تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

أزمة ثقافة أم محنة مثقفين

كاتب المقال د. ضرغام الدباغ - ألمانيا    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


هذا عنوان يصلح لأن تقام حوله ندوات نقاشية عريضة، يساهم فيها أخصائيون ومثقفون من حقول معرفية شتى، بهدف تحليل عناصر الأزمة التي ينبغي حقاً أن توصف بأنها أزمة. من أولى سماتها أنها متشعبة الأسباب منها ما هومن العناصر الكامنة ((invisible أو الظاهرة (Visible)، وفي تعدد العناصر الضاغطة (Preßfaktor)، الخارجية منها (External factor ) والداخلية منها (Inerenn factor). والتخلف (backwardness ) المتعدد الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية.

بتقديري أن هذه هي أهم عناصر الموضوعة (Theme)، التي تمثل المؤشرات الأساسية للبحث، ولا يمكن أن نضع الأزمة وأبعادها على كاهل المثقفين، كما لا يمكن تبرئة المثقفين من بعض أبعادها. وقد يضيف عليها زملاء باحثون جوانب أخرى من أجل أن يأخذ البحث أبعادة الحقيقية. فالأزمة هي نتاج تلاقح عناصر عديدة، نرجح أن يكون للتأثيرات الخارجية التي عانى منها العراق والأقطار العربية، منذ أن أنطفأ سراج النهوض والتواصل، وفقدت البلاد إرادتها السياسية، وأستمر هذا الانكفاء قرون طويلة، كان العراق وأقطار الأمة بصفة عامة بعيدة (جوهرياً) عن المسارات التي تضعها في فلك التطور، فتواصلت أسباب التخلف حتى القرن التاسع عشر.

وهذا المقال يأخذ على عاتقه استهلال لمهمة التشخيص (Diagnose)، على أن مجهوداً كبيراً كهذا، يستحق مساهمة واسعة النطاق، إذ يبدو لنا أن الموقف الحالي يحمل مؤشرات هامة كثيرة ربما تحمل في ثناياها علامات مفصلية، وأن بلادنا والأمة تعيش مرحلة في غاية الأهمية والخطورة معاً، لذا أدعو مفكري الأمة ومثقفيها كافة، إلى موقف يتجرد الكل عن هواه السياسي والعاطفي للتنقيب في فروع الأزمة، من أجل خلق تصورات علمية عن المسببات، وخلق صورة فيها قدر من التنبؤ العلمي (Prognose) وجهد فكري لإنضاج مبكر لما هو الآن في حالة جنينية. وبتقديرنا أن حوارات في جو من الموضوعية والعلمية كهذه ستساهم إلى حد بعيد في استشراف ما يدور في أذهان المفكرين والكتاب، ولكي نمنح المرحلة التاريخية استحقاقاتها.

ــ الأسباب الكامنة (invisible): وهي العناصر المتمثلة بالموقع الجغرافي، وطبيعة الأرض والمناخ، وطبيعة المحاصيل الزراعية والمواد المستخدمة في البناء. ولكل من هذه العناصر تأثيراتها في التكون والتشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبلداننا العربية إن كانت في المشرق العربي أو في المغرب العربي. ومن البديهي القول أن البلدان الواقعة على البحر تتيح لها ظروفها الاتصال النشيط بمصادر أجنبية، وتكون التجارة النشاط الاقتصادي الرئيسي، والنشاط التجاري يدفع إلى التعارف ومعرفة الآفاق والمغامرة والمجازفة، وكل هذه توسع من المدارك والمعارف في معرفة الطريق واكتشاف آفاق المستقبل وتحديد علاماته.

ــ الأسباب الظاهرة (Visible): وهي العناصر المتمثلة بالتطورات التاريخية لبلدان المنطقة وتفاعل تجاربها بأطوارها السلبي والإيجابي، الأقطار العربية كلها خضعت تحت هيمنة قوى أجنبية، استعمارية، لذا تأخر عصر النهضة العربي، وحين بزغ فجره، (بتقديري 1850) كانت الولادة قيصرية، تمت في ظروف دموية، فهناك عناصر كثيرة تتخلل عصر النهوض، عناصر دافعة للأمام، ولكن هناك أخرى تسحبها إلى الخلف وتبطئ من حركتها. ولا مناص من ذكر حقيقة ساطعة ، أن الصراعات الدولية وضعت امتنا لأسباب عديدة في مهب تفاعلاتها
ــ العناصر الدافعة: تتمثل بنهوض جيل جديد، أدرك أن تخلف الأمة، فيكفي أن يقرأ المتعلم العربي مقدمة أبن خلدون، وكتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وكتب أبن أبي الربيع، وأبن الأزرق، وكتاب الخراج لأبي يوسف، ابن رشد، والطرطوشي، والفارابي، وأبو حامد الغزالي، ليعرف أن سبات الأمة كان (أو ربما ما يزال) بفعل عناصر خارجية مدمرة بالدرجة الأولى، وليس بسبب عجزها وضعف أبناءها.
ــ المحيط الخارجي: لابد من الإقرار أن الأمة تأثرت بمحيطها الخارجي، وهذا لا ينقص من اصالتها، بل نجده من غير المنطقي أن يتأثر أي وسط بما يحيط به، وهذه عملية تدور منذ أقدم العصور وحتى الآن دون توقف بين المراكز الحضارية الكبرى في العالم، أن النهوض كان مرتبطاً بالتحرر، وخلق حركة تحرر تضيئ الأفاق.
ــ العناصر الضاغطة الداخلية (Inerenn factor): وهي العناصر المتمثلة بالثقل الذي تتمتع به المؤسسة الدينية بصفة رئيسية، منذ العصور الوثنية، ثم الديانات السماوية التي انبثقت من قلب المنطقة وكذلك التراث العريق من التقاليد والعادات المتأصلة والمتجذرة ولها تأثيرها في تكبيل المساعي للتطلع وتجاوز عقبات الحاضر في رؤى مستقبلية للأنماط الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية.
ــ العناصر الضاغطة الخارجية (External factor): وهي العناصر المتمثلة، بالقوى الأجنبية التي حاولت غزو المنطقة، ولكنها رحلت بعد أن خلفت أنماط من علاقات واتجاهات ثقافية، ولمحات من حضارتها،
ــ التخلف الاقتصادي / الاجتماعي / الثقافي (backwardness): وهي محصلة لكافة العناصر السلبية التي أثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة في التشكل النهائي في بلدان المنطقة.

ولو وجهنا نظرة دقيقة فاحصة، لوجدنا أن الموقف الثقافي في جميع بلدان العالم يعاني من مشاكل، قد تتفاوت في حجمها وطبيعتها، ولكن المشاكل موجودة على أية حال. وهي نابعة من مصادر عديدة، منها أيضاً الذاتية والموضوعية، ولكن في جميع الأحوال هناك شكوى من الانتشار والتوسع وقد يكون لهذا التوسع المتزايد لعالم الانترنيت نتائجه السلبية أيضاً، فحقوق الملكية الفنية، تتعرض للضياع، وكذلك التزوير المتقن للأعمال الفنية والأدبية، وعناصر أخرى عديدة. ولكن لابد من القول أيضاً، أن الدوائر الثقافية والفنية تحاول جهدها تقليص الآثار السلبية، ولكن الأزمة ما تزال تطل برأسها.

وبتحليل عناصر الموقف في بلادنا والوطن العربي نجد أن العناصر تتداخل وتتلاحم بطريقة يصعب فصمها حقاً، ولكن لا شيئي يستعصي على التحليل العلمي والجرد لفقرات أية موضوعة. ولكن لابد من الإقرار بالتفاوت الذي يبدو أنه ليس سهل أو بسيط، بين البلاد العربية وغيرها، كأوربا وأميركا مثلاً. ولكن مع وجود عناصر متشابهة جوهرياً. فلا يعتقدن أحداً بأن حرية النشر مفتوحة على مصراعيها دون حسيب أو رقيب، نعم قد لا يكون هناك القمع الجسدي الموجود في بلداننا، ولكن هناك خطوطاً ملونة عندما يجتاز الكاتب الخطوط الأولى، ويصل الخط الأحمر، بعدها لن يكون بوسعه متابعة مغامرته وليس بالضرورة بأساليب قسرية، فقد يحرم من الكتابة في الصحف الممتازة، وعليه أن ينزوي في صحيفة بسيطة وبوضع مالي أبسط، بلا طموح ولا أمل بالتقدم، وهناك تفاصيل أخرى.

ولكن الأمر لن يبلغ إلى مستوى التصفية لجسدية بالقتل الصاخب أو برصاصات سلاح كاتم للصوت، وقبل فترة قصيرة اغتيل أديب عراقي (علاء مشذوب) لينظم في الواقع إلى قافلة شهداء الثقافة والعلم مؤلفة من المئات وتتسع القائمة حتى تكاد أن تبلغ الألف، وقمع الثقافة والعلم والمتعلمين قاد إلى نتائج كارثية في إنحدار مستوى التعليم بكافة مستوياته إلى درجة التلاشي (الشهادات العراقية غير معترف بها )، واختفاء الحياة الثقافية بكافة مظاهرها، وهنا تطغي العوامل وتتداخل فلا نكاد نتبين الذاتي من الموضوعي، والسبب الخارجي عن الداخلي.

ويشير الرقم الكبير للاغتيالات (أكثر من 800 شخصية) وأعداد أكثر من العلماء والمثقفين والأدباء والكتاب ممن غادروا العراق إلى المهاجر أولاً لعدم إمكانهم الكتابة في وطنهم، والثاني هو خشية أغتيالهم بدم بارد، ولم تكشف أبعاد حادثة أغتيال واحدة من هذه المئات، فالأمر إذن هو عام وبتوجيه من قوى كبيرة، لا يهمنا الآن أن نحقق بالتفصيل ولكننا نتوصل إلى حقيقة ثابتة واضحة للعيان : أن الثقافة والعلوم ممنوعة وحتى إشعار آخر. بأمر من ذات القوى التي مثل العراق تقدماً غير مقبول بالنسبة لها، وهو فحوى موضوع بحثنا هذا.

قرأنا من خلال متابعاتنا، أن هناك شخصيات متنفذة في الشأن العراقي من دول الاحتلال، تتذمر بأن ما حاجة بلد (صغير) كالعراق بهذا العدد من الجامعات، ولماذا تمثل العلوم الثقافة والأدب والفنون ثقلاً كبيراً سياسيا واجتماعياً وثقافياً ضخماً لا يمكن تجاهله في العراق، فتقدم الفنون التشكيلة مثلاً (الرسم والنحت) في العراق مثلت ظاهرة ملفتة للنظر، وهي أسباب لها جذرها التاريخي، فهو ليس سوى امتداد لما جبل عليه الناس وأبدعوا منذ فجر الخليقة بوصفه من رواد الحضارة الإنسانية، قبل ألاف السنين، بأعمال فنية هي مثار الإعجاب في بوابة عشتار، والثور المجنح، وأبنية وعمائر مدهشة تعد من معجزات إنجاز البشر كالجنائن المعلقة والمدرسة المستنصرية وجامع الخلفاء، والقصر العباسي، وهنا رسم الواسطي قبل أكثر من 800 عام، رسوماً خالدة في قيمتها الفنية والتكنيكية، ومن نافلة الكلام القول أن انتشار التعليم والثقافة ومظاهرها وتعبيراتها، هي من العوامل الأساسية التي لها إشعاعها على سائر الفعاليات الاجتماعية الأخرى، بما في ذلك الاقتصاد والسياسة. فلا يمكن تصور مجتمعاً متطوراً، دون أن تكون الحياة الثقافية فيه مزدهرة، بل أن شتى الفعاليات الثقافية هي عنصر أساسي من عناصر شد المجتمع.

وتشير التجارب الواقعية، وتجارب الشعوب في النضال ضد الهيمنة الأجنبية من أجل السيادة والاستقلال ، وبموازاة ذلك نضال دائم في رفع المستوى الثقافي والعلمي، وقوى القمع الأجنبية منها والمحلية تدرك أن قمع الإنسان يبدأ بقمع فكره وقلمه، وحتى خياله الثري العابر للزمن لذلك تشير المعطيات أن الإنحدار يبدأ بإبادة المنجزات العلمية والثقافية. لذلك شاهدنا عبر التاريخ القديم والوسيط، بل وحتى شواهد في العصر الحديث، التدمير الممنهج للثقافة ومؤشرات الحضارة، واحتلال مخطط مدبر للمتاحف (متحف بغداد)، ونهب وتخريب للمكتبات العامة(المكتبة المركزية / بغداد)، وقصفها بالطائرات (جامعة الموصل)، وتدمير للآثار (بابل وأور)، وقتل الفنانين (قصف مسكن الرسامة ليلى العطار)، والكتاب وتشريد الفنانين، فهذه لم تكن أعمال عشوائية، بل هي فقرة أساسية في مشروع التدمير الشامل، وفاتحته، ومنسجمة مع الهدف العام المعلن بتصحير البلد، وهنا كان رواد الثقافة والعلم هدف هذا المخطط ومظهره الأساسي.

العلماء والمثقفون والفنانون هم ذاكرة البلد الحضارية، وواجهته الأمامية، ومصد للتيارات الغريبة، وهويته الوطنية والقومية، لذلك لم يكن غريباً أن تكون هذه الفئات هدفا لم يغب عن أسلحة الغزاة الأجانب، وأجهزة الغزاة والاحتلال تتشابه في عقليتها الاعتدائية، ويكتب المؤرخ الأمريكي ولين شرير في عمله الموسوعي الكبير " سقوط الرايخ الثالث " أن الإدارة النازية عندما فكرت بأقتحام الجزر البريطانية في الحرب العالمية الثانية، كانت مخططات دوائر الاستخبارات تعد قوائم منظمة لعلماء والمثقفين والفنانين في بريطانيا، والشخصيات الاجتماعية التي تعتبر نقاط استقطاب في البلاد

مساعي التوسع والهيمنة، هي مساعي مدانة إنسانياً وأخلاقياً، لذلك ليس بوسع جهة ما الإدعاء أنها تمارس خططاً دموية بدواعي الخير، أو التحضر، حتى لو قامت بذلك أمم تدعي الحضارة، الثقافة مستهدفة، والمثقفون معرضون للقمع اغتيالاً واعتقالاً، وقمعاً بشتى الأساليب. المثقف مطلوب منه أن يكون طليعياً ولا يخضع للأبتزاز، وأن يضحي قدر ما يستطيع ليستحق أن يكون نبراساً لشعبه. المثقف يواجه مخاطر جمة فهو كالجندي في مهمته بل وأكثر تضحية، فهو الساع لأقتحام الظلام وتمزيق ستائر سميكة من الجهل والتخلف والقوى الرجعية ويتربص به الأعداء في كل زاوية ومنعطف.

قلما يعرف الناس أن الشاعر والكاتب المسرحي الألماني المشهور، بيرتولد بريشت، كان كاتباً مرموقاً أيضاً، ولطالما كتب بحوثاً ومقالات لها قيمتها العلمية والفنية. بعض من هذه المقالات التي تلج في عالم الفن والسياسة، كتبها بريشت في فترات متقطعة، في ثلاثينات القرن المنصرم، ضمها في كتاب: حول الفن والسياسة (Über Kunst und Politik) والبحوث التي تضمنها هذا الكتاب شيقة ومهمة، أخترنا لقرائنا هذا البحث الهام وهو بعنوان (Fünf Schwierigkeiten beim Schreiben der Wahrheit)، خمسة صعوبات عند كتابة الحقيقة، وكنت قد قرأت هذا الكتاب خلال دراستي الجامعية العليا في ألمانيا، واقتبست منه مقاطع ضمنتها في دفاعي وسط دهشة الأساتذة. والذي أجد من الضروري أن يطلع كتابنا عليه.

وبريشت في هذه المقالة يمزج بين وظيفته ككاتب سياسي، وكمناضل، وهو ما وضعه في مهب العواصف القمعية، وهو يضع على كاهل الكتاب السياسيين والفنانين والأدباء الذين ينحازون لقضايا الوطن، مهمة مقدسة، لا ينبغي أن يتملص من هذه الفئة الطليعية من الشعب. فيقول له بصراحة تامة : قف مع شعبك وإلا فأنت مع الجلاد. كتب بريشت هذا البحث في الثلاثينات (1935)، أبان أشتداد النضال داخل ألمانيا ضد النازية، وعلى الأغلب لم يكن منتمياً لأي حزب سياسي من أحزاب المعارضة، وهذا يمنح موقفه الثوري مصداقية أكبر، تحدى بريشت نظاماً إمبريالياً (النظام النازي)، كان يعد بحملات دموية داخل ألمانيا، ويخطط لأكثر دموية في أوربا والعالم. دولة كانت تسعى للحرب بألآف الطائرات والدبابات، وبملايين الجند المدججين بالسلاح حتى الأسنان، نظام يريد فرض إرادته بقوة السلاح، كل هذه الضجة الكبرى، والضجيج، ولهيب يستعر، مقابل كل هذا .. رفع بريشت قلمه .... قلمه فحسب.

وبتقديري، أن الطليعي لا يستطيع أن يتبرأ من ضميره، لا يستطيع أن يتنكر للأيدي التي رفعته، وعن مئات بل ألاف الرموز المادية والحسية، ويشبع حين يتغدى، ويتخم عندما يتعشى، ويتجشأ ويلف رأسه وينام ... هكذا غير مبال بالعمليات التي تدور من حواليه وصخبها يصم الآذان .. الفنان أو الأديب، والمثقف، هو إنسان طليعي وتقدمي بالضرورة، الطليعي هو منطقياً مع العملية الصاعدة، مع المسيرة المتقدمة إلى الأمام تشق عباب بحر الظلمات بقلمه بريشته بأزميله، هو مع المحرومين والمظلومين، وليس من المعقول أن يدافع عن القوى التي تهين بلاده وتحتلها، أو عمن بيد سوط، أو سلاح يهرق به دماء الآخرين ويبدد أحلامهم في الحياة .. لابد له أن يتضامن مع صيحات العذاب، لابد له أن ينفعل مع بكاء الأطفال .. لابد ... وإلا فهو فاقد لمشاعره، فهو ليس إذن بإنسان طليعي، بل هو ربما آداة بيد القوى الغاشمة المحتلة والمستعمرة أو الطغيانية.

في حسابات من ينزوي وراء الجدران العالية، فإن عمل المثقف / الكاتب يعتبر جنونياً لا محالة، ولكننا اليوم وبحسابات بسيطة ودونما كثير ذكاء، نقر أن هذا العمل الإشعاعي في قمة الذكاء، ليس لأنه ناصب العداء معسكرً فولاذياً تسيل الدماء من جوانبه، بل لأنه أختار الحق، والحق سينتصر وإن يتأخر مجيئه، فلكي تغرب مرحلة وتأتي مرحلة أخرى، هناك استحقاقات مادية يجب أن تكتمل حلقاتها ... وهناك ضحايا حتماً، وهناك أبرياء سيسحقون، وإلا كيف سنصدر إدانتنا جميعاً بصوت واحد وعال ... للمجرمين ..للقتلة ..إدانة جماعية وتاريخية، إلا إذا خضنا غمار المرحلة الرهيبة ودفعنا استحقاقاتها الباهضة.. لابد أن يحدث هذا التدمير لتنشأ وتتكون حركة مضادة .. كيف يمكن أن تمسح النازية بكل قوتها ما يكن هناك متملقون، قتلة، وضحايا، وعمود تراكم لابد أن يمتلئ حتى آخر قطرة منه، فيطلع الجديد النظيف، حتى يندحر الظلام إلى الأبد ..

الكاتب الطليعي يقرر أن ينحاز إلى المظلومين والمقهورين، وأن يكون واحداً منهم، ويتخذ موقفه هذا بقرار وجده بديهياً لأنه لم يصله دفعة واحدة، بل عبر تثقيف ذاتي طويل المدى، ولمسيرة طويلة المدى، ولكن لكي يكون رفضه وموقفه برمته ناجحا ومثمراً عليه أن ينظم رفضه، ويهندس انتفاضته الداخلية، لتنجح خارجياً، الكاتب الطليعي ينصح المثقفين ككاتب طليعي، أكتبوا اليوم، وأكتبوا غداً، وأكتبوا كل يوم، ولكي تكتبوا كل يوم فإنكم لن تستطيعوا أن تقولوا كل ما عندكم دفعة واحدة، وإن فعلت ذلك فماذا ستفعل في الأيام والمراحل المقبلة، ثم أنك ستثير انتباه من حولك، لذلك فإنك لن تستطيع أن تؤثر في مجاميع بشرية هائلة إلا عندما تعلم ماذا تكتب وكيف تكتب، ولمن تكتب ...

الكاتب الطليعي يرى صعوبات في الكتابة الموجهة ... بالطبع فالقوى المعادية لها آذان تسمع وعيون تلاحظ، والكتاب ... ينبغي أن ينتبهوا لمتاعب الكتابة، هي حرب ولابد أن تكون لك قواعدك .. لا تجازف ولا تغامر، ولكن واصل حمل المشعل دون هوادة ..

وأخيراً فالكتابة هي عمل نضالي وقد تنطوي على مخاطر .. عليك أن تتقبلها .. من أجل القيم، ومن أجل من تكتب لهم.... أمض في طريقك لا تخف، وتقبل ما ينجم عن ذلك ..وإن سقطت دون مبادئك وقناعاتك وما تؤمن .. فهي نعم النهاية، والشعب لن ينسى مشاعله وأشجاه الباسقة الباسلة. أما غير ذلك فستذروه الرياح أثراً بعد عين ...!

المثقف لشعبة كشجرة السنديان الصلبة التي لا تهزها الرياح، تشع بالأمان وبنور الإيمان والمعرفة ...




 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الثقافة، الواقع الثقافي، التفكير، الأزمة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 21-01-2021  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  العراق: الانتخابات المقبلة... اتجاهات وأبعاد
  الواقعية ... سيدة المواقف
  العولمة أعلى مراحل الإمبريالية / الجزء الأول
  كيف نتنبأ بالقادم من الأحداث
  حيال مشكلات الأمن القومي الإيراني المشروع النووي عبث لا طائل منه
  ظواهر سياسية أولاً : التكتلات والانشقاقات في الحركات الثورية
  أزمة ثقافة أم محنة مثقفين
  العالم ما بعد كورونا .....!
  أنطونيو لوسيو فيفالدي
  إغتيال الحاكم العسكري رينهارد هايدريش
  الجيش العراقي : 100 عام هوية وتاريخ
  الساعة 0 /التاريخ : 1 / 1 / 2021
  ثلاثية البحر: آيفوزوفسكي ــ أهرنبرغ ــ فيركور
  مع تواصل الصراعات الثانوية ... فتش عن الاستعمار
  التشيع الصفوي في مأزق
  الرأسمالية في قمة تطورها
  عملية في طهران
  الفونس دي لا مارتين
  الأحداث تحرق أوراق إيران
  ما جرى للعراق في مسرحية من فصل واحد
  ميدان عمود النصر في برلين
  حكماء العرب
  مهمتان ثوريتان أمام الانتفاضة
  الانتخابات الأميركية وتداعياتها في أوربا
  الاحتكارات الدولية في العصر الراهن، آثارها الاستعمارية الحديثة ونضال الدول النامية ضد الإمبريالية
  التطرف
  لغز المياه الميتة (#)
  لماذا تقاتل إيران مع أرمينيا
  طغيان الدولة مقدمة لإرهاب الدولة
  القطب الشمالي في طريقه للنهاية

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. جعفر شيخ إدريس ، د - شاكر الحوكي ، معتز الجعبري، ابتسام سعد، د - محمد بن موسى الشريف ، أحمد الغريب، جاسم الرصيف، د. أحمد محمد سليمان، سامر أبو رمان ، حسن الطرابلسي، عراق المطيري، سعود السبعاني، عبد الغني مزوز، د- محمود علي عريقات، د - محمد عباس المصرى، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د.محمد فتحي عبد العال، الناصر الرقيق، د - صالح المازقي، محمد الطرابلسي، رمضان حينوني، فتحي العابد، د - مصطفى فهمي، مصطفى منيغ، د. عادل محمد عايش الأسطل، إيمان القدوسي، د. عبد الآله المالكي، فوزي مسعود ، بسمة منصور، د. محمد عمارة ، الهادي المثلوثي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، يحيي البوليني، د. نانسي أبو الفتوح، إياد محمود حسين ، ماهر عدنان قنديل، وائل بنجدو، سلام الشماع، محمد الياسين، د. ضرغام عبد الله الدباغ، أحمد ملحم، إيمى الأشقر، علي الكاش، علي عبد العال، العادل السمعلي، فاطمة حافظ ، كريم السليتي، فتحي الزغل، صالح النعامي ، شيرين حامد فهمي ، ضحى عبد الرحمن، أحمد الحباسي، أ.د. مصطفى رجب، منجي باكير، رشيد السيد أحمد، منى محروس، أشرف إبراهيم حجاج، كمال حبيب، إسراء أبو رمان، أبو سمية، المولدي الفرجاني، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - محمد سعد أبو العزم، د - غالب الفريجات، سوسن مسعود، صلاح الحريري، د. طارق عبد الحليم، محرر "بوابتي"، سحر الصيدلي، محمد أحمد عزوز، د - أبو يعرب المرزوقي، فاطمة عبد الرءوف، رافع القارصي، سلوى المغربي، صباح الموسوي ، د - مضاوي الرشيد، سليمان أحمد أبو ستة، الهيثم زعفان، د- محمد رحال، د. خالد الطراولي ، محمد تاج الدين الطيبي، طلال قسومي، د- هاني السباعي، د- جابر قميحة، حاتم الصولي، د - محمد بنيعيش، حسن الحسن، محمد العيادي، صفاء العراقي، سيد السباعي، محمود صافي ، سامح لطف الله، د- هاني ابوالفتوح، أحمد النعيمي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، خالد الجاف ، عزيز العرباوي، د. محمد مورو ، حميدة الطيلوش، د - احمد عبدالحميد غراب، عبد الله الفقير، رحاب اسعد بيوض التميمي، أحمد بوادي، د. محمد يحيى ، رافد العزاوي، محمد شمام ، سفيان عبد الكافي، محمد عمر غرس الله، حسن عثمان، عبد الله زيدان، نادية سعد، ياسين أحمد، تونسي، محمود سلطان، د - عادل رضا، حمدى شفيق ، الشهيد سيد قطب، سيدة محمود محمد، كريم فارق، أحمد بن عبد المحسن العساف ، مجدى داود، عبد الرزاق قيراط ، د. أحمد بشير، فهمي شراب، محمود فاروق سيد شعبان، د. الحسيني إسماعيل ، جمال عرفة، د. صلاح عودة الله ، فراس جعفر ابورمان، هناء سلامة، مصطفي زهران، يزيد بن الحسين، د.ليلى بيومي ، عواطف منصور، عمر غازي، صلاح المختار، محمود طرشوبي، عدنان المنصر، حسني إبراهيم عبد العظيم، محمد اسعد بيوض التميمي، فتحـي قاره بيبـان، د - المنجي الكعبي، د. نهى قاطرجي ، عصام كرم الطوخى ، مراد قميزة، خبَّاب بن مروان الحمد، أنس الشابي، د - الضاوي خوالدية، محمد إبراهيم مبروك، صفاء العربي، رأفت صلاح الدين، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. الشاهد البوشيخي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، رضا الدبّابي،
أحدث الردود
انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة