تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

قيمة الإنسان بين تونس ومصر

كاتب المقال محمد هنيد - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


عندما تبلغ معدلات الانتحار مستويات مرعبة في مصر وعندما ينتحر الشباب هناك بطرق مفزعة فإن ذلك مؤشر خطير على الحالة التي وصلت إليها البلاد. في تونس تكاد الطرقات تتحول إلى شوارع نحو الموت المحقق بعد الفاجعة الأليمة التي راح ضحيتها حوالي سبعون شابا وشابة في ريعان العمر.على الطرف الآخر من وسائل الموت والانتحار في بلادنا ما يبتلعه البحر الأبيض المتوسط يوميا من أجسام غضة تحلم بالحرية والعيش الكريم أو آلاف الشباب الذين اختاروا طرق الإدمان للهروب من الواقع المرير والموت المحقق غرقا أو حرقا في الشوارع أو تحت سياط الجلاد أو الموت قهرا بسبب البطالة وانسداد سبل العيش الكريم.

لعلّ أكثر الفئات العمرية معاناة في المنطقة العربية هي فئة الشباب التي تجد نفسها اليوم داخل أتون الفساد السياسي والاقتصادي بعد أن عبثت شبكات العصابات بمقدرات البلدان وبددت ثرواتها وأهدرت فرصا عظيمة في بناء الوطن والإنسان. ليس الربيع العربي والموجات الاحتجاجية التي قدم فيها الشباب آلاف الشهداء إلا التعبيرة الأبرز على أنّ صبر الجيل الجديد قد نفذ وأن الطريق قد وصل إلى منتهاه.

الاستبداد وصناعة الموت

لم تكن الأنظمة العربية التي أمسكت بالسلطة داخل حدود ما سُمّي الدولة الوطنية خلال النصف الثاني من القرن العشرين مستقلة عن القوى الغربية التي نصبتها على سدّة الحكم، بل إنها كانت في الغالب الأعمّ وكيلا مباشرا أو غير مباشر لها. كان دور الأنظمة التي تأسست هو منع قيام قوى وطنية تستفيد من طبيعة الأنظمة السياسية القائمة بل كان الهدف الأساسي هو نسف كل ما سبق بشكل يصيب الذاكرة والممارسة السياسية الناشئة بعطل كبير.

تمت تصفية الأنظمة الملكية في مصر وليبيا والعراق وسوريا ودول المغرب العربي عبر مجموعة من الجواسيس من العسكريين الذين تفننوا في تدمير الحياة السياسية بشكل أوصل هاته الدول إلى ما هي عليه اليوم من انهيار وفقر وتخلف وتبعية. إن خوف القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية من قيام ملكية دستورية شبيهة بالملكيات الدستورية الأوروبية هو الذي دفع نحو تنصيب أنظمة شمولية جديدة تلغي كل التراكمات التي سبقتها.

شروط النشأة هذه هي التي تفسر كيف أوصلت هذه الأنظمة أجيالا من الشباب إلى مرحلة اليأس بعد أن فشلت كل التجارب التنموية وكل مشاريع النهضة التي صبغتها بشعاراتها الأيديولوجية. لم تقتصر صناعة الموت على الحروب العبثية التي حصدت الملايين من خيرة شباب الأمة من اليمن إلى ليبيا إلى العراق فسوريا فمصر بل تجاوزتها إلى كل المذابح والمجازر والحروب الأهلية التي كان النظام الرسمي يقف وراءها والتي لا تزال أطوارها تتفاعل إلى اليوم.

إن منع شروط التنمية وتبديد كل الثروات الباطنية والبشرية هي أهم ما يميز حقبة الربيع العربي التي جاءت كصيحة إنذار قبل الانهيار الكبير. لم تبن الأنظمة أوطانا ولا هي أسست لمجتمع جديد بعد أن ألغت كل مظاهر الحرية ومنعت الإنسان من كل حقوقه الأساسية مثل حرية الرأي والتعبير وسلبته حق العمل وحق العيش بكرامة في وطنه.

هذه الظروف وغيرها كثير هي التي خلقت حالة اليأس التي تعاني منها أجيال بكاملها بعد أن أفرغت السلطة السياسية العربية المجتمعات من كل قدرة على النهوض. حالة الإحباط هذه هي التي تفسر في الآن نفسه أغلب حالات الانتحار بأنواعها كما تمثل السبب الأساسي الذي يقف وراء التطرف والعنف بكل أشكاله.

قيمة الإنسان عربيا

إذا كانت المنطقة العربية هي الأكثر دموية في العالم بحساب عدد الحروب والصراعات التي تدور بها فإن مصير الإنسان داخل دول هذه المنطقة لا يقل قيمة عن مصيره على جبهات الحروب. ليس للمواطن العربي الحق في الانتخاب ولا في التعبير أو ممارسة حقوقه الفردية والمدنية بل هو أقرب إلى وضع الرعية في النظام الشمولي وليس احتراق قطار هنا وانزلاق حافلة هناك وانتشار الأوبئة والأمراض والسرطانات في قرى بكاملها بسبب فساد الدولة إلا خير دليل على ذلك.

لا يملك الانسان العربي قيمة في وطنه لأسباب عديدة أهمها انعدام وعيه هو نفسه بهذه القيمة ووقوعه في شباك المنظومة الإعلامية التابعة للسلطة الاستبدادية التي تلعب دورا محوريا في إقناعه بقدسية النظام وبهامشيته هو. لكنّ ثورات الربيع الأخيرة أعادت إلى السطح الوعي بقيمة الفرد المهمّش الذي أضحى فجأة قادرا على الفعل وعلى قلب نظام الحكم وليس مثال محمد البوعزيزي الشاب الفقير الذي كان سببا في الإطاحة بنظام الطاغية التونسي إلا خير دليل على ذلك.

هذا الوعي الجديد يقع اليوم في مرمى القصف الإعلامي والسياسي لقوى الثورة المضادة التي تعمل على استعادة نسق الوعي القديم من خلال العنف الذي مورس ولا يزال على شعوب المنطقة. فليست المذابح التي يرتكبها النظام السوري وهجومات المتمرد حفتر في ليبيا وجرائم الجيش والشرطة في مصر إلا أمثلة من بين أخرى كثيرة على قيمة الإنسان الفرد والمجموعة في نظر السلطة السياسية.

الصراع اليوم في المنطقة مداره قيمة الإنسان بما هو حرية وكرامة اجتماعية قبل كل شيء. هذا المطلب هو قلب المعركة بين القوى الداعمة للتحرر والنهوض وبين القوى التي تعمل على تأبيد الاستبداد وترسيخ ثقافته باعتباره قدر هذه المنطقة وقدر شعوبها.

لن تتوقف جرائم الطغاة العرب في كل الأقطار العربية ما لم يستعد الانسان العربي قيمته ووعيه بهذه القيمة. إن الوعي بقدرة الفرد على تغيير مصيره وواقعه الذي يبدأ عند التخلص من الأنظمة الاستبدادية نفسها هو السبيل الوحيد القادر على إخراج هذه الأمة من ظلمات التخلف والفقر والموت والجهل إلى أنوار الحرية والعدالة الاجتماعية التي تحفظ كرامة الإنسان وتحقق وعيه بقيمته.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، مصر، الثورات العربية، عبد الفتاح السيسي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 6-12-2019   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - عادل رضا، د. مصطفى يوسف اللداوي، فوزي مسعود ، حسن الحسن، د. خالد الطراولي ، صباح الموسوي ، د. محمد مورو ، محمد إبراهيم مبروك، د - المنجي الكعبي، د - محمد سعد أبو العزم، صالح النعامي ، محمد أحمد عزوز، د. كاظم عبد الحسين عباس ، علي الكاش، د- هاني السباعي، أنس الشابي، محمود فاروق سيد شعبان، تونسي، بسمة منصور، عصام كرم الطوخى ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد اسعد بيوض التميمي، مجدى داود، صفاء العراقي، فاطمة عبد الرءوف، د. الحسيني إسماعيل ، سعود السبعاني، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، كريم فارق، يحيي البوليني، سامح لطف الله، د. أحمد بشير، سلوى المغربي، محمد الياسين، سيدة محمود محمد، معتز الجعبري، شيرين حامد فهمي ، د. محمد يحيى ، رشيد السيد أحمد، صلاح المختار، إسراء أبو رمان، عبد الله زيدان، سفيان عبد الكافي، فتحـي قاره بيبـان، الهادي المثلوثي، مصطفي زهران، عبد الله الفقير، إياد محمود حسين ، محمد شمام ، د. جعفر شيخ إدريس ، أحمد النعيمي، د - أبو يعرب المرزوقي، إيمان القدوسي، عراق المطيري، أبو سمية، د.محمد فتحي عبد العال، محمود طرشوبي، محمد العيادي، د. عبد الآله المالكي، كريم السليتي، د - محمد عباس المصرى، سحر الصيدلي، فاطمة حافظ ، د. الشاهد البوشيخي، كمال حبيب، جاسم الرصيف، محرر "بوابتي"، د - محمد بنيعيش، طلال قسومي، د. صلاح عودة الله ، حميدة الطيلوش، منجي باكير، عمر غازي، د. نهى قاطرجي ، الهيثم زعفان، حسني إبراهيم عبد العظيم، رضا الدبّابي، د. طارق عبد الحليم، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد الطرابلسي، سوسن مسعود، ابتسام سعد، مراد قميزة، عزيز العرباوي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سامر أبو رمان ، أحمد الغريب، د - محمد بن موسى الشريف ، د - مصطفى فهمي، د. محمد عمارة ، خالد الجاف ، سلام الشماع، الناصر الرقيق، صلاح الحريري، رافد العزاوي، يزيد بن الحسين، الشهيد سيد قطب، محمود سلطان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - مضاوي الرشيد، د- جابر قميحة، ماهر عدنان قنديل، محمد عمر غرس الله، منى محروس، عدنان المنصر، أحمد بوادي، فتحي العابد، وائل بنجدو، نادية سعد، د. أحمد محمد سليمان، العادل السمعلي، د- محمود علي عريقات، د - شاكر الحوكي ، محمد تاج الدين الطيبي، حاتم الصولي، محمود صافي ، د- هاني ابوالفتوح، مصطفى منيغ، علي عبد العال، د- محمد رحال، خبَّاب بن مروان الحمد، د . قذلة بنت محمد القحطاني، حسن عثمان، سيد السباعي، د - غالب الفريجات، جمال عرفة، حسن الطرابلسي، المولدي الفرجاني، فهمي شراب، ياسين أحمد، فراس جعفر ابورمان، د - احمد عبدالحميد غراب، صفاء العربي، د - الضاوي خوالدية، د. نانسي أبو الفتوح، د. عادل محمد عايش الأسطل، عبد الغني مزوز، عواطف منصور، رحاب اسعد بيوض التميمي، إيمى الأشقر، رافع القارصي، حمدى شفيق ، د - صالح المازقي، أشرف إبراهيم حجاج، أحمد ملحم، أحمد الحباسي، فتحي الزغل، أ.د. مصطفى رجب، هناء سلامة، عبد الرزاق قيراط ، د.ليلى بيومي ، رمضان حينوني، رأفت صلاح الدين،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة