بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

علم الإناسة.. سلاح حرب؟

2008-04-12 9129 قراءة مختلفات وليم أو. بيمن
علم الإناسة.. سلاح حرب؟
عمد الجيش الأميركي في أيلول/سبتمبر 2007 إلى تفعيلٍ كبيرٍ لبرنامج "أنظمة الأراضي البشريّة" (‏Human Terrain ‎Systems, HTS‏)، قيد الخدمة منذ عدة سنوات [1]. فقد تمّ تجنيد علماء إناسة (أنتربولوجيا) ودمجهم مباشرةً في الوحدات ‏القتالية على مستوى الألوية والفرق العسكريّة في العراق وأفغانستان. وقد تمّ تكليفهم بتقديم النصائح للقادة العسكريين حول ‏النشاطات الثقافية التي يمكن أن تتمّ على الأرض. ويؤمن برنامج "أنظمة الأراضي البشريّة" الذي تديره شركة "‏BAE ‎system" [2‎‏] الخاصّة، المعلومات اللازمة لعسكريين يواجهون حالات فيها احتمالات عنف، ما يسمح لهم بعدم الوقوع في ‏تفسيرٍ سيّء لتصرّفات السكان المحليين ويمكنّهم من تحليل الأوضاع التي يجدون نفسهم فيها.‏

وفي مقالة لها بتاريخ 5/11/2005، امتدحت صحيفة "نيويورك تايمز" منافع مجموعة علماء الإناسة المشاركين في عمليّةٍ ‏كبيرة للحدّ من الهجمات على الجنود الأمريكيين والأفغان. فبعد أن تعرّفوا على عددٍ كبيرّ من الأرامل في المناطق ‏المستهدفة، افترض علماء الإناسة أن الشبّان ممّن لهم علاقات قربى مع تلك الأرامل، قد يشعرون بالحاجة إلى مساعدتهن ‏مادياً، وبالتالي، سيلتحقون بالمتمرّدين الذين يدفعون لمقاتليهم، من باب الحاجة الاقتصادية. فكان من شأن برنامج الإعداد ‏المهني لتلك الأرامل السماح بالحدّ من عدد الهجمات.‏

أثار برنامج "أنظمة الأراضي البشريّة" المخاوف لدى العديد من علماء الإناسة، خصوصاً وأنّه يذكّر بسوابق محزِنة. ‏فمشروع "كاملوت" الذي أطلق عام 1965 ولم يدُم طويلاً، كان قد جنّد بعض هؤلاء العلماء بغية تقييم الأسباب الثقافية ‏للعنف. وقد استخدمت التشيلي حقلاً للتجارب في هذا المضمار، في الوقت الذي كانت تسعى فيه وكالة الاستخبارات ‏المركزية الأميركية إلى منع الإشتراكي سلفادور الليندي من الوصول إلى السلطة.‏

المشروع الثاني، الذي حمل إسم "دعم العمليات المدنيّة والتنمية الثورية" (‏CORDS‏)، كان يهدف إلى تنسيق البرامج ‏المدنية والعسكرية الأميركية، من أجل "فرض السلم" في فيتنام. وقد سعى إلى وضع "خارطة بشرية" للأراضي، ما يسمح ‏بالتعرّف - وبالتالي الاستهداف المحتمل - للأشخاص والمجموعات المشكوك في دعمها للشيوعيين الفيتناميين. ونحن ‏متأكّدون بأن البحث الأنتربولوجي قد استُخدم في هذه العمليّة.‏

على غرار "قسم أبوقراط" الذي يرتبط به الأطباء، يملك علماء الإناسة قانون أخلاقيّات، يقول بأنّ على نشاطهم ألاّ يلحق ‏الأذى في أي حال، بالشعوب التي تجري دراستها، وأنّ السكّان يجب أن يوافقوا عن إدراكٍ مسبقٍ على مساهمتهم في ‏نشاطات البحث. بالطبع، يستحيل تنفيذ هذا الشرط في أحوال الحرب. فالعديد من الناس حول العالم يعتبرون أصلاً هؤلاء ‏الاختصاصيين نوعاً من الجواسيس، حتى عندما يجرون أبحاثهم في ظروفٍ عادية، وهذا ما يُلحِق الضرر الجدّي بمهمّتهم ‏العلمية. لهذه الأسباب مجتمعة، وجد برنامج "أنظمة الأراضي البشريّة" نفسه تحت الأضواء من قبل أهل المهنة.‏

وفي ايلول/سبتمبر 2007، شكّل بعض الجامعيين شبكة، "الأنتربولوجيون المعنيون" ‏Concerned Anthropolgists ‎‎[3‎‏]، المستوحاة من علماء الفيزياء الذين عارضوا حرب النجوم، البرنامج الأمريكي للدرع المضاد للصواريخ الذي كان ‏رونالد ريغان قد أطلقه. وقد كتبوا مشروعاً يلتزمون فيه "عدم المشاركة في قمع التمرّدات". يوضّح هذا الموقف أحد ‏مؤسسي المجموعة، دايفيد برايس، من جامعة سان مارتن لايسي (ولاية واشنطن): "لسنا جميعاً بالضرورة ضد مبدأ العمل ‏مع الجيش، لكنّنا نعارض كل ما هو محاربة للتمرّد، أوما يخرق قواعد أخلاقيات البحث. ونطلب من زملائنا أن يعلِنوا أنّهم ‏لا يريدون استخدام علم الإناسة لهذا الغرض" [4].‏

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2007، أصدر المجلس التنفيذي لجمعية الأنتربولوجيا الأمريكية إعلاناً صارماً لا يحظّر صراحةً ‏المشاركة في برنامج "أنظمة الأراضي البشريّة"، لكنّه يحذّر جميع الأعضاء من التجاوز المحتمل لقانون أخلاقيات المهنة ‏الذي قد يتسبّب به.‏

فخلال الاجتماع السنوي للجمعية في واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر 2007، كانت هذه النشاطات في صلب سجالٍ ما ‏زال مستعراً. إذ أثناء إحدى الحلقات تحت عنوان :"الأمبراطورية تردّ: آفاق أمام العسكريين وأجهزة الاستخبارات ‏الأميركية في علاقاتهما مع علم الإناسة"، تواجه أنصار وأعداء المشروع أمام جمعٍ حاشد. وقد حاول المحاضرون الذين ‏كانوا قد تعاونوا مع الجيش إقناع زملائهم بفائدة عملهم الذي قد يساعد في تحويل مواقف العسكريين وجعلها أكثر حساسيةً ‏للاختلافات الثقافية. أما المشكّكون فقد اعتبروا أنّ من يتعاونون مع الجيش يبرهنون عن سذاجةٍ لجهة استخدام أبحاثهم.‏

‏ وقد أفضى هذا السجال الحامي إلى قرارٍ، لو أقرّ من قبل الجميع، لكان عزّز من الأخلاقيات المهنية ومنع أيّ نشاطٍ بحثي ‏سرّي لصالح أجهزة الاستخبارات.‏

أحد أهم المدافعين عن التعاون مع الجيش هي الدكتورة مونتغمري ماك فايت، عالمة الإناسة في جامعة "يال" والعضو في ‏المؤسسة الأميركية للسلام (التابعة لوزارة الخارجية). فقد قدّمت خلال منتدى عقد في 10 ايار/مايو 2007، مشروعاً ساهم ‏في تأسيس برنامج "أنظمة الأراضي البشريّة". فحسب برأيها، لا ينفق الجيش ما يلزم للأبحاث في مجال العلوم الاجتماعية ‏التي يمكن أن تكون ذات أهميّة قصوى لنجاح العمليات العسكرية. ولردم هوّة المعارف، طالبت بقيام برنامجٍ واسعٍ للأبحاث ‏الاجتماعية يتضمّن بناء قاعدة معطيات "اجتماعية-ثقافية"، بفضل تجنيد محلّلين ثقافيين جدُد في الإدارات الحكومية، ‏وافتتاح مكتبٍ مركزيّ للمعرفة الثقافية.‏

لا مشكلة في نظر المهنة، تجاه أيّ من جهود البحث التي تدعو إليها السيدة ماك فايت. لكنّه عندما تستخدم الخبرة كسلاح في ‏المعارك على الأرض، يصبح الوضع مثيراً أكثر للجدل. فهذا الخيط الرفيع بين الاستخدام الجيّد والسيء لعلم الإناسة هو ‏الذي ما يزال يثير التساؤلات.‏

وليم أو. بيمن‎ ‎‏(*)‏
‏ ‏
‏.........................................‏


‏(*) استاذ، رئيس كلية الانتربولوجيا في جامعة مينيسوتا، مينيابوليس. هو أيضاً استاذ في قسم الشرق الأوسط في الجمعية ‏الأميركية لعلم الإناسة.‏
‏ [1] بحسب مقالٍ منشور على موقع الـ"بي بي سي"، "الجيش الأميركي يجنّد علماء الإناسة" (16 تشرين الأول/أكتوبر ‏‏2007)، تمّ تخصيص 40 مليون دولار للمشروع. وتصل كلفة عالم الإناسة المرسل إلى أرض النزاع إلى 400 ألف دولار ‏سنوياً. ‏http://news.bbc.co.uk/2/hi/americas‏...‏‎
‏[2] تأسّست الشركة على يد "بريتيش ايروسبايس" و"ماركوني الكترونيك".‏
‏[3] هناك معلومات مهمة على موقع الجمعية ‏http://concerned.anthropologists.go‏...‏
‏[4] مقابلة على أثير راديو "الديموقراطية الآن"، في 13/12/2007‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال