تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

"الإسلام الامريكي" يحول وجهة الثورات العربية

كاتب المقال رضا حمودة   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


بعدما فطنت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أنه يستحيل استئصال الإسلام من على وجه الأرض كدين لا يُراد له أن يسود ويحكم كمنهج حياة وواقع عملي بدأت في اتباع سياسة جديدة، لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، تقوم على استئناس الإسلام والمسلمين على السواء بدلاً من الصدام المباشر، الذي أسهم بدوره في تشويه سمعتها بين المسلمين، فضلاً عن تصدير صورة نمطية بالغة السوء بأن أمريكا تحارب الإسلام وتمارس تمييزاً عنصرياً ضد المسلمين.

عندما نقرأ تصريحات رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA الأسبق «جيمس وولسي» في عام 2006م، نكتشف أن الإدارة الأمريكية تطبق خطة استئناس الإسلام بحنكة وبخبث منقطع النظير، حيث قال الرجل عن المسلمين: «سنصنع لهم إسلاماً يناسبنا، ثم نجعلهم يقومون بالثورات، ثم يتم انقسامهم على بعض لنعرات تعصبية، ومن بعدها قادمون للزحف، وسوف ننتصر»، وأضاف وولسي: «إننا سننجح في النهاية كما نجحنا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، وسوف أختم بهذا [هكذا يقول وولسي] سوف نجعلهم متوترين».

المثير في كلام مدير أكبر جهاز استخبارات في العالم أنه شخّص الداء بدهاء، ثم بدأ في تنفيذ الخطة الشيطانية وبسرعة، حتي وصلنا بعد سنوات قليلة إلى تطبيق عملي مأساوي على أرض الواقع لخطة المخابرات المركزية الأمريكية، فاندلع الربيع العربي بداية عام 2011م في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، وكأنه ترجمة حرفية لتصريحات مدير CIA، الأمر الذي جعل البعض يتشكك في ماهية الربيع العربي ومن يقف وراءه، لكنني لا أتعاطى شخصياً مع هذا التشكيك، ذلك أن المنطقة العربية كانت تعيش وما تزال على فوهة بركان من الغضب الشعبي، ومهيأة تماماً للانفجار والثورة كنتيجة طبيعية للاستبداد والفساد على مدى عقود طويلة على يد حكام حولوا بلدانهم إلى متاع خاص لهم ولأبنائهم والدائرة المقربة منهم.

ما يهمنا في هذا الصدد أن أمريكا خلصت إلى حقيقة مفادها، أنه لا مانع من وجود المسلم الصوام القوام، المسلم الذي يحج البيت الحرام كل عام، إسلام الطقوس والمظاهر، لكنه غير مسموح أن يتحول إلى سلوك خارج حيز المسجد إلى منهج للحياة لتأصيل قيم الحرية والعدالة والتنمية والاستقلال على خلفية إسلامية، حتى لا يخرج جيل قادر على منافسة الحضارة الغربية، أو يستطيع مقارعتها وهزيمتها متشبعاً بالحضارة الإسلامية الشاملة، ليصبح جيلاً مقطوع الصلة بربه ودينه، لا يعرف من الإسلام سوى اسمه. ذلك أن الغرب أراد تحويل الإسلام عن طبيعته ليجعله كما قال المفكر الأمريكي الشهير «فرانسيس فوكوياما»: دينا حداثياً ليبرالياً علمانياً، يقبل المبدأ المسيحي «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، باعتبار الإسلام تياراً فكرياً قابلاً للنقد والتفكيك أيضاً، وليس ديناً أو عقيدة ثابتة، حيث خصوصياته في تأصيل القيم والمعاني التي لا تستغني الحياة عنها.
هذا الجيل المسخ كما تريده أمريكا والغرب، عبر عنه المفكر الكبير د. مصطفي محمود قائلاً: «وما أكثر المسلمين ممن هم في البطاقة مسلمون، ولكنهم في الحقيقة ماديون، اغتالتهم الحضارة المادية بأفكارها، وسكنتهم حتى الأحشاء والنخاع، فهم يقتل بعضهم بعضاً، ويعيشون لليوم واللحظة، ويجمعون ويكنزون ويتفاخرون، ولا يرون من الغد أبعد من لذة ساعة».

لقد جنت أمريكا والغرب أهم ثمرتين من تعثر الربيع العربي بفعل الثورات المضادة التي اجتاحت المنطقة، الأولي: تشويه ثورات الربيع العربي بنظر شعوب المنطقة لاسيما البسطاء لما لها من انعكاسات سلبية على مصالحها في المنطقة، إذ إن الثورات في جوهرها تمرد على الواقع المرير لتطالب بالاستقلال عن القرار الأجنبي، والانعتاق من التبعية لأمريكا والغرب، أما الثمرة الثانية الأكثر نفعاً فهي استئناس الإسلام وقطاع ليس بالقليل من المسلمين لحظيرتها، عبر تشويه مفاهيم المقاومة والجهاد ضد الاستبداد والاحتلال، فصار التطرف مرادفاً طبيعياً للإسلام في ظل الحرب التي تقودها أمريكا وحلفائها في المنطقة على «الإرهاب الإسلامي».

وغرقت المنطقة في حروب ونزاعات مسلحة استهدفت الربيع العربي في الصميم بالوكالة لأطراف استثمرت استقواء الثورات المضادة المدعومة أمريكياً، في صنع عدو بديل للاستبداد، فكان الإسلام هو العدو الأكبر في صورة الإسلاميين الراديكاليين، مما يستدعي من الذاكرة مقولة داهية وزير الخارجية الأمريكي (جون فوستر دالاس) في خمسينات القرن الماضي إبان الحرب الباردة: «إن الإسلاميين الأصوليين هم أكبر حليف لنا ضد الشيوعيين»، وقد رأينا كيف استخدمتهم «حركة طالبان» في الثمانينات ضد الاحتلال السوفيتي في أفغانستان ثم حاربتهم لتستولي على المنطقة وتعمل على تفتيتها بعد الحادي عشر من سبتمبر!

ولنا أيضاً في تنظيم داعش (المريب) النموذج الفج، والذي أكد على تبعيته للغرب ضابط كبير في جهاز الاستخبارات البريطانية يدعي «تشارلز شويبردج» في حوار لقناة روسيا اليوم بتاريخ 9 أكتوبر 2014م عرضه موقع القناة على الإنترنت تحت عنوان: «هكذا صنعنا داعش وهكذا نقرع طبول الحرب ضدها»، حيث قال إن جهازي الاستخبارات الأمريكية والبريطانية يقفان وراء كل الأحداث الدرامتيكية التي تعصف بدول في الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق وليبيا، وكشف عن تفاصيل أخرى مثيرة عن دور واشنطن ولندن في صناعة الإرهاب، حيث استطاعت احتواء الربيع العربي، ومن ثم إجهاضه بضرب أهم مكوناته وهي التيارات الإسلامية المعتدلة التي حازت على ثقة الجماهير في كل الاستحقاقات الديمقراطية، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، وتعمد خلط الأوراق عند عوام الناس والبسطاء والتلبيس عليهم، وعبر الأنظمة التابعة لها في المنطقة، أنه لا فرق بين معتدل ومتطرف، فكل التيارات الإسلامية من المنظور الأمريكي متطرفة ونبعت من رحم الارهاب (أو بالأحرى الإسلام) حتي وإن لم تعلن ذلك رسمياً.

-------
وقع تحوير جزئي للعنوان الاصلي للمقال
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الثورات العربية، حركات التحرر العربي، الثورات الإجتماعية، الإسلام الوسطي، الإسلام الامريكي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 18-05-2016   المصدر: موقع مجلة البيان

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محمد إبراهيم مبروك، د- محمود علي عريقات، أنس الشابي، عمر غازي، تونسي، د. محمد مورو ، فوزي مسعود ، د- هاني السباعي، حسن الحسن، د. جعفر شيخ إدريس ، فتحي العابد، د - محمد عباس المصرى، محمود طرشوبي، عبد الغني مزوز، عبد الرزاق قيراط ، د. عبد الآله المالكي، أحمد الغريب، حمدى شفيق ، د - عادل رضا، د - صالح المازقي، حسني إبراهيم عبد العظيم، أحمد بن عبد المحسن العساف ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، صباح الموسوي ، محرر "بوابتي"، فاطمة عبد الرءوف، محمود فاروق سيد شعبان، رافد العزاوي، أ.د. مصطفى رجب، صفاء العراقي، عبد الله زيدان، د - احمد عبدالحميد غراب، سفيان عبد الكافي، أبو سمية، علي عبد العال، رمضان حينوني، د. طارق عبد الحليم، محمد تاج الدين الطيبي، ماهر عدنان قنديل، عراق المطيري، مصطفى منيغ، إيمان القدوسي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فتحـي قاره بيبـان، فهمي شراب، مجدى داود، رشيد السيد أحمد، سامح لطف الله، الشهيد سيد قطب، د. صلاح عودة الله ، د - محمد بنيعيش، أشرف إبراهيم حجاج، خالد الجاف ، إسراء أبو رمان، الهادي المثلوثي، رأفت صلاح الدين، د - أبو يعرب المرزوقي، صلاح الحريري، عدنان المنصر، حميدة الطيلوش، سوسن مسعود، سلوى المغربي، د. الحسيني إسماعيل ، د. عادل محمد عايش الأسطل، سيدة محمود محمد، صلاح المختار، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. مصطفى يوسف اللداوي، سحر الصيدلي، حسن عثمان، د. نهى قاطرجي ، د - شاكر الحوكي ، د. أحمد بشير، محمود صافي ، حاتم الصولي، محمد الطرابلسي، د - محمد بن موسى الشريف ، شيرين حامد فهمي ، سامر أبو رمان ، د. الشاهد البوشيخي، جمال عرفة، فراس جعفر ابورمان، يحيي البوليني، عبد الله الفقير، د. نانسي أبو الفتوح، المولدي الفرجاني، عزيز العرباوي، صالح النعامي ، معتز الجعبري، محمد الياسين، يزيد بن الحسين، الناصر الرقيق، فتحي الزغل، د - مضاوي الرشيد، أحمد النعيمي، سلام الشماع، العادل السمعلي، خبَّاب بن مروان الحمد، د . قذلة بنت محمد القحطاني، منجي باكير، عصام كرم الطوخى ، أحمد الحباسي، ابتسام سعد، محمد أحمد عزوز، منى محروس، د - الضاوي خوالدية، حسن الطرابلسي، صفاء العربي، الهيثم زعفان، ياسين أحمد، رافع القارصي، أحمد بوادي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، مصطفي زهران، جاسم الرصيف، كريم فارق، سيد السباعي، كريم السليتي، د. محمد عمارة ، سعود السبعاني، د.ليلى بيومي ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، طلال قسومي، علي الكاش، مراد قميزة، بسمة منصور، نادية سعد، كمال حبيب، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. محمد يحيى ، د. خالد الطراولي ، محمد عمر غرس الله، محمود سلطان، هناء سلامة، رضا الدبّابي، د - غالب الفريجات، د - المنجي الكعبي، د - محمد سعد أبو العزم، د.محمد فتحي عبد العال، أحمد ملحم، د- محمد رحال، إيمى الأشقر، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - مصطفى فهمي، محمد اسعد بيوض التميمي، د- هاني ابوالفتوح، د. أحمد محمد سليمان، محمد العيادي، إياد محمود حسين ، وائل بنجدو، محمد شمام ، د- جابر قميحة، عواطف منصور، فاطمة حافظ ،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة