تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

ماذا يقول جسدك عن أخلاقك؟
قراءة في كتاب “الفراسة” لفخر الدين الرازي

كاتب المقال أحمد البان   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


في البدء لا بد من تبديد الوهم الذي سينتابك أيها القارئ وأنت ترى هذه الكلمة (الفراسة)، فلا ريب أنها تعني لديك علما متعلقا بالميتافيزيقا وليس قابلا للتعلم، إذ الشأن في هذا النوع من العلوم أن يكون “لَدُنِيًّا”، لكن الفراسة التي كتب عنها الإمام الرازي ونقدم لك كتابه فيها اليوم ليست تلك التي خطرت لك، إنها علم آخر مستقل له قواعد وضوابط ظاهرة معروفة، وهو أكثر علاقة بالطب، ولكنه ليست له علاقة بالغيب واستشرافه، وقد حرص الرازي على التمييز بين العلمين، وهذا ما سأبينه لك.

الفراسة التي تشيع بين العامة هي إشراق روحي مرجعه إلى صفاء النفس بالإيمان والعبادة والتزكية، إضافة إلى استعداد روحي يكون لدى صاحبها، وهي التي يندرج فيها الحديث: “اتقوا فراسة المؤمن”، أو هي كما عرفها الرازي في كتابه: “أن يحصل خاطر في القلب أن هذا الإنسان من حاله وخلقه كذا وكذا، من غير أن يحصل هناك علامة جسمانية، ولا أمارة محسوسة”، ورغم أن هذا النوع علم صحيح وقدرة روحية لا تنكر إلا أنه أصبح بابا واسعا للشعوذة وادعاء الغيب، وقد بين الرازي في مقدمة كتابه الذي بين أيدينا أنه لا يتعرض للفراسة بهذا المفهوم.

أما النوع الثاني الذي هو موضوع الكتاب الذي سنعرض لك أهم مضامينه هنا فهو كما عرفه الرازي: “الاستدلال بالأحوال الظاهرة على الأخلاق الباطنة”، وهو علم كما وصفه الرازي أيضا: “يقيني الأصول ظني الفروع”، يعتمد على الفطنة والضبط والحفظ والمعرفة ببعض أساسيات الطب، الأول إذن علم عرفاني إشراقي والثاني علم برهاني قياسي، وهو علم يستفاد منه في معرفة طباع الناس وأخلاقهم بناء على أمارات ظاهرة على أجسادهم وفي أبدانهم، ويمكن أن يستفيد منه القادة والسياسيون في إسناد المسؤوليات وإبعادها، كما قد تستفيد منه دور القضاء وإدارات المباحث الجنائية في التعرف على الجناة ومن لديهم قابلية ارتكاب الجريمة إلى غير ذلك من فوائد ومزايا.

قسم الرازي كتابه إلى ثلاث مقالات (فصول)، فهو في المقالة الأولى يعرفنا بالفراسة والمزاج، ويبين فضيلة هذا العلم في الكتاب والسنة والعقل، ثم يبين أنواعه ويجزم بأنه لن يتعرض إلا إلى النوع الذي يجري فيه التعلم والتعليم معرضا بصريح العبارة عن التعرض للنوع الآخر الذي عرفناه آنفا، ثم وضح الطرق التي يمكن بواسطتها معرفة أخلاق الناس، والأمور التي تجب مراعاتها عند الرجوع إلى هذه الطرق.

أما المقالة الثانية فإنه تعرض فيها لعلامات الأمزجة الكاملة حتى يتوسل بمعرفتها إلى معرفة: الاعتدال والاختلال، مستطردا علامات العبقرية، مؤكدا أنه لا بد للعبقري من علامة ظاهرة تدل عليه، فإما أن يكون مفرط الطول أو مفرط القصر أو لديه ضخامة أو ضآلة مثيرة في أحد أعضائه مثل الرأس أو العينين أو الشفتين، وأن يكون له تميز سلبي أو إيجابي في خلق معين، كأن يكون مفرطا في النوم أو مفرطا في الاستيقاظ أو هادئا بدرجة مثيرة أو قلقا بشكل غريب إلخ، وهي الأمارات ذاتها التي يتحدث عنها علماء النفس اليوم، أما المقالة الثالثة فقد تناول فيها دلالة الأعضاء الجزئية على الأحوال النفسية، واستفاض في ذلك خلال سبعة عشر فصلا بتمامها اكتمل الكتاب.

وقد كان الرازي دقيقا منهجيا وهو يخوض غمار بحثه في علم الفراسة، وقد أبان عن فهمه المستوعب له من خلال أمور عدة، أهمها -في نظري- استلاله من بين كثير من العلوم القريبة منه، والتي اشتبهت به في العصور التي سبقت الرازي لدى كثير من العلماء، فعقد فصلا كاملا للحديث عن العلوم القريبة من علم الفراسة والتي ليست منه، وذكر منها ثلاثة أنواع يجمعها أنها -حسب الرازي- لا يمكن ردها إلى الأصول العلمية، مثل: ما يوجد في أبدان الناس من الشامات والخيلان، وما يكون في الأعين من الاختلاج، وما يظهر في أبدان الخيل من الدوائر التي كان العرب يتيامنون ببعضها ويتشاءمون بالبعض الآخر، ومنها أيضا علم الخطوط التي توجد في الأكف والأقدام والتي تسمى أسرارا، ومنها ما يدعون من أن في أكتاف الغنم خطوطا إذا قوبلت مع الشمس عرف المتفرِّس من خلالها أحوال الفلك والناس، إلى غير ذلك مما استبعده الرازي عن كتابه الذي أراده كتابا علميا واضح الأسس والقواعد والمقايسات.

ويتميز كتاب الفراسة للرازي كما قال محققه -مصطفى عاشور- بحرص صاحبه الرازي على الصدق واحترامه لعقلية القارئ، وهو يخوض به في تلك المسائل الدقيقة، ويعطيه مفتاح كل شخصية، وقد ظهرت شخصية الرازي العلمية الموسوعية وعقله الباهر في هذا الكتاب الذي استطاع أن يؤطر فيه ثقافة الفراسة لدى العرب ضمن نظرية علم الفراسة لأرسطو، الذي لخص الكتاب كثيرا من أفكاره وتجاوز بها إلى آفاق علمية وفلسفية أرحب وأوسع.

وقد انتبه الغربيون في بدايات القرن المنصرم إلى أن الأحوال الظاهرة لبدن الإنسان -كما سماها- الرازي تمكن من التعرف على الأحوال الباطنة، فهذا ألكسيس كاريل صاحب الكتاب الأشهر في القرن العشرين “الإنسان ذلك المجهول” يقول: “إن قسمات الوجه تعبر عن أشياء أكثر عمقا من وجوه نشاط الشعور المخفاة؛ ففي هذا (الكتاب المفتوح) يستطيع الإنسان أن يقرأ -لافقط- الرذائل والفضائل والذكاء والغباوة والإحساسات والعادات التي يحرص الفرد على إخفائها؛ بل أيضا تكوينه”.

هو إذن علم عظيم النفع في عصرنا هذا، وقد اشتهر لدى الغربيين علم (لغة الجسد Body language)، وهو جزء قليل من علم الفراسة الواسع العميق الذي نقدم كتاب الرازي فيه لقرائنا اليوم، وقد تطور علم لغة الجسد في الغرب وأصبح جزءا أصيلا من مناهج الدراسات الإدارية والأمنية، وقد اهتمت به دوائر الاستخبارات العالمية والأمريكية منها خاصة، وأنشأت إدارات تابعة لها خاصة بهذا العلم الذي تدرس من خلاله شخصيات قادة العالم، ويُمَكِّن من التنبؤ بسلوكهم، كما يساعد على فك شيفرات الجرائم المستعصية.

وقد أظهرت مؤخرا وثائق لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن فريق بحث تابع لها وضع خطة لدراسة حركات جسد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة عالميين آخرين، من أجل توقّع أفضل لأفعالهم، ومن أجل إرشاد السياسة الأميركية، ويقدم مشروع “إشارات الجسد” الذي يدعمه “مكتب التقييم” التابع للبتناغون تقارير بحثية إلى وزير الدفاع تشاك هاغل، يستخدم فيها تحليل الحركة للتنبؤ بطريقة تصرّف القادة.

فكيف يستطيع المسلمون الاستفادة من تراثهم العميق حول الفراسة وتطويره ليصبح جزءا من استراتيجية النهضة والتغيير التي ينشدونها؟ أم هل سيبقون عالة على تسقُّط ملاحظات بسيطة وسطحية لدى علماء الغرب حول هذا العلم الذي يمكن القول إنه عربي النزعة، وذلك لما يمتلكه الإنسان العربي قديما من فطنة وذكاء مكناه من قهر الطبيعة الجغرافية القاسية التي كان يعيش فيها، حيث لا ترحم الإنسان إلا فطنته وذاكرته وحدسه.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

كتب التراث، تحقيق الكتب، الفراسة، لغة الجسد،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 14-04-2019   المصدر: إسلام أونلاين

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أ.د. مصطفى رجب، فتحـي قاره بيبـان، صفاء العراقي، ياسين أحمد، د - محمد عباس المصرى، مجدى داود، د - محمد بنيعيش، إياد محمود حسين ، د. صلاح عودة الله ، العادل السمعلي، حسن الحسن، عبد الله زيدان، محمد الطرابلسي، خبَّاب بن مروان الحمد، صلاح المختار، فوزي مسعود ، حمدى شفيق ، د - مضاوي الرشيد، د - صالح المازقي، فاطمة عبد الرءوف، علي الكاش، محمد تاج الدين الطيبي، رأفت صلاح الدين، د. خالد الطراولي ، سامح لطف الله، جمال عرفة، صالح النعامي ، محمود فاروق سيد شعبان، رمضان حينوني، عراق المطيري، منجي باكير، د- محمود علي عريقات، كريم فارق، محمود طرشوبي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد شمام ، كمال حبيب، إيمان القدوسي، رشيد السيد أحمد، فتحي الزغل، د - محمد سعد أبو العزم، د- هاني السباعي، رحاب اسعد بيوض التميمي، هناء سلامة، يزيد بن الحسين، محمود صافي ، أبو سمية، رافد العزاوي، مصطفى منيغ، حميدة الطيلوش، حسن الطرابلسي، د- محمد رحال، د.محمد فتحي عبد العال، سلام الشماع، محمد عمر غرس الله، سفيان عبد الكافي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، الناصر الرقيق، أحمد النعيمي، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. عادل محمد عايش الأسطل، أحمد بوادي، عواطف منصور، صفاء العربي، محمد إبراهيم مبروك، الهيثم زعفان، سيد السباعي، مصطفي زهران، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. محمد يحيى ، علي عبد العال، د - الضاوي خوالدية، أنس الشابي، عمر غازي، أحمد ملحم، د - شاكر الحوكي ، يحيي البوليني، مراد قميزة، د. ضرغام عبد الله الدباغ، بسمة منصور، محمود سلطان، نادية سعد، معتز الجعبري، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - المنجي الكعبي، د. طارق عبد الحليم، حسن عثمان، محرر "بوابتي"، د. نهى قاطرجي ، عدنان المنصر، د - احمد عبدالحميد غراب، محمد الياسين، صباح الموسوي ، سلوى المغربي، صلاح الحريري، أحمد الغريب، عبد الله الفقير، أشرف إبراهيم حجاج، د - محمد بن موسى الشريف ، أحمد الحباسي، د - أبو يعرب المرزوقي، كريم السليتي، المولدي الفرجاني، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - غالب الفريجات، محمد أحمد عزوز، سوسن مسعود، إيمى الأشقر، عصام كرم الطوخى ، فراس جعفر ابورمان، عزيز العرباوي، د. محمد مورو ، د- جابر قميحة، د.ليلى بيومي ، د - عادل رضا، سعود السبعاني، د. أحمد محمد سليمان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، سامر أبو رمان ، منى محروس، عبد الرزاق قيراط ، د. الشاهد البوشيخي، د - مصطفى فهمي، حاتم الصولي، محمد العيادي، فتحي العابد، سيدة محمود محمد، تونسي، الهادي المثلوثي، د. الحسيني إسماعيل ، د. جعفر شيخ إدريس ، سحر الصيدلي، رافع القارصي، محمد اسعد بيوض التميمي، د. نانسي أبو الفتوح، د. أحمد بشير، ماهر عدنان قنديل، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، طلال قسومي، خالد الجاف ، فهمي شراب، عبد الغني مزوز، ابتسام سعد، د- هاني ابوالفتوح، جاسم الرصيف، إسراء أبو رمان، فاطمة حافظ ، د. عبد الآله المالكي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، رضا الدبّابي، الشهيد سيد قطب، د. محمد عمارة ، شيرين حامد فهمي ، وائل بنجدو،
أحدث الردود
تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة