تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

السبسي يختار موظفا طيعا لتطبيق سياسة "التقشف" وحكمه المطلق

كاتب المقال طارق الكحلاوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


أخيرا أخرج السبسي مقترحه لرئاسة الحكومة، وبعد "التشاور" مع نفسه أساسا، وفي ظرف يومين فرضها على من جرهم لحوار وهمي حول "حكومة وحدة وطنية".

الواقع أن العارفين بكواليس الساحة السياسية، وأيضا بذهنية السبسي، كانوا يتوقعون اختياره... وزير في الحكومة الفاشلة التي تم سحب الثقة منها من قبل الأحزاب ذاتها التي تشكلها، وقيادي حتى وقت قريب من الصف الثاني في حزب السبسي، وهو شاب عمره بالكاد أربعون سنة.. يوسف الشاهد.

أهم ما يستحق الذكر في سيرة الرجل السياسية الباهتة، والذي تم اختياره لترؤس "حكومة سياسية"، أن السبسي اختاره سنة 2015 ليترأس لجنة في حزب الأغلبية المتشقق، كان دورها أساسا فسح المجال لتوريث ابن السبسي، حافظ قائد السبسي، حزب أبيه، وأن يصبح بعد مؤتمر سوسة القيادي الأول في الحزب.

عندما سئل حينها عن سبب اختياره في تلك اللجنة، وهو الشخص المغمور، أجاب حينها أن له ماض سياسي، فهو سليل عائلة حسيب بن عمار وراضية الحداد، حسب قوله. الحقيقة ليس كل من ينتمي لهذه العائلة أصابه حظ هذا الصعود السريع، لكن يبدو أن علاقة المصاهرة والشبكة العائلية لعائلة السبسي، والتي ينتمي إليها الشاهد، ساهمت في ذلك. فهي شبكة تضم علاقات مصاهرة روتينية ودورية بين عائلات "بلدية" معروفة، مثل قائد السبسي والحداد وبن عمار والمبزع والوزير وبلخوجة وبن عاشور. على كل حال، دافع الردة نحو العائلة لدى السبسي لا يبدو إشاعة، بل عليه مؤشرات واضحة، أهمها الصعود السريع لابنه لخلافته في الحزب، وهو شخص بدون أي مؤهلات، لا سياسية ولا تواصلية ولا علمية، فقط الوجاهة العائلية. وأيضا وجود آخرين في ديوانه من العائلة، وأهمهم مدير ديوانه سليم العزابي. فاختيار الشاهد هو في المحصلة اختيار شخص "مضمون" وضعيف من حيث القاعدة السياسية بدون تأثير السبسي، يمكن التعويل عليه لتنفيذ تعليمات السبسي وابنه.

من المثير للغرابة على كل حال؛ أن كاتب دولة للفلاحة ثم وزيرا للجماعات المحلية (مكلف ضمنيا بإعداد الانتخابات البلدية)، في حكومتي السبسي الفاشلتين منذ كانون الثاني/ يناير 2015؛ اختير لترؤس حكومة جديدة، يراد لها أن تكون ناجحة. ولم يستطع إنجاز أهم ملف كلف به عندما كان وزيرا، أي تمرير القوانين التي يمكن على أساسها تحديد أجندة الانتخابات البلدية، والتي ستتأخر الآن إلى نهاية 2017 إن لم يكن بعدها. لم يكن للشاهد ماض سياسي قبل 2011، وتدرج في أحزاب "حداثية" مختلفة بعد الثورة، قبل أن ينخرط في حزب السبسي. لكن كان له في المقابل ماض كممثل لوزارة الزراعة الأمريكية منذ سنة 2008، وعمل على هذا الأساس موظفا في السفارة الأمريكية.

وحسب الاقتصادي التونسي مصطفى الجويلي، فإن الشاهد اشتغل أيضا كخبير لدى اللجنة الأوروبية وقسم الفلاحة بالولايات المتحدة؛ مكلف بمتابعة السياسات الفلاحية في بلدان المغرب العربي. وقدم سنة 2003 أطروحة دكتوراه في باريس تحت عنوان "تقييم آثار تحرير الأسواق الفلاحية على المبادلات و مستويات العيش" "mesure de l'impact de la -libéralisation des marchésagricolessur les échanges et le bienêtre-". وحسب الجويلي في هذه الأطروحة، دافع الشاهد بشراسة عن ضرورة التحرير الكلي لقطاع الفلاحة في تونس وانفتاحه الكامل على الأسواق العالمية. كما دافع عن ضرورة إجراء إصلاحات عقارية تحرر الاستثمار في القطاع الفلاحي، وتسمح للمستثمرين الأجانب بتملك الأراضي الفلاحية في تونس. في الأطروحة نفسها اعتبر يوسف الشاهد أن الحديث عن "حماية حقوق المزارعين" و"السيادة الغذائية" شعارات بالية تجاوزها الزمن ومناقضة لأسس العلوم الحديثة. وحسب الجويلي، فإن الشاهد "هو رجل المرحلة القادر على تمرير كل الإملاءات، والالتزام بما جاء في رسالة النوايا الموجهة إلى صندوق النقد الدولي".

من الملفت أن رئيس الحكومة المكلف ركز في أول كلمة له بعد تكليفه على ضرورة "مصارحة الشعب" بحقيقة الوضع الاقتصادي، وأنه يجب اتخاذ "إجراءات غير عادية" لمواجهة الوضع. وهي تبدو صياغات تعكس صدى خطاب المؤسسات المالية الدولية التي تضغط في اتجاه التحكم في العجز، وحتى نحو برنامج "تقشف" يمكن أن يؤدي إلى أزمة اجتماعية وموجة احتجاجات في البلاد.

من جهة أخرى، كانت مناورة تمرير اختيار السبسي متزامنة منذ شهرين مع محاولة تمرير قانون "المصالحة"، وهو عنوان سياسات وممارسات لمنظومة سعت لتطبيع الفاسد وترسيخه، وترافقت مع فضائح حقيقية لحكومة السبسي السابقة، مثل صفقة شراء الشركة المالطية للاتصالات، وفضيحة اللوالب التي اعترف وزير الصحة رسميا بالتغطية عليها. المثير للغرابة أن الشاهد المعين من السبسي، الذي يدفع باتجاه قانون لتطبيع الفساد والمنتمي لحكومة تميزت بفضائح في الفساد، تعهد بأن هدفه الثاني بعد "الانتصار على الإرهاب" هو مكافحة الفساد!

من المهم التأكيد أيضا أن كل هذا يتم على خلفية سعي حثيث للسبسي وحلفائه لتعديل الدستور، بما يضمن تغولا في صلاحياته وينقلنا إلى نظام رئاسوي، وهو بصدد تفعيل ذلك عمليا على الضد من الدستور، ومن خلال تهميش دور البرلمان. ويفعل ذلك تحت واجهة حكومة من المتوقع أن تكون شابة وفيها حضور بارز للمرأة. أي ترسيخ القديم بواجهات ملمعة وجديدة.

مرة أخرى، تحايل السبسي على طيف من الأحزاب السياسية. جرهم لمناورة سياسية جديدة تستهدف ترسيخ مسار تغول السبسي على صلاحيات رئيس الحكومة، وفي السياق ذاته ترسيخ نفوذه الشخصي عبر شبكة عائلية، بما ينتج حكما كليبتوقراطيا جديدا، وهو ما يقوض الدستور، لكن يقوض أيضا الاستقرار، ويعطل الإدارة، ويزرع بذور الفوضى، ويشل الاقتصاد، ويرسخ منظومة الفساد. وكل ذلك يوفر شروط استئصال الجمهورية وحتى التوافق.

لم يبق أمام القوى الديمقراطية والوطنية إلا التقارب وتعديل ميزان القوى السياسي، حيث إن العاصفة الاجتماعية قادمة لا محالة إزاء التصرفات اللامسؤولة والمضرة والمغرقة في الفساد والفوضى للسبسي وتحالفه. ولا نريد لهذه العاصفة أن تدمر تونس، بل نريدها أن تعيد تأسيس الجمهورية وتنقذها من براثن منظومة لن تهنأ إلا بإعادة ترسيخ الاستبداد والهمجية وهيمنة الفساد.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الباجي قائد السبسي، يوسف الشاهد، رئيس الحكومة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 5-08-2016   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
علي عبد العال، د - احمد عبدالحميد غراب، د - محمد بنيعيش، د. عبد الآله المالكي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. الشاهد البوشيخي، الناصر الرقيق، صفاء العربي، إيمان القدوسي، عصام كرم الطوخى ، بسمة منصور، سلام الشماع، سامح لطف الله، محمود فاروق سيد شعبان، فهمي شراب، طلال قسومي، محمد عمر غرس الله، رضا الدبّابي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د. محمد عمارة ، أحمد ملحم، د. كاظم عبد الحسين عباس ، رافد العزاوي، خالد الجاف ، رحاب اسعد بيوض التميمي، نادية سعد، عمر غازي، د - مصطفى فهمي، صباح الموسوي ، فاطمة عبد الرءوف، المولدي الفرجاني، صلاح الحريري، د - أبو يعرب المرزوقي، محمد أحمد عزوز، سامر أبو رمان ، فراس جعفر ابورمان، سحر الصيدلي، د- جابر قميحة، يزيد بن الحسين، د. خالد الطراولي ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، الهيثم زعفان، رشيد السيد أحمد، محمود طرشوبي، فتحـي قاره بيبـان، د. صلاح عودة الله ، فاطمة حافظ ، ياسين أحمد، حمدى شفيق ، حسن الحسن، محمود سلطان، محمد شمام ، سوسن مسعود، الهادي المثلوثي، عبد الله الفقير، د - غالب الفريجات، د - محمد سعد أبو العزم، د. جعفر شيخ إدريس ، عدنان المنصر، د - صالح المازقي، د. أحمد محمد سليمان، رمضان حينوني، إياد محمود حسين ، يحيي البوليني، فتحي الزغل، د. محمد مورو ، سيد السباعي، سعود السبعاني، العادل السمعلي، سيدة محمود محمد، أشرف إبراهيم حجاج، كمال حبيب، د - محمد عباس المصرى، مراد قميزة، د. نانسي أبو الفتوح، أحمد بوادي، محمد تاج الدين الطيبي، جاسم الرصيف، د. عادل محمد عايش الأسطل، د.محمد فتحي عبد العال، د. محمد يحيى ، صالح النعامي ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، تونسي، د- هاني السباعي، مجدى داود، د- محمود علي عريقات، حسن عثمان، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، عبد الرزاق قيراط ، الشهيد سيد قطب، د. الحسيني إسماعيل ، فوزي مسعود ، رأفت صلاح الدين، ماهر عدنان قنديل، حاتم الصولي، محمد العيادي، ابتسام سعد، أحمد الغريب، رافع القارصي، عبد الغني مزوز، د. أحمد بشير، محمد الياسين، د. نهى قاطرجي ، حميدة الطيلوش، أبو سمية، د - مضاوي الرشيد، محرر "بوابتي"، عواطف منصور، أنس الشابي، جمال عرفة، منى محروس، محمد إبراهيم مبروك، فتحي العابد، سفيان عبد الكافي، د- محمد رحال، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - عادل رضا، د.ليلى بيومي ، خبَّاب بن مروان الحمد، محمود صافي ، مصطفي زهران، معتز الجعبري، شيرين حامد فهمي ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، عراق المطيري، حسن الطرابلسي، د - المنجي الكعبي، وائل بنجدو، د - الضاوي خوالدية، صفاء العراقي، محمد الطرابلسي، علي الكاش، منجي باكير، عزيز العرباوي، كريم فارق، عبد الله زيدان، حسني إبراهيم عبد العظيم، هناء سلامة، د - شاكر الحوكي ، د- هاني ابوالفتوح، د. مصطفى يوسف اللداوي، إيمى الأشقر، د. طارق عبد الحليم، أحمد النعيمي، أ.د. مصطفى رجب، كريم السليتي، سلوى المغربي، مصطفى منيغ، إسراء أبو رمان، د - محمد بن موسى الشريف ، صلاح المختار، محمد اسعد بيوض التميمي، أحمد الحباسي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة