تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

رمضان والتقارب الروحي أكثر

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


يجدنا رمضان المعظم في هذا العام في تباعد اجتماعي مفروض علينا من دولتنا، التي تضع في مقدمة أولوياتها صحة المواطن، حتى أن بعض المتكلمين باسمها نسوا أنهم في دولة إسلامية وأن حرمة الدين التي يولي الدستور التنصيص عليها، توجب عليهم مخاطبة المؤمنين بمقتضاها. ومن مقتضيات هذه الحرمة أن لا نولي الظهر لعباداتنا بدعوى منع تفشي الفيروس ثم نعود اليها بعد انقضائه.

وهم مطمئنون الى أنه لا مواطن في بلدنا بإمكانه أن يتجرأ على تحميل الدولة أو وزير منها مسؤولية تقصيره في غلق الحدود دون الفيروس لأول علمه بظهوره، لا المزيد من استقبال السياح الجدد والوفود القادمة من هنا وهناك هرباً من الفيروس في بلادها.

وهم مطمئنون أكثر الى أن ألفاظهم الموحية في إجراءاتهم المعلنة وقراراتهم المتخذة يمكن أن يرفضها أحد أو يدعو الى العصيان الجماعي عليها باسم الدين. لاعتقادهم بأن الدين منذ أن وضعت شؤونه في دولة الجمهورية تحت سلطة الدولة للتحكم فيه بمقاييس ما يناسب رجالاتها لا رجالاته، على ما يباعد بين ثقافة كل منهم وتربيته وعلمه بالدين وعمله به.

فقد رأينا دور المفتي في أول تعيينه بالدولة بعد الاستقلال ورأينا إصلاحات مست أهم مقومات الحياة الإسلامية من تعليم ووقف وقضاء، التي استشهد الأحرار من أجل الدفاع عنها بوجه الاستعمار التي كان يستهدفها بسياساته الظالمة والباطشة.

ورأينا الانتفاضات باسم الدين التي قامت أهمها بالقيروان، لإعادة الاعتبار لعبادة الصيام، حين ضيق الحاكم على القائمين به لأسباب اقتصادية. وكأن العبادات هي لله والحال أنه تعالى غني عنها وإنما للقائمين بها. فعباداتنا الخمس كلها اجتماعية اقتصادية وصحية لخير الفرد والمجموعة. غير أن أكثر الناس لأسباب من التربية والتعليم الديني أصبحوا لا يدركون أبعادها والحكمة منها.

فالشهادتان للأذان للاجتماع للصلوات بالمساجد ومنها صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء وغيرها. والاجتماع البشري فيها جميعها من أجل التنافس على الخير والنهي عن الفحشاء والمنكر واستجلاب الخير واستنزال الرحمة على البشر والتواصي بالحق وعمل الصالحات. والصلاة وهي أم العبادات لدورها الاجتماعي، حتى أنها مفضلة جماعة، لتمتين علاقة الفرد بغيره اجتماعياً. والمساجد وما كان لها من دور في ربط اللحمة بين المصلين في كل المناسبات المفرحة والمترحة.

فكيف تُغلق اليوم من أجل العدوى بالفيروس فيها؟ وكان الأولى غلق الفيروس دون دخوله لها بكل الوسائل الوقائية، حتى لا نستبدل الغلق في وجه الفيروس بغلق المسجد في وجه المصلين، ونقول هذه إجراءات وزارة الشؤون الدينية، أو هذا رأي سماحة المفتي. وما رأيْنا في السابق دولة إسلامية يرعى شؤونها الحاكم دون العالم بالدين والفقيه بشؤون العبادات الدينية، خاصة وتنصب السلطة فيها رجالاً لها (أو نساء) لا على أساس ديني ولا شرعي ولا ثقافي أو اجتماعي فيه رائحة الدين، أو للدين فيه الكلمة العليا اعتباراً لدستورها.

فقد كان رئيس الجمهورية يمر انتخابه بعد نظر لجنة في ترشيحه للرئاسة إذا ما كان يطابق شرط الدين. من أبرز أعضائها المفتي. فأسقط نظام الزين بن علي كل وجود للمفتي تدريجياً من هذه اللجنة.

وتعطل دخول الإسلام على يديه للطالبين الى أن تنقضي العدوى بالفيروس! ولم يخطر بباله أن كل المصالح لا ينبغي أن تتعطل لهذا السبب. وهناك العمل عن البعد والإدارة عن بعد وما إلى ذلك من اجتماعات وندوات ومؤتمرات. فكيف من أجل الدخول للدين يؤجل الدخول للمقبلين عليه بدل تأجيل أوراق الطلب أو اقتضاءات شهادات المفتي عن طريق المراسلة الإلكترونية؟

وقس على ذلك الحج والزكاة، وما يمثلانه من تضامن وتعارف وتناصر وتعاون وتلبية للاحتياجات وصدقات للفقراء والمساكين وقيام بشؤون المسلمين سلماً وحرباً.

فكل هذه العبادات ضيقت مؤسسات الدولة الحديثة التي أوكلت لهيئات تابعة لها تصريفها والقيام على شؤونها، بينما كانت للمجتمع المدني قبل ذلك مهمة إدارتها، مثلما تدار حديثاً كثير من المؤسسات التعليمية والقضائية والصحية والاقتصادية والمالية بصورة حرة، خصوصية، لا علاقة للدولة بها منعاً لحصول العدوى منها اليها بالفساد والرشوة والتحايل واستغلال النفوذ.

فكلنا ثقة في مستقبل دولتنا بعد عبور الكورونا عليها، كيف سيكون حالها مع ديننا وإذا ما كان ستتحسن ظروفه وتحترم مقتضياته، لأننا كدنا قبلها أن تخرج شؤوننا الدينية عن كل مطابقة بينها وبين الدين في حقيقته، كوازع على الخيرات ومنقذ للثروات ومبطل للعادات السيئة التي تركبت على مجتمعنا بسبب إهمال التربية به والاعتماد عليه في سياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية. وسنعرف أكثر حزماً لمقاومة الفساد والموبقات إذا ما تدرجنا بعد الكورونا في حرمة العبادات لإصلاح أوضاعنا الفاسدة بسبب ابتعادنا عن الدين الصحيح. وحتى لا تبقى المراءاة بالدين هي الدين. ويصبح التقارب الروحي أقوى بيننا، حتى في الأزمة بالتباعد الاجتماعي.

-----------------------
تونس في ٣٠ شعبان ١٤٤١ ه‍‍‍
٢٣ أفريل ٢٠٢٠ م


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

شهر رمضان، العبادات،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 23-04-2020  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  صورة دولتنا، في كتاب في القرآن، ممثلة فيه بالإشراف والتمويل
  حوار "ماكرون" على "الجزيرة": مكرٌ بالدين والحرية ..
   الإرهاب سببه الظلم لا الإسلام
  المحكمة الدستورية ومشكل الهيئات الناخبة لها
  رمضان والتقارب الروحي أكثر
  نذُر الحرب حذَر العدوى
  سياسة الأزمات والديون
  حول الكورونا في تونس: مثل أجر الشهيد
  الدواء العزيز يجود به الحاكم كما يجود به الطبيب
  دواء ولا كمثله دواء
  خواطر حول تطابق الأسماء
  من نوادر الأقوال: في العلم والدين
  كورونا: الخطر الداهم واتخاذ الأهبة
  كورونا: إنطباعات وتأملات
  على ذكر الأقصى في الحكومة
  (الأقصى) في أسماء أعضاء الحكومة المقترحة
  ثقة بتحفظات كلا ثقة
  البرلمان: الوحْل أو الحل
  محرقة ترامب في فلسطين
  موسم الاختيارات للحكم
  مصر لا يغيب الماء عن نيلها
  في الأقدر على تشكيل الحكومة
  وجهة نظر فيما حصل بحكومتنا الموقرة
  في الجزائر: معجزة الموت لمباركة الحراك
  في الدين والحقوق (تفسير الشيخ السلامي أنموذجاً)
  تحية بتحية واستفهامات
  حقيقة طبعة ثانية للشيخ السلامي من تفسيره
  متابعات نقدية
  الثقافي اللامع والصحافي البارع الأستاذ محمد الصالح المهيدي خمسون عاماً بعد وفاته
  ظاهرة هذه الانتخابات

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
مصطفي زهران، صالح النعامي ، أحمد بوادي، عواطف منصور، محمد عمر غرس الله، ياسين أحمد، سوسن مسعود، رأفت صلاح الدين، إسراء أبو رمان، الشهيد سيد قطب، محمد شمام ، فراس جعفر ابورمان، رشيد السيد أحمد، العادل السمعلي، د - مضاوي الرشيد، إيمى الأشقر، سامر أبو رمان ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمود صافي ، الهيثم زعفان، محمد تاج الدين الطيبي، أحمد ملحم، عدنان المنصر، مصطفى منيغ، فاطمة حافظ ، د. الحسيني إسماعيل ، صلاح المختار، حسن عثمان، صفاء العراقي، أحمد الغريب، د - غالب الفريجات، معتز الجعبري، حسن الحسن، شيرين حامد فهمي ، د - محمد بن موسى الشريف ، د. نانسي أبو الفتوح، رمضان حينوني، د - محمد بنيعيش، د. محمد يحيى ، سامح لطف الله، فتحي الزغل، صباح الموسوي ، حمدى شفيق ، د- محمد رحال، سفيان عبد الكافي، سيد السباعي، ماهر عدنان قنديل، محمد العيادي، خبَّاب بن مروان الحمد، د. طارق عبد الحليم، د. مصطفى يوسف اللداوي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، سيدة محمود محمد، الهادي المثلوثي، حسني إبراهيم عبد العظيم، سلوى المغربي، د. محمد عمارة ، د - عادل رضا، د- هاني ابوالفتوح، عصام كرم الطوخى ، رحاب اسعد بيوض التميمي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - شاكر الحوكي ، د - محمد عباس المصرى، حسن الطرابلسي، تونسي، عبد الله الفقير، محمود سلطان، د. الشاهد البوشيخي، أبو سمية، مجدى داود، د - محمد سعد أبو العزم، صلاح الحريري، إياد محمود حسين ، عمر غازي، مراد قميزة، د. محمد مورو ، د. عبد الآله المالكي، د- محمود علي عريقات، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، كريم فارق، د. أحمد بشير، منى محروس، د - صالح المازقي، علي عبد العال، كمال حبيب، محمد اسعد بيوض التميمي، محمد الياسين، كريم السليتي، محمود طرشوبي، حاتم الصولي، محمد أحمد عزوز، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. جعفر شيخ إدريس ، أنس الشابي، رافد العزاوي، علي الكاش، د.ليلى بيومي ، عبد الله زيدان، د. نهى قاطرجي ، حميدة الطيلوش، د- جابر قميحة، محمود فاروق سيد شعبان، فهمي شراب، فتحي العابد، فتحـي قاره بيبـان، د. صلاح عودة الله ، جمال عرفة، عراق المطيري، أحمد النعيمي، د. عادل محمد عايش الأسطل، فاطمة عبد الرءوف، د - احمد عبدالحميد غراب، سلام الشماع، إيمان القدوسي، المولدي الفرجاني، د.محمد فتحي عبد العال، رضا الدبّابي، د. أحمد محمد سليمان، فوزي مسعود ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سعود السبعاني، د. خالد الطراولي ، الناصر الرقيق، صفاء العربي، سحر الصيدلي، محمد إبراهيم مبروك، د- هاني السباعي، نادية سعد، د - الضاوي خوالدية، أ.د. مصطفى رجب، د - أبو يعرب المرزوقي، محمد الطرابلسي، يحيي البوليني، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، عزيز العرباوي، أحمد الحباسي، محرر "بوابتي"، خالد الجاف ، أشرف إبراهيم حجاج، طلال قسومي، جاسم الرصيف، يزيد بن الحسين، هناء سلامة، د - المنجي الكعبي، وائل بنجدو، ابتسام سعد، د - مصطفى فهمي، منجي باكير، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عبد الغني مزوز، بسمة منصور، عبد الرزاق قيراط ، رافع القارصي،
أحدث الردود
انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة