بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جغرافيا الانتحار: مأساة المجبى والسيادة المصلوبة بين خزندار العهد الصادقي ومماليك الصندوق الدولي

2026-04-21 332 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جغرافيا الانتحار: مأساة المجبى والسيادة المصلوبة بين خزندار العهد الصادقي ومماليك الصندوق الدولي
تونس في مهب الديون وبين مطارق المماليك هي ليست مجرد رقعة جغرافية في خاصرة المتوسط بل هي جرح كوني مفتوح ومختبر تاريخي بائس لكل أنواع الخيانات المنظمة التي تمارسها النخب ضد شعوبها في غرف الصمت وبين أوراق المصارف المعتمة.
حين نستدعي روح علي بن غذاهم في هذا الزمن الرديء فنحن لا نمارس ترفا تاريخيا أو نبشا في المقابر بل نحن نشرح جثة الدولة التونسية التي يبدو أنها لم تتعلم شيئا من انتحارها الأول في القرن التاسع عشر وهي تهرع اليوم بلهفة المحموم نحو انتحارها الثاني.
إن ثورة 1864 التي يسمونها استخفافا ثورة المجبى لم تكن مجرد عصيان جبائي لفلاحين جائعين بل كانت الانفجار الأخلاقي الأخير لمجتمع يرفض أن يتحول إلى وقود لمداخن المصارف الأوروبية ولشهوات نخبة مملوكية باعت الوطن قبل أن تقبض الثمن.

بدأت المأساة حين قرر القياصرة والملوك في مؤتمر فيينا عام 1815 تجريد تونس من مخالبها البحرية. كانت القرصنة أو جهاد البحر هي المورد السيادي الذي يمنح الدولة استقلالها المالي بعيدا عن عصر جيوب الرعية.
وبسقوط هذا المورد تحت ضغط المدافع الغربية وجدت الإيالة التونسية نفسها أمام خيارين إما بناء اقتصاد إنتاجي أو التحول إلى آلة لامتصاص دماء الداخل. واختار البايات والنخبة المملوكية المحيطة بهم الخيار الأسهل والأكثر قذارة وهو الالتفات نحو القبائل والسهول والأعالي.
كان أحمد باي الذي يلبسونه ثوب التحديث زورا هو من وضع حجر الأساس لهذا الخراب حين بدد الخزينة على جيش من كرتون وقصور من سراب محاكيا النمط الأوروبي في القشور بينما الجوهر كان عفنا إقطاعيا خالصا.

ثم جاء مصطفى خزندار ذلك الكائن الحربائي الذي اختصر تاريخ الفساد التونسي في شخصه. كان خزندار يدرك أن الاستعمار لم يعد يأتي دائما عبر البوارج بل عبر الدفاتر المحاسبية. وفي عام 1863 وقعت الخيانة العظمى التي يسمونها قرضا. أن تقترض 35 مليون فرنك من بنك إيرلانجي ولا يصل إلى خزينة الدولة سوى خمسة ملايين بعد اقتطاع العمولات والرشاوى والفوائد المسبقة فهذا ليس عملا ماليا بل هو عملية اغتيال سيادي مكتملة الأركان.
ولتسديد هذا الوهم الذي ابتلعه سماسرة القصر قرر الصادق باي مضاعفة ضريبة المجبى على شعب يقتات من الصبر والتراب.
كانت تلك هي اللحظة التي ولد فيها علي بن غذاهم ليس كفرد بل كصرخة جماعية مدوية في وجه نظام فقد كل مبررات وجوده الأخلاقي والديني.
علي بن غذاهم لم يكن مجرد زعيم قبلي بل كان فيلسوف الغضب التونسي ورجل القانون الذي تخرج من جامع الزيتونة ليعيد صياغة مفهوم الشرعية.
أدرك بن غذاهم أن الدولة التي ترتهن للخارج وتستقوي على الداخل هي دولة مارقة في العرف الإسلامي والإنساني.
رفض المجبى لم يكن رفضا للمال بل كان رفضا لنمط التبعية. وفي ميعاد جبل رزة تجلت المعجزة التونسية حين توحدت قبائل ماجر والفرشيش وجلاص والهمامة تحت راية واحدة متجاوزة قرونا من الصراعات الهامشية التي غذتها السلطة لتبقى هي الحكم والمستفيد.
خلق بن غذاهم ما يمكن تسميته الشرعية النقيضة وبات باي الشعب يهدد عرش باي القصر الذي كان في تلك اللحظة يحتمي بقناصل الدول الدائنة.
هنا تبرز جدلية الدين التي نعيش فصولها حتى اليوم.
انقسمت الزيتونة بين دين الشعب ودين السلطان.
بين فقهاء رأوا في الدستور الجديد وعهد الأمان مجرد غطاء قانوني لتسهيل التغلغل الأجنبي وبين علماء البلاط الذين راحوا ينبشون في كتب التراث عن فتاوى طاعة ولي الأمر والتحذير من الفتنة.
كان الدين يستخدم كأداة للتخدير السياسي وتبرير الجور بينما كان الثوار يستلهمون من روح الإسلام كرامة الإنسان وحق المحروم في الثورة على الظالم.
كان مصطفى خزندار خبيثا بما يكفي ليدرك أن كسر الثورة لا يكون بالسلاح وحده بل بتمزيق غطائها الأخلاقي والديني وعبر وساطات مشبوهة لشيوخ طرق صوفية باعوا الجنة بفتات القصر.
واللعبة الدولية في عام 1864 هي ذاتها اللعبة التي تمارس اليوم بوجوه أكثر نفاقا. القناصل الأوروبيون لم يكونوا هناك لحماية المدنيين بل لضمان ألا تضيع حقوق المرابين.
كان القنصل الفرنسي والبريطاني يتلاعبان بالخيوط كما يتلاعب طفل بدمية. يشجعون الثوار لإضعاف الباي ثم يدعمون الباي لإبادة الثوار حين يقترب خطر الانهيار الشامل.
كانت الدبلوماسية هي الوجه الناعم لعملية النهب المنظم وكان الأسطول الحربي الرابض في حلق الوادي هو السوط الذي يلوح به الدائنون فوق ظهر الدولة التونسية المتهالكة.

وعندما حانت ساعة الغدر لم ترحم السلطة أحدا.
قاد الجنرال أحمد زروق تلك المحلة الانتقامية التي لم تكن تهدف لاستعادة الأمن بل لتدمير القدرة الإنتاجية للمجتمع التوني لعقود قادمة.
ما فعله زروق في الساحل والوسط والجنوب هو جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس، أحرق القرى وقطع أشجار الزيتون وصادر المواشي وفرض خطايا مالية خيالية جعلت الناس يموتون جوعا على أبواب المطامر الفارغة.
كانت تلك هي الفلسفة التدميرية للدولة التي تخشى شعبها أكثر مما تخشى أعداءها ،ونتج عن ذلك المجاعة الكبرى والأوبئة التي حصت أرواح مئات الآلاف وحولت تونس إلى جثة محنطة تنتظر من يدفنها.
مات علي بن غذاهم في زنزانة رطبة مسموما أو مقهورا لا فرق فالنتيجة واحدة وهي أن السلطة قررت قتل الرمز لتعيش هي في كنف التبعية.
واليوم ونحن نرى تونس تتخبط في ديونها وفي ارتهانها لصندوق النقد الدولي وفي عجز نخبتها عن إيجاد مخرج سيادي فنحن نعيش تكرارا مملا لمأساة 1864. المماليك الجدد الذين يلبسون ربطات العنق ويتحدثون لغة التقنية والخبراء هم النسخة الحديثة من مصطفى خزندار.
لا يرون في الوطن إلا أرقاما وفي الشعب إلا عبئا ديموغرافياً وفي السيادة إلا شعارات للاستهلاك المحلي بينما هم يوقعون تقارير الخضوع في مكاتب المؤسسات المالية الدولية.

تونس اليوم تسير نحو 1881 جديدة بخطى ثابتة إذا لم تستعد ذاكرتها الأخلاقية. المديونية المعاصرة ليست قدرا اقتصاديا بل هي خيار سياسي لنخبة عاجزة عن خلق الثروة فتكتفي بتوزيع الفقر وإدارة العجز.
المقارنة بين ثورة المجبى وثورة 2011 تكشف لنا أن البنية العميقة للاستبداد لم تتغير ،انطلقت الشرارة من الداخل المهمش والمنسي وبسبب ضغوط مالية لا تطاق لكن المركز البيروقراطي والمالي استطاع دائما الالتفاف على المطالب عبر الاستدانة الخارجية التي هي في الحقيقة آلية لتطويق أي إمكانية للتحرر الوطني.
الدرس البليغ من مأساة بن غذاهم هو أن الدولة التي لا تحترم عرق فلاحيها ولا تصون كرامة مواطنيها هي دولة تكتب صك عبوديتها بيدها.
تونس اليوم في حاجة إلى صدمة سيادية تعيد الاعتبار للإنتاج الوطني وتقطع مع عقلية السمسرة الدولية.
التاريخ ليس متحفا للصور بل هو مرآة تعكس قبحنا إذا لم نتجرأ على كسر القيود.
الأسئلة التي طرحها الفلاحون وهم يحاصرون القيروان وسوسة في القرن التاسع عشر ما زالت هي ذاتها الأسئلة الحارقة اليوم، لمن نزرع ولمن نحصد؟ ولماذا يدفع الفقراء ثمن بذخ القصور وفشل السياسات ونهب المماليك؟

لقد ضاعت تونس في عام 1881 لأنها فقدت بوصلتها الأخلاقية قبل أن تفقد جيشها واليوم السيادة مهددة ليس بالبوارج بل بالتضخم وانهيار القدرة الشرائية وارتهان القرار الوطني للدوائر المالية التي لا قلب لها ولا دين.
علي بن غذاهم يولد في كل احتجاج يرفض الذل وفي كل صرخة تطالب بالكرامة قبل الخبز.
الوطن لا يكون وطنا إلا إذا كان ملكا لأبنائه لا مختبرا لتجارب البنك الدولي ولا ضيعة لمماليك الزمن الحديث.
علينا أن نقرأ تاريخنا بشراسة لا بنوع من الرومانسية البائسة لنفهم أن العدو الحقيقي هو في الداخل الذي يشرع الأبواب للخارج.
الملحمة التي خاضها بن غذاهم تظل الشهادة الأكبر على حيوية هذا الشعب وقدرته على الانتفاض ضد الظلم مهما كان ثمن الانتقام لكنها تظل أيضا تذكيرا بالخيانة المنظمة التي تمارسها النخب التي تفضل العيش تحت أحذية القناصل على العيش تحت إرادة الشعوب.
تونس اليوم تقف على حافة الهاوية التاريخية ذاتها والمخارج لم تعد ممكنة عبر الحلول الترقيعية أو القروض الجديدة التي تزيد الغرق غرقا و المخرج الوحيد هو في استعادة الميزان الأخلاقي الذي دافع عنه بن غذاهم وهو أن السيادة هي سيادة الشعب على ثرواته وعلى قراره وعلى دينه الذي يرفض الظلم.
ما أخطه هو صرخة في وادي الصمت التونسي وهو تشريح لواقع لا يريد أحد أن يواجهه بحقيقته العارية.
نحن نعيش في ظل نظام عالمي يقدس الديون ويحتقر الشعوب وفي ظل نخبة محلية تمارس دور الوكيل المطيع لهذا النظام. وإذا لم نستلهم دروس 1864 ونحولها إلى طاقة فعل سيادي فإننا سنستيقظ يوما لنجد أننا فقدنا حتى حق الصراخ في وطن لم يعد لنا فيه سوى القبور.
التاريخ لا يرحم الضعفاء ولا يرحم الذين يبيعون سيادتهم مقابل وهم الاستقرار الزائف، تونس تحتاج اليوم إلى علي بن غذاهم جديد لا يحمل السيف بالضرورة بل يحمل الوعي والقدرة على قول لا في وجه القياصرة الجدد وسماسرة الأوطان.
الدولة التي تخاف من أنين الجوعى وتستدعي الخبراء الأجانب لإخماد غضبهم هي دولة في طور التحلل.
والديون التي نراكمها اليوم هي الأغلال التي سيكبل بها أحفادنا غدا.
لقد آن الأوان لنكسر هذه الدائرة المفرغة ونبني تونس التي حلم بها الثوار في جبال رزة وسبيطلة والقصرين.
تونس الفلاحة والإنتاج والكرامة لا تونس السياحة الهشة والديون المرهقة والتبعية المذلة.
إن الوفاء لدم بن غذاهم ولآلاف الضحايا الذين ماتوا في العشرية السوداء يكون فقط باسترداد القرار الوطني من أيدي المماليك وبناء دولة تحترم الإنسان قبل أن تطالبه بدفع المجبى الحديثة التي تسمى ضرائب الإصلاح الهيكلي.

المعركة هي ذاتها والعدو هو ذاته وإن تبدلت الأقنعة.
إنها معركة السيادة ضد الارتهان ومعركة الداخل ضد المركز المماليكي ومعركة الشعب ضد لصوص الأحلام.
وإذا كان الصادق باي ومصطفى خزندار قد سلموا تونس لفرنسا عام 1881 فإن بايات الديمقراطية الزائفة اليوم يسلمونها لكل من يدفع بالعملة الصعبة.
التاريخ يعيد نفسه كمهزلة مؤلمة إذا لم نتصدى لها بكل ما نملك من وعي وشراسة.
تونس ليست للبيع والسيادة ليست وجهة نظر والكرامة هي المورد الوحيد الذي لا يمكن التفاوض عليه في مكاتب صندوق النقد الدولي.
إن ما أكتبه اليوم هو وصية للزمن القادم وتنبيه للغافلين الذين يظنون أن الحل يأتي من واشنطن أو باريس.
الحل كان وما زال في سواعد الذين يحرثون الأرض وفي عقول الذين يرفضون التدجين وفي أرواح الذين يدركون أن الوطن هو ممارسة يومية للحرية والعدالة وليس مجرد نشيد وطني وعلم يرفرف فوق خرابة. لنقرأ 1864 جيدا لنفهم لماذا نحن هنا اليوم ولماذا علينا أن نخرج من هذا النفق قبل أن يطبق علينا ظلام التبعية الشاملة التي لا رجعة فيها.
إن روح بن غذاهم لا تطلب منا البكاء بل تطلب منا الفعل والتمرد على كل صكوك العبودية الحديثة التي تبرم باسمنا وفي غيابنا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال