تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

المنظور التوحيدي بين المعياري والوضعي

كاتب المقال حسان عبد الله   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


ارتبطت طريقة تفكير ووسائل تعبير كثير من الباحثين بفكرة مهيمنة هي أن المنظور التوحيدي يقوم في بنائه على المتصل المعياري وفقط، وأن حسابات متصل الواقع وحركته لا تدخل في نطاق عمله أو حيز مبادئه التي يمكن إلقاءها في ميدان البحث أو التأطير النظري، في تجنب للبعد الوضعي لاتهامه بالنسبية والمادية وهذا – كما في وجهة نظر الباحثين- ينبغي أن يتنزه عنه المنظور الوضعي التوحيدي.

ويأتي هذا الارتباط في طريقة التفكير الذي يقوم على منهجية التفكيك والانعزال بين المنظور التوحيدي والواقع على الرغم من أننا- باحثين مسلمين- نؤمن وجدانيًا بمدى الاتصال بين النظري والعملي في جوهر “الوحي” ونردد دائمًا قوله تعالى – في موضع الذم لانفصال القول عن العمل- {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:2]. إلا أن ذهنية الباحث المسلم – غالبًا- عندما تنطلق لرؤية قضية / ظاهرة ما (بالوصف أو التحليل أو التفسير) يغيب عنها هذا الثابت الإيماني الأخلاقي، ويتحول خطابهم البحثي إلى خطاب وعظي ( ما ينبغي)، وهو نمط من الخطابات لا يجد له مكانًا في ميدان البحث، فلا يناسبه، وربما جاء نفور عدد من الباحثين غير الإسلاميين لهذا المنحى (غير المناسب) للتعامل مع المنظور التوحيدي في المجال البحثي الإنساني في ضوء ما روَّج لهذا النمط البحثي.

نحاول في عدة مقولات الموجزة إثارة التفكير حول موضوع المعياري والوضعي أو النظري والتطبيقي أو التصوري والواقعي أو المطلق والنسبي في المنظور التوحيدي والموقف من كل ذلك.

الواقع في الوحي
الواقع من حيث الاستعمال القرآني – يحمل معنى السقوط والثبوت فالساقط واقع صار في متناول الحواس وهو ثابت – أيضًا فيمكن إدراكه بالحواس دون أن يشوش على ذلك الإدراك أو تربكه الحركة وعدم الثبوت، وفي التنزيل: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج : 1]: أي سقطت أو وقعت إلى الأرض، وهو ما يضيف بعدًا آخر للمعنى عندما نتدبر قوله تعالى {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82]، فالقول الإلهي، إذا وقع على قوم فلا راد له، ووجب تحقق مضمونه ومعناه فهو قول واجب الثبوت والتحقيق[1].

وقد ورد مشتق (وقع) في القرآن حوالي (11) مرة منها: {وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} [الواقعة:1] ، {وَقَعَ أَجْرُهُ } [النساء:100]، {وَقَعَ الْقَوْلُ } [النمل:82]، {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ }[ يونس:51]، {فقعوا له ساجدين} [الحجر : 29].

ووقع المطر نحو: سقط ومواقع الغيث: مساقطُه، ويقال: وقَع الشيءُ مَوْقِعَه، والعرب تقول: وقَعَ رَبِيعٌ بالأرض يَقَعُ وُقُوعاً لأَوّلِ مطر يقع في الخَرِيفِ. والمواقعة في الحرب…[2].

وقد شغل الواقع مكانة رئيسة في الوحي الكريم الذي بدأ من الله (المطلق – المعياري – الثابت – التصوري) إلى الإنسان (النسبي – الوضعي – المتغير – الواقعي). وجاءت موضوعات وقصص القرآن وتشريعاته لتصويب هذا الواقع النسبي الوضعي، الذي شكل بعد (الله) مادة القرآن الكريم سوره، وآياته. وطرح القرآن قضايا الواقع وبسطها للمناقشة، والتحليل، والتفسير، والتوجيه.

وهذا جانب مما يحكيه الوحي عن الواقع، ويبين كيف يشغل (الواقع) بتفاصيله المادية الصغيرة والنسبية مكانته في القرآن: ففي قصة داود عليه السلام يرصد الوحي في سورة الأنبياء ما يلي:

– {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ }[ الأنبياء:78].

– {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ }[ الأنبياء:79].

– {وعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80].

كذلك قوله تعالى في تعداد نعمه على الإنسان:

– {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} [النحل:81].

وفي بناء سد يأجوج ومأجوج وقصة التعامل مع المعادن والصخور وطريقة البناء الفريدة المميزة، وتفصيل منهجية ذي القرنين في البناء والخطوات العلمية والتجريبية المتبعة:

– {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ

– حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ،

– قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا ،

– قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96].

والوحي مُشبَّع بمثل هذه المسائل التي يصف فيها الواقع المادي النسبي المتغير ويرصده في تسجيل تاريخي للبشرية التي لم تعاصره، ولكنه من أجل أن تفهمه وتعي مناهج التفكير والوسائل إذا استخدمت الأدوات البحثية والعلمية الملائمة.

وفي ذات المعنى يصور الوحي ثواب الآخرة (الغيب) تصويرًا ماديًا يتوافق مع تطلعات الإنسان وبُعده المادي وطبيعته التي تشتاق غالبًا إلى المحسوسات في المكتسبات والجزاء، وفي المقابل أيضًا يذكر العقاب في الآخرة بنفس المعنى المادي المحسوس (فذلك ليس انحرافًا عن الطبيعة البشرية المخلوقة التي تقترب غالبًا من لذتها وكل ما يقرب لها، وتبتعد عن ألمها وكل ما يسبب ذلك الألم) ومن ذلك قوله: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [محمد:15]. وفي العقاب { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ } [ النساء: 56].


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

دراسات توحيدية، التوحيد، تشكيل الأذهان،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 28-10-2018   المصدر: إسلام أون لاين

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. محمد يحيى ، د. عادل محمد عايش الأسطل، إياد محمود حسين ، الهادي المثلوثي، إيمان القدوسي، د- جابر قميحة، صباح الموسوي ، عمر غازي، عبد الله زيدان، بسمة منصور، د. نهى قاطرجي ، سوسن مسعود، فراس جعفر ابورمان، أ.د. مصطفى رجب، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - الضاوي خوالدية، معتز الجعبري، رضا الدبّابي، كمال حبيب، فتحي الزغل، أحمد النعيمي، عبد الرزاق قيراط ، د. محمد مورو ، د - مصطفى فهمي، د - احمد عبدالحميد غراب، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، وائل بنجدو، د. الشاهد البوشيخي، فاطمة عبد الرءوف، محمود سلطان، محمد أحمد عزوز، فتحـي قاره بيبـان، محرر "بوابتي"، المولدي الفرجاني، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود صافي ، إيمى الأشقر، د- محمود علي عريقات، سحر الصيدلي، حميدة الطيلوش، تونسي، سعود السبعاني، أحمد الحباسي، يزيد بن الحسين، رأفت صلاح الدين، أبو سمية، ماهر عدنان قنديل، د - شاكر الحوكي ، د - المنجي الكعبي، حسن عثمان، محمد إبراهيم مبروك، د- محمد رحال، د.محمد فتحي عبد العال، محمد اسعد بيوض التميمي، أنس الشابي، عدنان المنصر، محمد شمام ، د - صالح المازقي، رمضان حينوني، الهيثم زعفان، علي عبد العال، د. جعفر شيخ إدريس ، كريم فارق، أحمد الغريب، سيد السباعي، د. الحسيني إسماعيل ، صالح النعامي ، حسن الحسن، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، يحيي البوليني، د. خالد الطراولي ، فاطمة حافظ ، حاتم الصولي، الشهيد سيد قطب، رافع القارصي، سامر أبو رمان ، د.ليلى بيومي ، سلام الشماع، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمد الطرابلسي، محمد الياسين، حمدى شفيق ، محمد عمر غرس الله، عواطف منصور، د - محمد بن موسى الشريف ، سلوى المغربي، ياسين أحمد، نادية سعد، إسراء أبو رمان، أحمد ملحم، محمود فاروق سيد شعبان، منجي باكير، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، عبد الله الفقير، عراق المطيري، كريم السليتي، مجدى داود، أشرف إبراهيم حجاج، د. طارق عبد الحليم، صلاح المختار، صفاء العربي، محمد العيادي، عبد الغني مزوز، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. أحمد محمد سليمان، د - محمد عباس المصرى، مصطفي زهران، رافد العزاوي، د. عبد الآله المالكي، مراد قميزة، خالد الجاف ، حسن الطرابلسي، عزيز العرباوي، سيدة محمود محمد، د- هاني ابوالفتوح، شيرين حامد فهمي ، جمال عرفة، طلال قسومي، د. محمد عمارة ، صلاح الحريري، د - مضاوي الرشيد، ابتسام سعد، د - غالب الفريجات، محمود طرشوبي، عصام كرم الطوخى ، العادل السمعلي، د. نانسي أبو الفتوح، د . قذلة بنت محمد القحطاني، الناصر الرقيق، سفيان عبد الكافي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، علي الكاش، فتحي العابد، صفاء العراقي، فهمي شراب، حسني إبراهيم عبد العظيم، أحمد بوادي، د. أحمد بشير، هناء سلامة، محمد تاج الدين الطيبي، د. صلاح عودة الله ، د- هاني السباعي، مصطفى منيغ، فوزي مسعود ، رشيد السيد أحمد، د - محمد سعد أبو العزم، خبَّاب بن مروان الحمد، منى محروس، جاسم الرصيف، سامح لطف الله، د - محمد بنيعيش،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة