تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

في تونس الإيمان في القلب

كاتب المقال عبد اللطيف العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


لسنا سيّئين أبدا، ولم نخرج يوما عن ديننا ولا عن دنيانا، جعلناهما معا عجّة واحدة، تباع في الأسواق وفي المدارس والجوامع والخمّارات والأعراس والمحاكم والملاعب والشّواطئ والمواخير وفي كلّ مكان. يكفي أن تؤمن بأنّ الإيمان في القلب، لتبيع ما تريد وتشتري ما تريد من متاع الدّنيا والآخرة، ولا حاجة بك لتقديم أيّ تفسير حتّى فيما بينك وبين ربّك.

الصّلاة ليست ضروريّة أبدا ولا فرضا كما يقول الفقهاء المتشدّدون، ما دام الإيمان في القلب، والزّكاة منسيّة أصلا من حديث النّاس، والصّوم مؤجّل ما دام الشّابّ طائشا، وبإمكانه أن يغتنم من حياته ما يشاء، فيزنى ويسكر بشواء عيد الأضحى ويعيش كما يعيش أنداده ما دام العمر لا يزال طويلا أمامه للتّدارك، والحجّ فريضة العجائز البائسين الّذين اقتربت ساعتهم ويريدون أن يغسلوا عظامهم من ذنوب العمر الطّويل. كلّ ذلك لا يجب أن يفسد للإيمان قضيّة ولا للآخرة ودّا، مادام الإيمان في القلب.

يستطيع روّاد الحانات أن يبدؤوا بالبسملة لأنّهم مسلمون في قلوبهم ولا أحد يزايد عليهم، وتستطيع العاهرة أن تتحجّج بالظّروف القاسية وظلم ذوي القربى وتمارس "فضيلتها" فلا يفسد ذلك إيمانها، ويستطيع بائع الحليب أن يخلط الحليب بالماء، فذلك نوع من التّدبير، ويستطيع الجزّار أن يبيعك لحم الحمير أو البغال أو حتّى لحم القطط والضّفادع، فهذا من صميم الشّطارة والفهلوة ولا يتعارض مع الإسلام في شيء. ربّ البيت الوقور هو أيضا لن يفسد وقاره أن يجلس في المقهى بالسّاعات يتسلّى بكلّ أنواع النّكت الفاحشة وينظر إلى المؤخّرات الكبيرة ويسبّ الجلالة بطلاقة وفصاحة وتنغيم، لكنّه لن يفوّت صلاة الجمعة حتّى وإن كان لا يصلّي باقي أيّام الأسبوع، وسيحرص على شراء الكبش الأقرن الأجمل صورة في الحيّ، عملا بسنّة سيّدنا إبراهيم، وسيلبس القميص الأبيض لصلاة العيد ويسبّح ويكبّر طويلا بصوت جهوريّ خاشع ورأس منكوس، وسيشهد زورا في المحكمة بعد ذلك لينصر رئيسه في العمل على موظّف غلبان، لأنّه مضطرّ للحفاظ على خبزة أبنائه، والإيمان في القلب، وساكنة الحيّ اللاّتينيّ ستقرّد خادمتها الّتي ترتدي الحجاب وتنعتها بالبهيمة المتخلّفة، وستركب كلّ أنواع الموضة لتنفخ أشياءها وتكشطها وتشدّها وتعرضها للجيمع عرضا يعبّر عن تفتّحها الشّديد وتحرّرها وقطيعتها الكلّيّة مع ثقافة "أولاد الحفيانة" المتخلّفين، وستتقبّل التّهاني بعيد الأضحى وعيد الفطر ومولد الرّسول وتنشر بدورها على حسابها الفايسبوكيّ رشّات متتالية من الآيات المكتوبة بخطّ مذهّب والأحاديث الشريفة والأذكار والأدعية المأثورة.

المتحجّبة أيضا ليست في ضيق من حالها، فالله يأمر بالسّتر عند المعصية، وما دام الأمر كذلك، فبإمكانها أن تتخفّف قليلا حين تغفل الأعين. وحاسّة التّديّن تتعطّل في الأعراس، وخاصّة إذا كان العرس لقريب من الأقارب، فالفرحة له واجبة والرّقص والرّدح في الصّالات وفوق السّطوح يصبح من السّنن المؤكّدة، والإسراف في الماكياج والتّغنّج لا يفسد للدّين قضيّة، مادام الإيمان في القلب. الموظّف بإمكانه أن يجعل راتبه الشّهريّ في حساب مغلق مادامت عائدات الرّشوة تكفيه كي يبني ثلاثة طوابق وينفق على عائلته ويشتري فاخر الأثاث والعقارات والسيارات، وهذا لا يتعارض طبعا مه كونه مؤمنا إيمانا حقيقيّا، وليس من حقّك أن تزايد عليه ولا أن تذكّره بربّ العباد ولا بأيّ شيء.

الحاكم أيضا لا يضرّ إيمانه أبدا أن يسلخ المعارضين في السّجون وأن يغتصب النّساء والأرزاق ويسقط الشّهداء في السّاحات، لأنّ كلّ ذلك من ضرورات الحكم والمحافظة على الدّولة، ولا علاقة له أبدا بمسألة الدّين، فهو رغم ذلك يبقى حامي الحمى والدّين ويشرف على الاحتفالات بالجامع الكبير وعلى توزيع جوائز حفظ القرآن بالجبّة والشّاشيّة القرمزيّة والسّبحة اللاّمعة. فلا يجب أبدا أن نخلط الأمور. نحن شعب سعيد ومتوازن ومنسجم تماما مع نفسه، منذ اخترعنا مقولة إنّ الإيمان في القلب. والإسلام دين متفتّح متنوّر، والجميع مسلمون بلا أيّ نقاش، حتّى الملحدون في بلادنا جميعهم مؤمنون، وإيمانهم في القلب، وسوف يتزوّجون المحجّبات ويصلّى عليهم في خشوع ويغسّلون ويدفنون في مقابر المسلمين وتقرأ عليهم الفاتحة. إنّها الخلطة التّونسيّة العجيبة الّتي حيّرت العالم، حتّى الشّيطان لا يستطيع أن يغوي شعبا كهذا، متصالحا بالكامل مع كلّ مفاسده وجرائمه، ولذلك ترك مهمّته هنا لكثير من البشر الّذين يمكن أن يقوموا بها أفضل منه ألف مرّة...


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، اليسار، اليسار التونسي، العلمانية، بقايا فرنسا، النفاق،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 11-12-2019  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
حمدى شفيق ، كمال حبيب، رأفت صلاح الدين، ياسين أحمد، د. أحمد بشير، د. خالد الطراولي ، منى محروس، فتحـي قاره بيبـان، محمد شمام ، د- محمود علي عريقات، فاطمة حافظ ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، فراس جعفر ابورمان، صلاح المختار، محمد عمر غرس الله، ابتسام سعد، شيرين حامد فهمي ، د. الحسيني إسماعيل ، د. محمد عمارة ، أحمد النعيمي، د. محمد يحيى ، حسني إبراهيم عبد العظيم، صفاء العربي، عدنان المنصر، ماهر عدنان قنديل، رمضان حينوني، خالد الجاف ، سيدة محمود محمد، رافد العزاوي، د.محمد فتحي عبد العال، بسمة منصور، عبد الله الفقير، محرر "بوابتي"، صالح النعامي ، معتز الجعبري، د- جابر قميحة، عبد الله زيدان، د. صلاح عودة الله ، الناصر الرقيق، د. الشاهد البوشيخي، فوزي مسعود ، د - احمد عبدالحميد غراب، د - صالح المازقي، عبد الغني مزوز، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سلام الشماع، محمود سلطان، محمد أحمد عزوز، حاتم الصولي، د - محمد بنيعيش، د. محمد مورو ، صفاء العراقي، محمد تاج الدين الطيبي، سامر أبو رمان ، كريم السليتي، أشرف إبراهيم حجاج، حسن الحسن، الهادي المثلوثي، د - أبو يعرب المرزوقي، رضا الدبّابي، جاسم الرصيف، صلاح الحريري، أبو سمية، أحمد الغريب، مراد قميزة، سيد السباعي، يزيد بن الحسين، أ.د. مصطفى رجب، د - محمد سعد أبو العزم، د. نهى قاطرجي ، د - شاكر الحوكي ، مصطفي زهران، رشيد السيد أحمد، طلال قسومي، صباح الموسوي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، تونسي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عمر غازي، محمد اسعد بيوض التميمي، سلوى المغربي، رحاب اسعد بيوض التميمي، جمال عرفة، د- هاني ابوالفتوح، محمود صافي ، د. طارق عبد الحليم، سوسن مسعود، محمد إبراهيم مبروك، عصام كرم الطوخى ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، حميدة الطيلوش، د. نانسي أبو الفتوح، فاطمة عبد الرءوف، أحمد الحباسي، محمود طرشوبي، إيمى الأشقر، محمد الطرابلسي، سامح لطف الله، حسن عثمان، إيمان القدوسي، د - مصطفى فهمي، نادية سعد، كريم فارق، د - محمد عباس المصرى، سحر الصيدلي، يحيي البوليني، عواطف منصور، سعود السبعاني، د. مصطفى يوسف اللداوي، د.ليلى بيومي ، د - غالب الفريجات، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمود فاروق سيد شعبان، العادل السمعلي، عبد الرزاق قيراط ، الشهيد سيد قطب، علي الكاش، د - مضاوي الرشيد، فتحي العابد، منجي باكير، عراق المطيري، د - المنجي الكعبي، فتحي الزغل، سفيان عبد الكافي، إياد محمود حسين ، وائل بنجدو، مجدى داود، أحمد بوادي، محمد الياسين، د - محمد بن موسى الشريف ، فهمي شراب، د. عبد الآله المالكي، أنس الشابي، رافع القارصي، المولدي الفرجاني، د. جعفر شيخ إدريس ، د - الضاوي خوالدية، هناء سلامة، الهيثم زعفان، د- هاني السباعي، د. أحمد محمد سليمان، حسن الطرابلسي، أحمد ملحم، خبَّاب بن مروان الحمد، علي عبد العال، محمد العيادي، مصطفى منيغ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د- محمد رحال، عزيز العرباوي، إسراء أبو رمان،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة