مقالات عن: الضاوي خوالدية

الشــــعــــب يـــريــــد ...

2011-12-28 9881 قراءة د - الضاوي خوالدية
إن الإسلام، كما العروبة التي تماهت فيه قرونا، مقوم أساسي من مقومات الأمة المتميزة بوعيها بهويتها التاريخية و الدينية و الثقافية و اللغوية والمكانية و السياسية و (مقومات) الشخصية المميزة للذات عن غيرها من حيث الاسم و النسب و الخلقة و القيم المحدوة بمقاصد الدين.
و لعله (هذا المقوم الأساسي) الأكثر مقاومة لعوامل التدمير و تجفيف الينابيع و المسخ و الاحفظ لبقية المقومات من الفناء، إذ لولاه لما تصدت الشعوب للغزاة و لولاه لما عرف شعب استقلالا و لولاه لما برز في الأمة أشاوس في الجهاد و الوطنية و أساطين في العلوم و دواهي في السياسة و قدوات يحتذى بهم في رفعة الأخلاق و سمو القيم و نكران الذات و الغيرية...

إن الدور الحاسم للدين في بناء الشخصية السوية الحية الحاملة دوما لبذرة الثورة على كل من يمتهنها و يحط من كرامتها و يحد من حريتها و يستغلها ليبرز بكثرة في تاريخ العرب القديم بروزه خاصة في تاريخهم الحديث و المعاصر.
فتونس المسلمة، على سبيل المثال، قام جنوبها و وسطها و شمالها الغربي قومة رجل واحد في وجه الغازي الفرنسي 1881 مقاوما إياه عنيف المقاومة ملحقا به خسائر فادحة جعلته يفكر جديا في الانسحاب من الأراضي التونسية مطلع القرن العشرين و استمر الوازع الديني في التقوى و التوهج و شحذ الهمم منغصا حياة المستعمر راصدا سياسة مسخه و استغلاله و تنصيره و تجنيسه موقفا حركتها و مبطلا آثرها.ذ

و كان شعار مقاومي التجنيس من الأدباء : "من تفرنس جنسية تنصر دينا و اضمحل كيانا" يقول الشيخ سالم بن حميدة :

فهل من مسلمين يعز عنهم***ضياع مفاخر السلف العظام
فيلقون النفوس إلى جهاد***يصان بفضلها دين التهامي
و يفنون البنين و كل مال***ليحيوا مجد آباء عظام


قول ثلاثة رجال مسلمين أبدعوا في تثوير الشعب التونسي اجتماعيا و سياسيا و فكريا و ثقافيا و تنويريا مدخليه التاريخ و هم : الطاهر الحداد ومحمد على حامي و أبو القاسم الشابي...
و تأكدت فرنسا في العشرينيات من القرن العشرين أن دعاة اندماج الشعب التونسي في الشعب الفرنسي وملتمسي المساواة بين الفرنسي و التونسي و الأغنياء الموالين و ضعاف الشخصية و الإيمان و مشرعي التجنيس (من رجال الدين و آخرين) قد نبذهم الشعب التونسي و لفظهم و مقتهم فأعدت خطط مكر تمثل بعضها في إثارة الصراعات بين جامعة عموم العملة التونسية و الحزب الحر الدستوري و بين مكوني هذا الحزب فنجحت في الإجهاز على جامعة عموم العملة و نفي محمد على، نجاحها في تفجير الحزب الدستوري مطلع الثلاثينيات و تغليب الهائمين بحضارتها على غيرهم من التاصيليين.

و أخذ التوتر منذ ذلك الوقت يشتد بين التغريبيين معتبري تونس محمية فرنسية والتأصيليين، حتى كانت ثورة الشعب التونسي المسلم المسلحة على المستعمر يقودها المجاهدون كما سماهم التونسيون الأصلاء، و الفلاقة /قطاع الطرق، كما سمتهم فرنسا و بورقيبة و فئته و "الحركيين".

و لوحت فرنسا المنهوكة بحرب فيتنام و معركة "ديان بيان فو" و بداية حرب الجزائر التحريرية باستقلال تونس الذاتي المنقوص فوافق بورقيبة مسرورا ورفض صالح بن يوسف فانفجرت الحركة التحريرية حربا بين" الإخوة" تؤججها فرنسا بدعم بورقيبة عسكريا و مخابراتيا و ماليا، و اعتمد بورقيبة الاستبداد أسلوب حكم و استئصال الإسلام و الإسلاميين و العروبيين وثقافتهم (و بعض اليسار في فترة معينة) إستراتيجية للنظام، و كانت الانتخابات في تونس، كما كانت في البلاد العربية، تزكية لرئيس السلطة الملهم و رجال حزبها الطلائعي بـ 99،99 % كما كانت الرعية (في تونس و البلاد العربية) مقتنعة بفعل الدعاية و الراي الأوحد و الاستكانة و رواسب التاريخ أن قادتها الأعاظم و أحزابها المناضلة المبدعة ستقفز بها من عالم الفقر و الجهل و التخلف و الضعف إلى عالم الحداثة و الرخاء و التطور والعلم، لكن نهاية الستينيات كانت مروعة إذ المستور قد كشف : إفلاس اقتصادي و فقر مدقع و تفكك اجتماعي وهزيمة عسكرية غير مسبوقة في التاريخ و "قادة" خرق هوج عفك و أحزاب عصابات سمسرة و دعارة.

لعل ما يدل على هذا و يصوره أحسن تصوير تحول البلاد العربية يوم هزيمة 1967 إلى مناحة نائحوها و نائحاتها لا يعبرون عن الفاجعة فقط و إنما يعبرون عن انهيار آمالهم و فظاعة خديعتهم عقودا من السنين فاستصغرت الرعية المدمرة أنظمتها و استكانت هذه الأنظمة انتظارا لمرور العاصفة و أخذت تبرز أصوات ناقدة سرعان ما تشكلت في تنظيمات حزبية و اجتماعية و ثقافية... معارضة فشحذت الأنظمة أنيابها من جديد مفترسة هذا التنظيم مخترقة الآخر و كان الضحية كالعادة الشعوب التي ازداد فقرها و جهلها و بطالتها و كانت ثورات الخبز العربية و كان الإفلاس العام اقتصادا و ديونا و نهبا و تشريدا و تفككا و انهيار قيم و اعترافا بإسرائيل... الذي كاد يفقد الشعب مقومات وجوده و انتظامه فانكفأ على ذاته باحثا في أعماق تاريخه عن آخر قارب نجاة يتشبث به عله يمنيه و يسليه و يحد من التحلل و الذوبان، فكان الإسلام الذي قامت عليه حضارته في غابر الأزمان و بذلك ظهرت حركات إسلامية ثورية رجت الأنظمة و نشرت الهلع بين صفوف مريديها و أخافت الغرب على مصالحه مما حتم وصفة جديدة شديدة الفعالية تديم بقاء الأنظمة و تجمل وجوهها و تؤمن مصالح الغرب الاقتصادية و السياسية و الإستراتيجية، من مقوماتها:
• ربط الاقتصاد "العربي" المتداعي بالاقتصاد الغربي المزدهر مع ما يتطلبه ذلك من " إصلاحات" " هيكلية"، "شرا كية" " تحديثية"... مميتة للبلاد و العباد.
• إحداث تعددية سياسية و مدنية شكلية مسيرو أحزابها و جمعياتها و منخرطوها منتقون من الأحزاب الحاكمة أو من الدائرين في فلكها الشاكرين النعم...
• إغراق السوق بصحف الفضائح و الدعارة و الجنس
• إعلان الحرب الاستئصالين على كل ما هو عربي (قومي) إسلامي تنظيمات و أفرادا و قيما و ثقافة و عبادة...
• استيعاب و إشراك بقايا اليسار الماركسي في أجهزة الحكم المهمة، هذا اليسار الذي كان في السبعينيات من اشد معارضي الأنظمة العربية و الذي أصابه التفكك و الانحلال نتيجة لسلوكه السياسي و تشرذمه و رفض المجال العربي لنظام فكره الغريب (حتى في مراكز حكمه التي انهارت دفعة واحدة).

و استمرت الأنظمة تحكم بالحديد و النار و الحرب على الإرهاب و التوريث و النهب و النجاح في الانتخابات بالنسبة المشهورة جدا و التفقير والفساد و الإفساد و البطالة، حتى كانت الثورات العربية 2011 الشعبية ذات الشعارات : الحرية و الكرامة و الهوية و الخبز و الشعب يريد إسقاط النظام و تساقطت الأنظمة كأوراق الخريف تحت ضربات الشارع و صفعات الساحات و لعنات التاريخ و غضب الخالق، و ما أن دعي الشعب إلى انتخابات حرة نزيهة شفافة حتى اختار ما حاربته الأنظمة المخلوعة مدة ستين سنة حرب إبادة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق