تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الرئيس التونسي يُجَرُّ إلى معارك الاستئصال السياسي

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


بدأ التونسيون يفهمون أخيرًا رئيسهم، فبعد تسعة أشهر من توليه الحكم تكلم الرجل وعبر عن مكنونات عقله، فخذل جمهوره الذي صوت له، إلا أنه تدبر جمهورًا آخر كان صوّت ضده، إذ يتمنى الكثيرون لو أنه سكت الدهر كله، بينما أصبح الذين كانوا يتمنون لو أنه لم يكن قبل الرابع والعشرين من حزيران يرونه نبيًا مرسلًا بعد أن كان داعشيًا منكرًا.

انزياح غريب في المشهد السياسي التونسي يشبه إعادة تركيب أوراق اللعب لإعادة اللعبة المعتادة بنفس الورق ولكن بتغيير في مواقع اللاعبين، فقد خيبت زيارة الرئيس الرسمية لفرنسا ظن الكثيرين وأفرحت آخرين، فكشفت أن التونسيين يراوحون في نفس المكان الذي اعتادوه. حرب الاستئصال التي تصب فرنسا زيتًا على نارها كل ساعة.

سيهتم هذا التقرير بهذه النتيجة من نتائج الزيارة، فلها نتائج أخرى كتب فيها الكثير، خاصة لجهة ترتيب العلاقة مع النظام الليبي القادم.

الرئيس المجهول يتّضح
يشترك أنصار الرئيس الجدد (المقبلين عليه) والقدامى (المدبرين عنه) في أنهم لم يحددوا جيدًا ملامح شخصية الرئيس ولا أفكاره، لذلك فإن ظهوره في المساجد وحرصه على الصلاة وقت الحملة الانتخابية جعل كثيرين يرونه صنيعة حزب النهضة وقد دسه الحزب في قائمة المرشحين دسًا، ولهذا السبب مال كل تيار الحداثة أو اليسار وفلول التجمع إلى المرشح المنافس باعتباره وجهًا غير إسلامي أولًا ويمكن أن يكون تقدميًا ثانيًا. ولم يكن مهمًا في تلك اللحظة أنه متهم بالفساد والتخابر.

مع تقدم الوقت وظهور الرئيس وكلامه السياسي في مواضيع اللحظة بدأت الصورة تتضح ثم تتغير، إذ أحدثت زيارة الرئيس لفرنسا وظهوره بوجه متودد للفرنسيين وثقافتهم وتاريخهم وحرصه على إبراز اختلافه السياسي مع رئيس البرلمان رئيس حزب النهضة انقلابًا في الجمهور، وقادت وسائل الإعلام التي كانت تتخذ الرئيس موضوعًا ساخرًا الانقلاب، فإذا هي تمجد عبقريته السياسية وفلاحه في الحصول على قرض بلا فوائد. وتمجد خاصة ثلاثة عناصر مهمة:

أولًا: إنكاره للاحتلال الفرنسي لتونس والنظر إليه كمرحلة حماية مقننة ومشروعة لا توجب إرهاق فرنسا بطلب الاعتذار أو التعويض المادي أو الرمزي عن القتل والتشريد والنهب، فلم يكن هناك إلا بعض القسوة التي لا توجب جزاء.

ثانيًا: موقفه من الأزمة الليبيبة التي انحاز فيها إلى حل غريب (لويا جرقا ليبية) بما كشف أنه يخرب على الشرعية في طرابلس بما يقربه من محور حفتر مصر، أي المحور المعادي للثورات العربية، وهو المحور الذي يجد له أنصارًا في تونس كانوا مع المرشح الزبيدي ثم مالوا في الدور الثاني للقروي ثم هم الآن يهاجرون إلى الرئيس.

ثالثًا: محاولته شخصنة الصراع بينه وبين رئيس البرلمان وكشف هذا الخلاف خارج البلاد وفي وسائل إعلام أجنبية.

تجتمع نتيجة هذه العناصر في توسيع الفجوة بين الرئيس وبين حزب النهضة وقيادته وتؤذن بحرب قادمة ومن أجل هذا هاجر الجمهور، فقد وجدوا من يجدد المعركة ضد (الخوانجية). غير مهم عند هؤلاء الخراب الذي قد تجره حرب مماثلة على البلد في هذا الظرف المأزوم بعد الكورونا.

الخيبة أيضًا تتضح
ليست الخيبة أن يتخذ السياسي موقفًا غير متوافق مع هوى العامة (وهو هوى متقلب غالبًا)، أو أن يقول ما لا يروق لها ولكن الخيبة أن لا يكون للسياسي خطة يسير عليها ويصوغ مواقفه من داخلها بما يجعل عموم الناس يحددون مواقفهم منه على بينة ودراية.

نحن نعيش خيبة اكتشاف سياسي بلا خطة عمل، وما يضاعف الخيبة بأنه يقاد إلى خطة ليست خطته على الأقل فيما ظهر لنا منه في حملته الانتخابية. حين أطلق جملًا ترتقي فوق صراع الأحزاب والتيارات الأيديولوجية وهي معارك قديمة ومؤذية للشعب في فكره وفي قوته.

الخطة البديلة ليست جديدة إنها خطة المعركة الأبدية ضد (الخوانجية). وهنا تقع الهجرة السياسية التي نتابع وهنا نجد كل مصدر مشاكل البلد التي تعيق تقدمه، وقد جر الرئيس إليها.(هذا إذا منحناه فتوى أنه عاش خارجها قبل الفوز بالمنصب فغموضه وغياب كل تاريخ سياسي ونضالي له حيرنا دومًا).

كتبنا دومًا أن هذه المعركة الاستئصالية أعاقت تقدم الديمقراطية في تونس (في الوطن العربي عامة) وكتبنا أنها معركة لا تتم لصالح تقدم البلدان ولا لصالح تطورها الفكري ولا الثقافي، ولذلك تحمسنا لكل من يقف خارجها لينهيها ويؤسس لديمقراطية مع الإسلاميين ولهذا كان الدكتور المرزوقي مرشحنا ولا يزال أمثولتنا الأخلاقية في الوقوف خارج هذا الصراع المدمر لقدرات البلد ومستقبله.

كان عندنا أمل أن يكون قيس سعيد في موقع المرزوقي في هذه المعركة أو أن يكون له مع الإسلاميين موقع الشريك الباني لديمقراطية بلا إقصاء ولكن ما نراه الآن يدفعنا إلى خيبة.

سيعود الرئيس بالبلد (أو يستعمل الرئيس من قبل جهات معروفة) إلى وضع مشابه لوضع بن علي أي معركة استقطاب حادة يملك أحد طرفيها قدرة على الأذى. نعم تغيرت الأوضاع ولم يعد بن علي وأسلوبه إلا أمنية لعشاق الاستئصال، فالإسلاميون ملكوا بعض وسائل الدفاع عن أنفسهم وبالديمقراطية نفسها غير أن الحديث ليس عن سلامة الإسلاميين ونجاتهم من محارق أخرى بل عن جدوى المعركة نفسها ولماذا يجر إليها البلد دومًا.

البلد محتاج إلى تنمية سياسية أي إلى جر النقاشات العامة إلى مجالات تأسيس مشروع ثقافي ديمقراطي لا يقصى أحدًا ولا يتعالى فيه أحد على أحد باسم التقدمية أو الحداثة مثلما لا يحتاج فيه إلى تكفير أو إقصاء باسم اختلاف المعتقد، وهذه مهام القائد الفكري للبلد (المفروض أن يكمل الرئيس هذا المشروع الذي بدأه المرزوقي وقطعه الباجي لأنه لم يكن مثقفًا ولا مفكرًا)، لكن عوض ذلك وبعد زيادة فرنسا خاصة نعتقد أننا مقبلون على معارك مزيفة كثيرة هدفها في الظاهر رأس الإسلاميين وباطنها رأس الديمقراطية.

الديمقراطية التي جعلت بعض التونسيين يتجرأ ويرفع صوته مطالبًا بتجريم الاحتلال وطلب التعويض المادي والأدبي. حيث تم جر النقاش الوطني لأول مرة إلى مسائل السيادة والاستقلال عوض النقاش الممجوج حول صراع التقدمية والرجعية.

جملة أخيرة هنا، أول مستفيد من معركة الاستئصال السياسي ليس أصواتها في الداخل بل كل خاسر من الديمقراطية التي تدفع النقاش إلى المسائل السيادية. إذا أراد المرء أن يعرف سبب خراب تونس فليبحث عن اليد الفرنسية في الزوايا العتمة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

قيس سعيد، تونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 29-06-2020  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محمد الطرابلسي، د. خالد الطراولي ، إسراء أبو رمان، طلال قسومي، عبد الغني مزوز، محمد تاج الدين الطيبي، سوسن مسعود، جمال عرفة، محمود صافي ، إياد محمود حسين ، د.محمد فتحي عبد العال، د. عبد الآله المالكي، د - محمد عباس المصرى، كريم السليتي، بسمة منصور، عصام كرم الطوخى ، حاتم الصولي، سفيان عبد الكافي، الهادي المثلوثي، رضا الدبّابي، د. الحسيني إسماعيل ، إيمى الأشقر، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، فتحي العابد، صلاح الحريري، صفاء العراقي، د - الضاوي خوالدية، د- جابر قميحة، عبد الله زيدان، معتز الجعبري، أبو سمية، حمدى شفيق ، يحيي البوليني، د- هاني ابوالفتوح، عمر غازي، صباح الموسوي ، الهيثم زعفان، منجي باكير، د. نانسي أبو الفتوح، عراق المطيري، فهمي شراب، د. ضرغام عبد الله الدباغ، الناصر الرقيق، رمضان حينوني، د. محمد مورو ، فتحي الزغل، حسن عثمان، عزيز العرباوي، صلاح المختار، رحاب اسعد بيوض التميمي، إيمان القدوسي، رافع القارصي، تونسي، عبد الله الفقير، د - محمد بنيعيش، خالد الجاف ، هناء سلامة، د. عادل محمد عايش الأسطل، صالح النعامي ، مجدى داود، محمد اسعد بيوض التميمي، د - أبو يعرب المرزوقي، سحر الصيدلي، المولدي الفرجاني، محرر "بوابتي"، فراس جعفر ابورمان، أحمد الحباسي، محمود سلطان، د - محمد سعد أبو العزم، عواطف منصور، د. صلاح عودة الله ، سامح لطف الله، حسني إبراهيم عبد العظيم، أنس الشابي، فتحـي قاره بيبـان، د - عادل رضا، ياسين أحمد، د - المنجي الكعبي، مراد قميزة، خبَّاب بن مروان الحمد، محمود طرشوبي، سلام الشماع، محمد الياسين، أشرف إبراهيم حجاج، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سعود السبعاني، عدنان المنصر، رأفت صلاح الدين، د- هاني السباعي، شيرين حامد فهمي ، سيدة محمود محمد، يزيد بن الحسين، صفاء العربي، د. محمد يحيى ، د. جعفر شيخ إدريس ، د - مضاوي الرشيد، د - محمد بن موسى الشريف ، كمال حبيب، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، وائل بنجدو، د. أحمد محمد سليمان، علي عبد العال، سلوى المغربي، مصطفى منيغ، د - شاكر الحوكي ، كريم فارق، فاطمة حافظ ، أحمد الغريب، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد شمام ، د. نهى قاطرجي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد العيادي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، حسن الحسن، د - مصطفى فهمي، رافد العزاوي، ماهر عدنان قنديل، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سيد السباعي، أ.د. مصطفى رجب، د. الشاهد البوشيخي، د - غالب الفريجات، د - صالح المازقي، محمد عمر غرس الله، محمود فاروق سيد شعبان، أحمد بوادي، د.ليلى بيومي ، د. أحمد بشير، فوزي مسعود ، منى محروس، أحمد النعيمي، أحمد ملحم، د- محمد رحال، سامر أبو رمان ، محمد إبراهيم مبروك، ابتسام سعد، جاسم الرصيف، نادية سعد، محمد أحمد عزوز، د. طارق عبد الحليم، د - احمد عبدالحميد غراب، عبد الرزاق قيراط ، رشيد السيد أحمد، حميدة الطيلوش، الشهيد سيد قطب، العادل السمعلي، مصطفي زهران، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، علي الكاش، فاطمة عبد الرءوف، د- محمود علي عريقات، د. محمد عمارة ، حسن الطرابلسي،
أحدث الردود
جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة