تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الأحزاب ضد الديمقراطية في تونس

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


نخوض جدالا منذ سنوات مع أصدقاء متحزبين يعيبون علينا نقدنا للأداء السياسي الحزبي في تونس، ويصرون ولا نختلف معهم من حيث المبدأ على دور الأحزاب في تطوير العمل السياسي وبناء الديمقراطية. هذا على الأقل ما شاهدناه وما اطلعنا عليه في التجربة السياسية الغربية التي نحاول تقليدها، لكن الحالة التونسية الماثلة أمامنا وخاصة الأداء الحزبي لما بعد انتخابات 2019 ومناورات تشكيل الحكومة؛ يقدم مثالا ساطعا على تخريب الأحزاب للديمقراطية وللحياة السياسية عامة، بما يدفع أشخاصا كثرا إلى عدم التحزب، نجاة من الدخول في ورطة لا مخرج منها إلا بالاستقالة وإعلان البراءة.

سأقدم أمثلة على تمزق الحزبيين بين ولائهم الفئوي وبين المصلحة الوطنية..

مفاوضات التشكيل وانكشاف الشقوق الحزبية

لا ننطلق من صورة مثالية عن حزب منضبط انضباطا عسكريا وعناصره منسجمة في كل المجالات. هذا نموذج الأحزاب الفاشية التي يقودها فرد متغطرس، وهي نماذج معادية بالقوة للديمقراطية، لكن عندما تظهر خلافات حول الموقف داخل الديمقراطية فإن الخلافات تكشف حالة تنافر في الرؤى والخيارات، وتكشف خاصة أن الأحزاب تتحول إلى مقابر للكفاءات والشخصيات.

لقد عاينا حزب التيار الديمقراطي منقسما على نفسه لجهة المشاركة في الحكومة؛ بين الخبراء وبين الأيديولوجيين. فقد مال ذوو الكفاءة إلى المشاركة، ومنعهم الإقصائيون من الاقتراب من الحزب الفائز. النتيجة المباشرة أنه حافظ الحزب على تماسكه ومنع كفاءات عالية من المشاركة في إدارة البلد. والنتيجة الأبعد هي تحويل الحزب إلى قوقعة منغلقة على نفسها خوف الانفجار، وهذا في تقديرنا خطوة نحو الموت السياسي.

ويمكن أن نقول شيئا مشابها عن حركة الشعب لولا أننا نشك في وجود كفاءات سياسية في هذه المجموعة؛ لأننا لا نعتقد أن شخصا مهما كان تكوينه العلمي وتجربته السياسية ما زال يظن أن معمر القذافي زعيم مبدع وخلاق، وله رؤية ويمكن أن يكون كفاءة تدير دولة ضمن ديمقراطية. ولكن نعرف أن هذا الحزب جنح إلى عدم المشاركة خوف انكساره بين القذاذفة، وهم مكون رئيسي فيه، وبين غيرهم. وجميعهم في الحقيقة طابور خامس لحفتر طريد القذافي نفسه.

صراعات الزعامة في النهضة وراء الأداء الكارثي في التفاوض

بات واضحا أن حزب النهضة منقسم إلى أكثر من شقين سياسيين لا جامع بينهم، وأن الصراع على كرسي الغنوشي المؤسس قد بات هو المحرك الرئيسي في أداء الحزب في كل المسائل المتعلقة بإدارة الحزب وإدارة الدولة التي فوض الشعبُ الحزبَ للقيام بها.

ظن كثيرون مثلنا أن الرابطة الدينية ورابط المعاناة الطويلة يلحمان أركان الحزب ويحميانه من الانقسام، ولكن عاينّا خطأ هذا التقدير الذي لا يخلو من مثالية جاهلة بطبيعة الأفراد. لقد استنزفت كل الروابط، وعلا دخان المعارك الداخلية.

لقد انقسم الحزب بين جهات تفاوض مضحية بالديمقراطية إذ تستهين بحكم الصندوق وتقدم مغانم الأفراد، فسمعنا الحديث عن المستوزرين المدمنين وعن غيرهم. وهذا كشف بدوره طبيعة الشقوق داخل الحزب، ويمكن أن نعود إلى الوراء قليلا لنفهمها.

يوجد عائق كبير داخل الحزب، وأعتقد أنه عائق يشمل كل الأحزاب الإسلامية، فهي أحزاب تربي أفرادها على الطاعة فتمنعهم من التفكير. وهو مرض/ إعاقة نعرفها في الأحزاب اليسارية بامتياز، لكننا وجدناها عند الحزب الإسلامي. لذلك يوجد شخص واحد يفكر ويكتب، بينما يمكث الباقون في وضع التلقي الدائم كأنهم أطفال الحطيئة (زغب الحواصل لا ماء ولا شجر).

منع التفكير تجلى لنا في تقدم الحزب للحكم دون برنامج ودخوله مفاوضا على مواقع لا على أفكار، لذلك أدار مفاوضات تشكيل الحكومة بطريقة كارثية عليه وعلى البلد وعلى المشهد الحزبي عامة، فصار التحزب/ الانتماء مرادفا لأحد أمرين: إما مغنم بأي ثمن، أو حالة انحباس فكري ونكوص إلى التبرير بوضع الضحية.

أزمة تشكيل حكومة 2020 سيكون لها أثر مدمر على حزب النهضة، وسيدخل مؤتمره الحادي عشر لينكشف الفراغ الداخلي لحزب كبير الحجم، ولكن بلا أطروحة حكم تعجز الأحزاب الإسلامية عن تقديمها للناس. وبالتوازي يمكن القول إنه قد انتهى أثر المعاناة المشتركة أمام استحقاقات الحكم، ولم يعد خطاب الضحية يقنع أحدا.

خلاصة بائسة لمشهد حزبي بائس

لم نتحدث هنا عن الأحزاب الخارجة من فلول التجمع المخلوع، فهي لا تعدو عندنا أن تكون قطعان ضباع تخرج للصيد وتفترس كل ما في طريقها، وهي أحد أهم الأسباب التي تجعل المشهد السياسي الحزبي في تونس بائسا. نظرنا في ما يمكن تسميته بالأحزاب الجديدة (التي كان التجمع يمنعها من الوجود)، فإذا هي غير مختلفة عنه إلا في التسميات. فلقد وجدنا عاهات التجمع متوفرة فيها كأنها نسخ منه، لذلك نعتقد أنها وهي تحاول تجميع الأفراد وانتداب الكفاءات؛ تقوم بتنفيرها من التحزب المنغلق الذي يلزم الأفراد بعدم التفكير وإطاعة الشخصية الأولى في الحزب.

أحزاب قواقع فارغة، بينما تمكث أغلب كفاءات البلد خارج كل تنظيم حزبي، ويمكن فهم ميل رئيس الحكومة المكلف (السيد الحبيب الجملي) إلى توليف حكومة من المستقلين كعلامة متقدمة على مستقبل العمل السياسي والحكومي، وعلى أن الأحزاب فارغة وغير قادرة على فرض حكومة سياسية.

نضطر مرة أخرى للمقارنة مع مشهد حزبي متحرك في الديمقراطيات الغربية؛ قدم فيها التحالف العملي المنتج على الأيديولوجيا وعلى دور الشخصية القائدة (الزعيم الأوحد)، أي اللقاء حول المشتركات ضمن أطروحات حكم ذات طبيعة عملية (تقديم النجاعة على المثال) خاصة في الثلاثين سنة الأخيرة. وفي المقارنة نجد الأحزاب التونسية أدوات تنفير من السياسة، حيث تقدم مصلحة الحزب على مصلحة الوطن لتقدم مصلحة الزعيم على مصالح المكونات الحزبية المختلفة، وخاصة على من يمكن أن يكون كفاءة حكم.

وفي عالم متحرر من عبادة الأفراد يبدو أن الأفق الوحيد الممكن لهذه الأحزاب هو أن تموت بسرعة، لينطلق مشهد سياسي جديد بعيد عنها وعن زعاماتها المقدسة. فالعجز عن التطور في ظروف مشابهة لتشكيل حكومة 2020 في تونس ينبئ بأن مصير الأحزاب العاجزة عن التطور هو الموت، وهو قانون دارويني بامتياز. أفق اندثار الأحزاب ونشأة حياة سياسية جديدة لا نملك تخيلها الآن؛ هو الفائدة الأكبر لتونس من فشل تشكيل حكومة تونس بنتائج انتخابات 2019. ورب ضارة نافعة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، اليسار التونسي، اليسار بتونس، الثورات المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 8-01-2020   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - محمد بن موسى الشريف ، إياد محمود حسين ، مجدى داود، عزيز العرباوي، حسن الحسن، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود صافي ، د - أبو يعرب المرزوقي، حميدة الطيلوش، علي الكاش، شيرين حامد فهمي ، ياسين أحمد، د- محمود علي عريقات، د.محمد فتحي عبد العال، فتحـي قاره بيبـان، محرر "بوابتي"، رافد العزاوي، العادل السمعلي، رأفت صلاح الدين، صفاء العراقي، د. الشاهد البوشيخي، فتحي الزغل، د - المنجي الكعبي، حمدى شفيق ، محمد عمر غرس الله، حسن عثمان، صفاء العربي، سحر الصيدلي، د. محمد عمارة ، حسني إبراهيم عبد العظيم، رشيد السيد أحمد، عواطف منصور، سامح لطف الله، د - مضاوي الرشيد، خالد الجاف ، بسمة منصور، د. طارق عبد الحليم، معتز الجعبري، هناء سلامة، إيمان القدوسي، أحمد النعيمي، عبد الله الفقير، ابتسام سعد، د - احمد عبدالحميد غراب، سلوى المغربي، يزيد بن الحسين، د - الضاوي خوالدية، د - محمد بنيعيش، تونسي، محمد الطرابلسي، طلال قسومي، فهمي شراب، د. خالد الطراولي ، فوزي مسعود ، د- هاني السباعي، علي عبد العال، أحمد ملحم، د - محمد عباس المصرى، كمال حبيب، منى محروس، أشرف إبراهيم حجاج، محمد إبراهيم مبروك، وائل بنجدو، أنس الشابي، د- جابر قميحة، صباح الموسوي ، أحمد بوادي، صلاح المختار، المولدي الفرجاني، مصطفي زهران، محمد الياسين، حسن الطرابلسي، أ.د. مصطفى رجب، جاسم الرصيف، د. الحسيني إسماعيل ، خبَّاب بن مروان الحمد، يحيي البوليني، فاطمة حافظ ، عبد الغني مزوز، أحمد الغريب، د. عادل محمد عايش الأسطل، عبد الرزاق قيراط ، د- محمد رحال، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. عبد الآله المالكي، جمال عرفة، مراد قميزة، د. محمد يحيى ، سيدة محمود محمد، مصطفى منيغ، صلاح الحريري، رضا الدبّابي، فتحي العابد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أبو سمية، كريم فارق، حاتم الصولي، سيد السباعي، أحمد الحباسي، سامر أبو رمان ، د. محمد مورو ، الهادي المثلوثي، محمد العيادي، محمد اسعد بيوض التميمي، د- هاني ابوالفتوح، د - شاكر الحوكي ، د.ليلى بيومي ، سفيان عبد الكافي، سوسن مسعود، د. نانسي أبو الفتوح، د. أحمد بشير، د - عادل رضا، كريم السليتي، محمود طرشوبي، رحاب اسعد بيوض التميمي، عمر غازي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. صلاح عودة الله ، إسراء أبو رمان، عدنان المنصر، محمد أحمد عزوز، سعود السبعاني، د - مصطفى فهمي، عصام كرم الطوخى ، د. جعفر شيخ إدريس ، رمضان حينوني، فراس جعفر ابورمان، د. نهى قاطرجي ، الشهيد سيد قطب، الهيثم زعفان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، ماهر عدنان قنديل، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، نادية سعد، صالح النعامي ، فاطمة عبد الرءوف، منجي باكير، الناصر الرقيق، د - محمد سعد أبو العزم، د - غالب الفريجات، عراق المطيري، د - صالح المازقي، د. أحمد محمد سليمان، عبد الله زيدان، إيمى الأشقر، رافع القارصي، سلام الشماع، محمود فاروق سيد شعبان، محمد شمام ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، محمود سلطان، محمد تاج الدين الطيبي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة