤلمة تعكس حال المثقف في ظل السلطة المطلقة.
فرغم كونه منظرا للحرية والعدل إلا أنه ظل مقربا من البلاط الحسيني ومدافعا عن استقرار الدولة حتى لو كان ذلك على حساب المطالب الشعبية.
تجلى هذا التناقض بوضوح إبان ثورة علي بن غذاهم عام ألف وثمانمئة وأربعة وستين حينما انتفضت القبائل التونسية ضد الجور الجبائي والفساد المالي.
في تلك اللحظة الحرجة اختار قابادو الوقوف في صف الباي معتبرا الثورة فتنة تهدد كيان الإيالة وتعطي الذريعة للقوى الاستعمارية للتدخل. كان يرى ببراغماتية قاسية أن بقاء الدولة بظلمها أهون من الفوضى التي قد تودي بما تبقى من سيادة وطنية.
هذا الموقف جعل منه في نظر التاريخ شخصية إشكالية فهو الثائر فكريا والمحافظ سياسيا.

على الصعيد الوجداني كان قابادو يعيش حياة باطنية صوفية عميقة حيث انتمى للطريقة المدنية التي كانت تدعو إلى الجمع بين العمل والذكر. هذه الصوفية هي التي منحت شعره تلك الجزالة والقوة فكان ينظم قصائد في مدح العلم والتنوير بقدر ما كان ينظم في العشق الإلهي. شعره لم يكن مجرد ترف أدبي بل كان وسيلة لنشر أفكاره الإصلاحية وتوثيق لحظات التحول الكبرى في تونس.
كان يستخدم القصيدة ليمجد الدستور ويشيد بالمؤسسات الحديثة محاولا تطويع اللغة العربية الكلاسيكية لاستيعاب مفاهيم سياسية واجتماعية جديدة تماما على الوعي الجمعي آنذاك.

رحل محمود قابادو في عام ألف وثمانمئة وواحد وسبعين قبل عقد واحد من وقوع تونس تحت نير الاحتلال الفرنسي وكأنه برحيله أغلق صفحة المحاولة الأخيرة للإصلاح من الداخل. مات وهو يرى مشروعه في مدرسة باردو يتفكك والدولة تغرق في الديون والتبعية. لكن أثره ظل نابضا في تلاميذه الذين حملوا شعلة النهضة حتى في أحلك ظروف الاستعمار.
إن قراءة قابادو اليوم ليست مجرد استعادة لذكرى رجل بل هي مواجهة مع أسئلتنا المعلقة حول كيفية التحديث دون فقدان الهوية وحول دور المثقف في لحظات الانهيار التاريخي.
كان قابادو يمثل العقل القلق الذي لم يرضَ بالبقاء في الماضي ولم يستطع القفز كليا نحو المستقبل فظل واقفا على الحافة يكتب بمداد من أمل وقلق فصولا لم تنتهِ بعد من ملحمة النهضة العربية.

في تفاصيل حياته اليومية كان يقال إن قابادو يجمع بين هيبة العلماء وبساطة الزهاد فكان يجلس في حلقات الدرس بالزيتونة ليناقش أعقد المسائل الفقهية ثم يذهب إلى مدرسة باردو ليتحدث عن قوانين الفيزياء وتطبيقات المدافع. هذا الجمع بين المتناقضات هو ما جعل شخصيته فريدة ومثيرة للجدل حتى يومنا هذا. ففي الوقت الذي كان فيه التيار المحافظ يرى فيه مارقا يشرعن لعلوم الكفار كان التيار التغريبي يراه غارقا في التراث لا يستطيع الفكاك منه. والحقيقة أنه كان يقف في تلك المنطقة الرمادية الصعبة يحاول أن يصنع من الشريعة والعلوم الحديثة نسيجا واحدا يقوي ظهر الدولة التونسية أمام الأطماع الأوروبية.

عندما نتأمل في إسهامه في جريدة الرائد التونسي نجد أنه كان يدرك مبكرا أهمية الإعلام في تشكيل الرأي العام وتوجيه النخبة.
من خلال مقالاته وأشعاره في تلك الجريدة حاول أن يبشر بمفهوم المواطنة والقانون بديلا عن الرعوية والولاء المطلق للأشخاص.
كان يؤمن بأن الدولة الحديثة لا تقوم إلا على المؤسسات وأن الحاكم مهما بلغت حكمته يحتاج إلى دستور يقيده وإلى بطانة من أهل العلم والصدق تشير عليه بالحق.
لكنه كان في الوقت نفسه يدرك هشاشة الواقع التونسي ولذلك كانت دعواته الإصلاحية تتسم بالتدريج والحذر الشديد خوفا من ردات الفعل العنيفة التي قد تطيح بكل شيء.

إن إشكالية قابادو الكبرى كانت تكمن في الرهان على المستبد المستنير فهو كغيره من مصلحي ذلك العصر كان يعتقد أن التغيير يأتي من قمة الهرم السلطوي لا من قاعدته الشعبية.
لذلك بذل كل جهده في إقناع البايات بضرورة التحديث دون أن يلتفت كفاية لتمكين المجتمع من أدوات الرقابة والمحاسبة.
هذا النهج الفوقي في الإصلاح هو ما جعل إنجازاته تتبخر بمجرد تغير موازين القوى أو تبدل الأهواء في قصر باردو.
ومع ذلك لا يمكن إنكار أن البذور التي غرسها في تربة الفكر التونسي هي التي أنبتت لاحقا حركة وطنية واعية استطاعت أن تجمع بين المطالبة بالاستقلال والتمسك بقيم العصر الحديث.

لقد كان قابادو يمثل تلك الومضة العبقرية في ليل التراجع الحضاري رجل أراد أن يعيد للمسلمين ثقتهم بعقولهم بعد قرون من الجمود والتبعية للنصوص الجامدة.
كان يرى في التاريخ دورات حضارية وأن الأمة التي تهمل أسباب القوة المادية محكوم عليها بالفناء مهما كانت عدالتها الروحية. كلماته التي كان يرددها حول ضرورة استعادة العلوم الحكمية تظل صرخة في وادي الصمت العربي تذكرنا بأن الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم ليست قدرا محتوما بل هي نتيجة لخياراتنا الفكرية والسياسية.

في الختام يظل محمود قابادو ذلك الشيخ الذي ارتدى زي العسكر روحا وفكرا ليحمي حمى الوطن بالمعرفة قبل السلاح.
لم يكن مجرد لاهوتي للإصلاح بل كان فيلسوفا للضرورة التاريخية أدرك أن العالم يتغير بسرعة جنونية وأن البقاء فيه يتطلب شجاعة في المراجعة وقوة في الاقتباس وذكاء في التبيئة.
ورغم أن جسده ووري الثرى في مقبرة الجلاز بتونس إلا أن روحه القلقة وأفكاره الجريئة لا تزال تطل علينا من وراء السنين لتسألنا عما فعلنا بمداد الإصلاح الذي تركه لنا وهل نجحنا في إكمال البناء أم أننا لا نزال نراوح مكاننا بين صدمة الحداثة وغيبوبة التقليد.
قابادو ليس مجرد تاريخ بل هو مرآة تعكس عجزنا وقوتنا في آن واحد وتدعونا للاستبصار في شروط النهوض الحقيقي الذي يبدأ من تحرير العقل قبل تحرير الأرض.
لم تكن مقدمته لكتاب جوميني مجرد واجهة لعمل مترجم بل كانت بيانا فكريا متكاملا يحلل أسباب التخلف العسكري الإسلامي. فبينما كان غيره يفسر الهزائم بغضب إلهي أو بضعف الوازع الديني كان قابادو يضع إصبعه على الجرح التقني والمنهجي.
كان يقول بلسان الحال إن الشجاعة في المعركة لا تكفي إذا كان الخصم يمتلك خرائط أدق ومدافع أبعد مدى وتنظيما أكثر صرامة.
هذا الانتقال من التفسير الغيبي للتاريخ إلى التفسير المادي والواقعي كان ثورة حقيقية في الفكر الديني التونسي.
فقد أخرج مفاهيم التوكل والقضاء والقدر من دائرة الاستسلام السلبي إلى دائرة العمل الفعال والأخذ بالأسباب.

وفي تواصله مع النخبة الأوروبية المقيمة في تونس أو تلك التي زارتها كان قابادو يظهر احتراما كبيرا للمنجزات العلمية الغربية لكنه كان يحذر دائما من الذوبان الثقافي.
كان يرى في الترجمة وسيلة لنقل القوة لا لتقليد النمط المعيشي.
وبالنسبة له فإن تعلم اللغة الفرنسية أو الإيطالية كان بمثابة امتلاك مفاتيح الخزائن المغلقة وليس لتغيير الهوية الذاتية.
هذا التوازن الدقيق بين الانفتاح والتحصن هو ما جعل منه مرجعا موثوقا حتى لمن كان يختلف معه في التوجهات السياسية.

أما عن علاقته بالصوفية فقد كانت مخرجا له من ضغوط الواقع السياسي المرير. ففي الزاوية المدنية كان يجد ذلك الفضاء الروحي الذي يمنحه السكينة ويذكره بأن وراء هذا العالم المادي المزدحم بالصراعات حقيقة أزلية لا تتغير. لكن صوفيته لم تكن دروشة ولا انقطاعا عن الدنيا بل كانت وقودا يحثه على إصلاح شؤون الخلق باعتبار ذلك جزءا من عبادة الخالق.
كان يرى أن الإنسان الكامل هو من يجمع بين الفناء في الله والبقاء في خدمة عباده وهذا المبدأ هو الذي جعله يقبل المناصب الرسمية كالإفتاء والقضاء لا حبا في الجاه بل رغبة في تحقيق ما يمكن من العدل في زمن عز فيه المنصفون.

تعتبر السنوات الأخيرة من عمره مرحلة من التأمل الحزين حيث بدأت ملامح الانهيار المالي للدولة تلوح في الأفق وبدأ التدخل الأجنبي يأخذ أشكالا سافرة عبر الكومسيون المالي.
كان يرى جهده يضيع هباء بسبب سوء الإدارة وفساد الحاشية التي لم تستوعب من التحديث إلا قشوره الخارجية ومظاهره الباذخة. ورغم ذلك ظل وفيا لمبادئه كاتبا ومدرسا حتى النفس الأخير. لقد ترك خلفه مكتبة ثرية من المؤلفات والرسائل التي لم ينشر الكثير منها في حياته لكنها ظلت تتداول بين النخبة كدستور غير رسمي للإصلاح.

إننا إذا ما أردنا أن ننصف قابادو اليوم فعلينا أن ننظر إليه في سياقه الزمني لا بمعايير عصرنا الحاضر. فهو ابن لحظة تاريخية كانت فيها الهزيمة شاملة والخيارات محدودة جدا.
وفي تلك الظروف الصعبة استطاع أن يبني صرحا فكريا صمد أمام عواصف الزمن.
علمنا أن الإصلاح ليس مجرد قرارات سلطوية بل هو تغيير في البنية العقلية للمجتمع وأن الدين إذا ما فهم بشكل صحيح يمكن أن يكون أقوى محرك للتطور والتقدم.

إن سيرة محمود قابادو تذكرنا بأن العبقرية ليست في اكتشاف الجديد دائما بل في القدرة على التوفيق بين القديم والحديث ونسج خيوط المصلحة من صلب الشريعة. كان رجلا يرى بعينين مختلفتين عينا تنظر إلى بطون الكتب الصفراء لتستخرج منها جواهر الحكمة وعينا تنظر إلى أفق المستقبل لتستشرف ما يهدد الأمة من أخطار. وبين هاتين الرؤيتين صاغ قابادو
ملحمة فكرية تظل تونس والمنطقة العربية مدينة لها بالكثير من الفضل في تشكيل وعينا الحديث.

عند الحديث عن تأثيره في الدستور التونسي الأول لا يمكننا إغفال دوره في صياغة اللغة القانونية التي جمعت بين رصانة الفقه الإسلامي ودقة التشريع الحديث.
كان يرى في الدستور وسيلة لرفع الظلم عن الرعية ولإلزام الحاكم بالتشاور وهو مبدأ قرآني أصيل حاول قابادو بعثه في قالب مؤسساتي. ورغم أن التجربة الدستورية لم تدم طويلا إلا أنها كانت سابقة في العالم العربي والإسلامي وأسست لفكرة الدولة القانونية التي لا تزال تراود أحلام الشعوب في المنطقة.

إن قابادو لم يكن مجرد فرد بل كان ظاهرة فكرية واجتماعية تعكس طموحات إيالة تونسية أرادت أن تكون مختبرا للتحديث في العالم الإسلامي. وبفضله وبفضل رفاقه من العصبة الإصلاحية اكتسبت تونس تلك السمعة كبلد منفتح ومبادر للإصلاح وهي السمعة التي لا تزال تفتخر بها حتى اليوم.
كان الشيخ يدرك أن الشعوب لا تنهض إلا بالصبر على التعلم وبالقدرة على نقد الذات والاعتراف بالضعف تمهيدا للاستقواء بالعلم والعمل.

في كل بيت من بيوت شعره وفي كل سطر من رسائله نجد ذلك النبض القوي الذي يدعو للنهوض واليقظة. كان يكره الخمول والرضا بالواقع السيء ويحث الشباب دائما على طلب العلا عبر التبحر في الفنون والعلوم.
لم يكن يرى تعارضا بين أن يكون المرء مسلما متمسكا بدينه وبين أن يكون مهندسا أو طبيبا أو فلكيا يشار إليه بالبنان بل كان يرى أن قمة التدين هي في إعمار الأرض وإفادة البشرية بما ينفعها.

لقد عاش قابادو حياته وهو يحاول الإجابة على السؤال الصعب كيف نكون نحن دون أن ننغلق عن العالم؟
وكيف نقتبس من العالم دون أن نفقد أنفسنا؟
وهذه الأسئلة لا تزال قائمة حتى يومنا هذا مما يجعل من فكر قابادو فكرا راهنا وحيا يتجاوز حدود زمانه ومكانه.
إنه الرمز الذي يذكرنا بأن النهضة ليست استيرادا للآلات بل هي تبنٍ للمنهج وبناء للإنسان القادر على تطويع تلك الآلات لخدمة قيمه وأهدافه.

إن محمود قابادو سيظل في الذاكرة التونسية والعربية ذلك المنار الذي أضاء في وقت كان فيه الظلام يلف كل شيء. رجل آمن بالعقل في زمن الخرافة وبالعلم في زمن الجهل وبالإصلاح في زمن الانحطاط.
وبذلك استحق أن يكون بحق لاهوتي الإصلاح ورائد التحديث الذي لم ينحنِ للعواصف بل حاول توجيهها لصالح وطنه وأمته.
وفي كل مرة نفتح فيها ملفات النهضة سنجد قابادو هناك بابتسامته الهادئة وقلمه الرشيق وعقله المتوقد يرشدنا نحو آفاق أرحب من المعرفة والحرية والكرامة.

من المدهش حقا كيف استطاع هذا الرجل أن يحافظ على توازنه النفسي والعقلي وسط كل تلك العواصف السياسية والاجتماعية. فبينما كانت الرؤوس تتطاير والمؤامرات تحاك في كواليس القصور كان هو غارقا في صياغة منظومة تعليمية جديدة تهدف إلى بناء الإنسان التونسي الحديث.
كان يدرك أن السياسة متغيرة وأن الحكام زائلون لكن العلم هو الباقي وهو الذي سيشكل وعي الأجيال القادمة. ولذلك فإن استثماره الحقيقي كان في تلاميذه وفي تلك المؤسسات التي سعى لتأسيسها وتطويرها.

تظل علاقة قابادو بالقوة العسكرية علاقة فلسفية بامتياز فهو لم يكن ينظر للجيش كأداة للقمع بل كدرع للحضارة. كان يؤمن بأن الثقافة والفنون والآداب لا يمكن أن تزدهر في مجتمع مكشوف عسكريا ومستباح من قبل القوى الخارجية.
ومن هنا جاء حماسه الشديد لمدرسة باردو وتفانيه في إضفاء الشرعية الدينية على كل ما هو جديد في فنون الحرب والقتال.
كان يريد جيشا متعلما يحمل السلاح بيد والكتاب باليد الأخرى وهذا الحلم وإن تعثر في حياته إلا أنه ظل ملهما للكثيرين ممن جاءوا بعده.

وفي نهاية المطاف فإن محمود قابادو هو قصة كفاح فكري ضد الجمود والتبعية. قصة رجل امتلك الجرأة ليقول إننا متخلفون وعلينا أن نتعلم من غيرنا دون خجل وقصة مصلح حاول أن يزرع النور في العيون التي اعتادت الظلام.
إننا مدينون له ليس فقط بما كتبه بل بتلك الروح الوثابة التي بثها في جسد الأمة والتي لا تزال تحرك فينا الرغبة في التغيير والبحث عن غد أفضل.
إنه محمود قابادو الشيخ الذي عاش للمستقبل وهو غارق في تفاصيل الماضي فاستحق أن يكون خالدا في ضمير التاريخ.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال