تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

حل الأزمة السياسية في تونس: الأبواب والنوافذ

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


ابتداء يعتقد الجميع أن الأزمة السياسية في تونس هي أزمة دستورية، ومن يقول دستورية لا يعدو الحقيقة إذا قال إنها دستورية بامتياز، وهو يقصد أنها لأول مرة تظهر فيها الجوانب الأخلاقية والدينية للدستور، بتركيزها على موضوع الثقة والقسم أساساً ونظافة اليد لتولى المسؤولية تباعاً. وهي مسائل جوهرية وليست فقط جوانب صورية شكلية، أو بروتوكولية كما يقول البعض.


فالدستور المنظم للعلاقة بين السلطات في الدولة واضح أنه قلباً وقالباً الى جانب رئيس الجمهورية في موقفه الصارم من هذا التحوير الوزاري غير الدستوري في إجرائياته التي تم بها في تقديره. فالرئيس ابتداء هو الذي فجر الأزمة بصفته الساهر على تطبيق الدستور، والحامي من محاولات بعض الأطراف السياسية الالتفاف على القوانين وعلى الدستور بلوائح داخلية في مؤسساتها أو سوابق مشابهة لكسب رهانها على التغلب بمشروعيتها أو شرعيتها في صراعها مع الأطراف الأخرى في ظرفية صعبة تمر بها البلاد في غياب محكمة دستورية، وافتعال تحوير وزاري بمقاس الأهداف خارج عين الرئيس حتى لا نقول في غنى عن صلاحياته.


ولما كانت رسالة السيد رئيس الجمهورية الجوابية على رسالة السيد رئيس الحكومة لم تصادف التفاعل المأمول من طرف الأطراف المخاطبة شفعتْها اليوم رسالة موجهة من رئيس مجلس نواب الشعب الى سيادته في المعنى نفسه تقريباً حسبما وصفتها الأوساط المقربة ولكن في لغة إيلافية توسلية، بل وصفت بالمبادرة المقترحة لحل الأزمة. ولذلك ركز الإعلام على هذه الناحية من جوانبها للاعتقاد السائد أنه لا حل صلحي أو توافقي دونها، للخروج من عنق الزجاجة التي باتت عليه الأزمة بين الحكومة بتأييس من البرلمان بمواجهة موقف رئيس الجمهورية، وهو موقف أصيل أجمعت الأوساط على بعده الدستوري الهام والشعبي والدولي، لإعادة الاعتبار للمسؤوليات في الدولة التونسية الجديدة برئاسته وللمؤسسات فيها ولسلامة القرار الصائب الوطني المستقل عن كل المؤثرات والضغوط الأجنبية وهو الأهم.


فالأصل في المؤسسات المتعددة في الدولة هو التكامل لا التفاضل، ومنشأ التنازع هو غياب المحكمة الدستورية بالأساس، فوجود المحكمة وحدها باعث على قلة التنازع فضلاً عن اجتنابه، اكتفاء بمساعي التقارب والتفاهم، لحل الخلافات التي قد يكون مأتاها قلة الخبرة بالمسؤولية أو التروى اللازم في اتخاذ القرارات المناسبة والمقبولة وعدم الوقوع في المواقع غير المأمونة العواقب.


وكان تقديرنا أن ينطلق كل تمش لحلّ الأزمة من العمل على نفي أسبابها أولاً لا الركوب عليها لتسجيل نقاط على حساب الطرف الأسلم من كل قدح في هذه الأزمة وهو رئيس الجمهورية. وخرقُ الدستور متهمٌ به غيره ولا يجوز لغيره اتهامه به، على الأقل في حال انعدام محكمة دستورية. وبعض فقهاء الدستور يجوزون أن تكون المحكمة الدستورية ممثلة في شخص واحد إذا تعذر قيامها بأفراد متعددين، خاصة إذا كان رئيس الدولة هو نفسه رجل قانون، وقانون دستوري بالأحرى. وهذه الفرضية تحدث بها العميد المرحوم عبد الفتاح عمر وقد بلغه أن الرئيس - الرئيس بورقيبة آنذاك - لم يرتح لمحاضرته في أحد منتديات جمعيته للقانون الدستوري عن العدد الأقل المتكون منه أعضاء المحكمة الدستورية وهو ثلاثة وأنه فكر في تعطيل نشاطها. فما كان من المحاضر إلاّ أن بادر بتصحيح نفسه في المناسبة القادمة وأعلن أنه بالإمكان أن تتمثل في رئيس الجمهورية نفسه! وكنت قد حضرت محاضرته هذه كالسابقة لصداقتي بالمرحوم منذ تعرّف على تجربتي النيابية التي نشرتها في كتاب.


فأن يكون المبادر بالمراسلة يطلب موعداً للقاء للتباحث مع رئيس الدولة في مآلات الأزمة فهذا وارد ومرحب به. أم أن تصل الرسالة - حسب فحواها غير المنشور الى حد الآن ولكن المصرح به على لسان قياديين مقربين من الرئيس الغنوشي- الى ما قد يلقي الحرج على بعض الغيورين على مقام رئيس الجمهورية، أن يُدعى الى جلسة ثلاثية ويرأسها هو باقتراح أحدهم لا بلزوم اللازم بصفته الرئيس الأعلى للدولة، فلا يمكن تصوّر بخلافها إلا من نافذة صاحب الفضل في صنع المبادرة. وكذلك فالأولى تقديمه بين يدي هذا اللقاء وربما قبله هو أن يأتيه رئيس الحكومة بما أذن به سيادته في رسالته من حلول لتصحيح الوضع غير الدستوري الذي لاحظه على تحويره الجديد وكذلك قراراته التي لم يعد قبل اتخاذها الى الرئاسة والحكومة للتشاور. ولمَ لا انتظارُ أن يدعو الرئيس سعيد بعدها من يريد مقابلته على انفراد من رؤساء المؤسسات الدستورية المعنية للتشاور في الخطوات التالية لحل بقية جوانب الأزمة مع حفظ كل المقامات لكل منها، والتقدير والاحترام لكل الصلاحيات المخولة لكل منها. ويُصار بعد ذلك الى لقاءات ثلاثية بحسب المصلحة، لا لحل الخلافات بين سلطة وأخرى في ظل غياب محكمة دستورية، فكل من يحاول هذه الطريق يكون قد سلك المسالك غير السليمة في تمشياته الدستورية.

-----------------------
تونس في ٩ رجب ١٤٤٢ ه‍‍
٢١ فيفري ٢٠٢١م


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الأزمة الدستورية، الدستور، مجلس النواب، قيس سعيد، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 22-02-2021  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  حل الأزمة السياسية في تونس: الأبواب والنوافذ
  الخطر الداهم الاحتلال الأجنبي
   الدستور الصنم
  الدستور مصدر الأزمة
  أصحاب الشبهات والسوابق العدلية بمواجهة أصحاب الذرائع السياسية
  له الحكم وللمشرّع النصّ
  أبواب الصلح لحل الأزمة
  صوت العقل
  الوجه غير الأدغم لأحد رجالات بورقيبة
  توضيح كلام خير الدين من غيره
  صورة دولتنا، في كتاب في القرآن، ممثلة فيه بالإشراف والتمويل
  حوار "ماكرون" على "الجزيرة": مكرٌ بالدين والحرية ..
   الإرهاب سببه الظلم لا الإسلام
  المحكمة الدستورية ومشكل الهيئات الناخبة لها
  رمضان والتقارب الروحي أكثر
  نذُر الحرب حذَر العدوى
  سياسة الأزمات والديون
  حول الكورونا في تونس: مثل أجر الشهيد
  الدواء العزيز يجود به الحاكم كما يجود به الطبيب
  دواء ولا كمثله دواء
  خواطر حول تطابق الأسماء
  من نوادر الأقوال: في العلم والدين
  كورونا: الخطر الداهم واتخاذ الأهبة
  كورونا: إنطباعات وتأملات
  على ذكر الأقصى في الحكومة
  (الأقصى) في أسماء أعضاء الحكومة المقترحة
  ثقة بتحفظات كلا ثقة
  البرلمان: الوحْل أو الحل
  محرقة ترامب في فلسطين
  موسم الاختيارات للحكم

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
سلوى المغربي، المولدي الفرجاني، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمود سلطان، د - عادل رضا، الهيثم زعفان، د - المنجي الكعبي، د - محمد عباس المصرى، عبد الله الفقير، رمضان حينوني، تونسي، عواطف منصور، الشهيد سيد قطب، مجدى داود، د - أبو يعرب المرزوقي، د- محمد رحال، بسمة منصور، د. جعفر شيخ إدريس ، عزيز العرباوي، ضحى عبد الرحمن، مصطفي زهران، مراد قميزة، صباح الموسوي ، الناصر الرقيق، فهمي شراب، د - مصطفى فهمي، د. نهى قاطرجي ، عبد الرزاق قيراط ، رافد العزاوي، حسن الحسن، سحر الصيدلي، عمر غازي، حسن الطرابلسي، جاسم الرصيف، إيمى الأشقر، محمود طرشوبي، ابتسام سعد، وائل بنجدو، د. محمد يحيى ، إسراء أبو رمان، د. خالد الطراولي ، أنس الشابي، د - غالب الفريجات، فوزي مسعود ، د.محمد فتحي عبد العال، د. أحمد بشير، عبد الغني مزوز، سليمان أحمد أبو ستة، سامح لطف الله، إياد محمود حسين ، رافع القارصي، شيرين حامد فهمي ، د. أحمد محمد سليمان، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود صافي ، عصام كرم الطوخى ، د. طارق عبد الحليم، محمد إبراهيم مبروك، د- هاني ابوالفتوح، د - احمد عبدالحميد غراب، د.ليلى بيومي ، د - محمد بن موسى الشريف ، د- هاني السباعي، كمال حبيب، سوسن مسعود، منى محروس، د. عادل محمد عايش الأسطل، ياسين أحمد، محمد شمام ، صلاح الحريري، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د- جابر قميحة، سيدة محمود محمد، فاطمة عبد الرءوف، مصطفى منيغ، محمد أحمد عزوز، د - الضاوي خوالدية، د - صالح المازقي، سامر أبو رمان ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سلام الشماع، فتحي الزغل، خبَّاب بن مروان الحمد، أ.د. مصطفى رجب، صلاح المختار، جمال عرفة، د- محمود علي عريقات، أحمد بن عبد المحسن العساف ، فاطمة حافظ ، رحاب اسعد بيوض التميمي، رضا الدبّابي، حسن عثمان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، كريم السليتي، محمود فاروق سيد شعبان، سفيان عبد الكافي، فتحي العابد، د. صلاح عودة الله ، د. عبد الآله المالكي، سعود السبعاني، عراق المطيري، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فراس جعفر ابورمان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد الطرابلسي، إيمان القدوسي، محمد الياسين، د. نانسي أبو الفتوح، صالح النعامي ، د. محمد مورو ، أحمد الغريب، عبد الله زيدان، العادل السمعلي، رأفت صلاح الدين، فتحـي قاره بيبـان، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد تاج الدين الطيبي، د. الشاهد البوشيخي، أحمد بوادي، محرر "بوابتي"، منجي باكير، يحيي البوليني، يزيد بن الحسين، د. محمد عمارة ، محمد العيادي، محمد عمر غرس الله، د - محمد سعد أبو العزم، حسني إبراهيم عبد العظيم، طلال قسومي، أحمد الحباسي، علي الكاش، صفاء العربي، الهادي المثلوثي، نادية سعد، د. الحسيني إسماعيل ، د - محمد بنيعيش، حميدة الطيلوش، معتز الجعبري، حمدى شفيق ، صفاء العراقي، عدنان المنصر، علي عبد العال، ماهر عدنان قنديل، أبو سمية، كريم فارق، رشيد السيد أحمد، محمد اسعد بيوض التميمي، د - شاكر الحوكي ، سيد السباعي، د - مضاوي الرشيد، أحمد النعيمي، أشرف إبراهيم حجاج، خالد الجاف ، حاتم الصولي، هناء سلامة، أحمد ملحم،
أحدث الردود
انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة