مقالات عن: الجسد

من تحرير المرأة إلى إعادة تعريفها: قراءة نقدية في فكر سيمون دو بوفوار

2026-10-08 187 قراءة رحاب عمري
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سيمون دو بوفوار: حين تصبح حرية المرأة سؤالًا عن الأمومة والطبيعة والأسرة
ليست سيمون دو بوفوار بالنسبة إليّ مجرد فيلسوفة كتبت عن المرأة، بل واحدة من الشخصيات الفكرية التي أعادت صياغة السؤال النسوي في القرن العشرين، وفتحت الباب أمام تحولات عميقة في تصور الإنسان للأنوثة، والجسد، والأمومة، والزواج، والأسرة، والحرية.
ولهذا فإن قراءتها لا ينبغي أن تكون قراءة إعجاب أو رفض عابر، وإنما ينبغي أن تكون قراءة نقدية تسأل: ماذا يحدث حين تتحول الحرية إلى مشروع لإعادة تعريف الإنسان نفسه؟
في كتابها الأشهر «الجنس الآخر»، الصادر سنة 1949، تنطلق بوفوار من الفكرة الشهيرة: «لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك». وهي تقاوم من خلالها التصور الذي يجعل الأنوثة قدرًا اجتماعيًا ثابتًا، وترى أن المجتمع والتربية والتاريخ والمؤسسات تسهم في تشكيل ما نطلق عليه «المرأة». وقد أصبح الكتاب بالفعل أحد النصوص المؤسسة للفكر النسوي والفينومينولوجيا النسوية.
وهنا تبدأ نقطة اختلافي.
أنا لا أنكر أن المجتمع قد يفرض على المرأة صورًا ظالمة، ولا أن بعض العادات قد تحوّل الأنوثة إلى سجن. لكنني أتحفظ بشدة على أن يتحول التحرر من القوالب الاجتماعية إلى الارتياب في كل ما هو طبيعي وفطري.
فالمرأة ليست مجرد كائن صنعه المجتمع.
هناك جسد أنثوي، وأمومة، وحمل، وولادة، وعاطفة، وفروق بيولوجية حقيقية. وبوفوار نفسها لم تنكر وجود الاختلاف الجنسي؛ لكنها رفضت أن تتحول هذه الاختلافات إلى أساس للتبعية، وميّزت بين الاختلاف وبين عدم المساواة.
أما أنا، فمن منظوري الإيماني، فأرى أن الطبيعة الإنسانية ليست خطأً تاريخيًا يحتاج إلى إعادة هندسة. الاختلاف بين الرجل والمرأة ليس جريمة، والأنوثة ليست عيبًا، والأمومة ليست عقوبة بيولوجية.
وهنا أصل إلى المسألة التي أراها شديدة الأهمية: الأمومة.
بوفوار تنظر إلى الحمل والولادة والأمومة باعتبارها من التجارب التي يمكن أن تجعل المرأة مرتبطة بجسدها وبالإنجاب وبالأسرة بطريقة قد تحد من استقلالها، خصوصًا عندما تتحول الأمومة إلى «مصير» اجتماعي مفروض عليها. وفي تحليلها التاريخي تناقش أيضًا فرضيات المجتمعات الأمومية أو ذات النسب الأمومي، لكنها لا تنتهي إلى الدعوة البسيطة إلى استبدال الأبويّة بأمومية؛ بل تشكك أصلًا في صورة «العصر الذهبي للمرأة».
وهنا تكمن المفارقة التي تستوقفني:
إذا كانت الأمومة قد تحولت، في بعض المجتمعات، إلى وسيلة لتقييد المرأة، فهل يكون الحل في تحرير المرأة من الأمومة، أم في تحرير الأمومة نفسها من الاستغلال؟
أنا أختار الاحتمال الثاني.
لا أريد تحرير المرأة من كونها أمًا؛ أريد تحرير الأمومة من أن تكون إهانة أو عبئًا أو وظيفة اجتماعية بلا قيمة.
الأمومة في نظري ليست مجرد نتيجة بيولوجية تحدث للمرأة، وإنما رابطة إنسانية عميقة، ومسؤولية، وعطاء، واستمرار للحياة. ولذلك فإن اختزالها في كونها «قيدًا» يفقد التجربة الإنسانية أحد أعمق معانيها.
ثم إن الحديث عن الأمومية أو الأمومة بوصفها أساسًا للسلطة يطرح سؤالًا آخر: هل نحل مشكلة هيمنة الرجل بمجرد قلب الهرم؟ هل الانتقال من هيمنة الرجل إلى هيمنة المرأة يحقق العدالة؟
بالنسبة إليّ، لا.
لأن العدالة ليست أن نستبدل الأبويّة بالأموميّة، وإنما أن نخرج من منطق الهيمنة أصلًا.
لا أريد عالمًا يحكم فيه الرجل المرأة، ولا عالمًا تحكم فيه المرأة الرجل.
أريد علاقة تقوم على المسؤولية والحقوق والواجبات والاختلاف والتكامل.
ومن هنا أيضًا يصبح موقفي من الزواج مختلفًا.
فالزواج، في التصور الإسلامي، ليس مجرد مؤسسة اجتماعية اخترعها المجتمع لتقييد الرغبات، وإنما عهد ومسؤولية ونسب وحقوق وواجبات. وعندما تُفكك هذه المؤسسة باسم الحرية الجنسية، فإن السؤال لا يتوقف عند حرية الرجل والمرأة؛ لأن هناك نتائج تتعلق بالأطفال، والنسب، والنفقة، والإرث، والاستقرار، والمسؤولية القانونية.
وهنا أجد أن فلسفة الحرية الفردية تحتاج دائمًا إلى سؤال أخلاقي ملازم لها:
ماذا يحدث للآخر عندما أمارس حريتي؟
فليس كل اختيار فردي فرديًا في نتائجه.
والإجهاض مثال صارخ على ذلك. كانت بوفوار من الشخصيات البارزة في النضال الفرنسي من أجل إلغاء تجريم الإجهاض، وشاركت سنة 1971 في «بيان الـ343»، الذي كان محطة مهمة في الحركة التي سبقت قانون 1971.
أما أنا، فلا أستطيع أن أرى المسألة من زاوية «حق المرأة في جسدها» وحدها، لأن المنظور الإسلامي يدخل عنصرًا آخر في المعادلة: حرمة الجنين وأحكام الحمل والروح ومراحل التكوين. ومن ثم يصبح السؤال الأخلاقي أوسع من حرية طرف واحد.
وهذا هو الفارق الجوهري الذي أراه بين التصورين:
بوفوار تبدأ من استقلال الفرد عن الأدوار المفروضة عليه.
أما أنا فأبدأ من مسؤولية الإنسان أمام الله، وأمام نفسه، وأمام الآخرين.
هي تسأل: كيف نمنع المرأة من أن تصبح «الآخر»؟
وأنا أسأل أيضًا: كيف نمنع الإنسان من أن يصبح عبدًا لرغباته أو للسوق أو لصورة الحرية التي يصنعها الآخرون؟
لذلك لا أرى أن نقد بوفوار يعني إنكار ما قدمته من نقد للاستغلال والتمييز. فقد كشفت، بصورة مؤثرة، كيف يمكن للمجتمع أن يجعل الرجل هو «الذات» والمرأة هي «الآخر»، وكيف يمكن أن تتحول الفروق الجنسية إلى نظام اجتماعي للتراتبية.
لكنني أختلف معها في المرجعية التي ينبغي أن نعود إليها بعد هدم القوالب القديمة.
فإذا هدمنا كل القوالب الاجتماعية، ماذا يبقى؟
إذا قلنا إن الأنوثة تُصنع بالكامل اجتماعيًا، فماذا نفعل بالطبيعة؟
إذا قلنا إن الأمومة يمكن أن تكون قيدًا، فكيف نحفظ معناها الإنساني؟
إذا قلنا إن الزواج يقيّد الحرية، فكيف نحمي الحقوق التي تنشأ من العلاقة؟
وإذا قلنا إن الحرية هي امتلاك الجسد، فهل يعني ذلك أن الجسد لا يملك أي حرمة تتجاوز إرادة صاحبه؟
هنا أعود إلى النقطة التي أراها مركزية في كل هذا النقاش:
أنا لا أريد للمرأة أن تتحرر من كونها امرأة.
ولا أريد لها أن تعتبر أمومتها سجنًا، ولا أن ترى حجابها بالضرورة قيدًا، ولا أن تنظر إلى الزواج باعتباره عدوًا لحريتها.
أريد لها أن تكون حرة داخل وعيها بنفسها، داخل إيمانها، وداخل قدرتها على الاختيار المسؤول.
فالتحرر الحقيقي، في تصوري، ليس أن نهدم كل ما ورثناه ثم نقف أمام الفراغ.
إنه أن نسأل كل ما ورثناه: لماذا؟
وأن نسأل كل ما يعرض علينا باسم الحداثة: إلى أين؟
وأن نسأل كل من يقول لنا «هذه هي الحرية»: ومن أعطاك حق تعريفها نيابة عني؟
لذلك لا أقرأ سيمون دو بوفوار باعتبارها مجرد «عدوة للمرأة»، فهذا اختزال سطحي لفيلسوفة تركت أثرًا هائلًا في الفكر النسوي. لكنني أقرأ مشروعها باعتباره مشروعًا فكريًا أختلف معه في مرجعيته وفي بعض نتائجه الأخلاقية والاجتماعية.
وأعتقد أن المرأة لا تحتاج إلى أن تختار بين أن تكون إنسانًا حرًا وأن تكون امرأة، ولا بين أن تكون أمًا وأن تكون ذاتًا مستقلة.
يمكنها أن تكون الاثنين.
لأن المشكلة ليست في الأنوثة، ولا في الأمومة، ولا في الزواج.
المشكلة تبدأ حين يتحول أيٌّ منها إلى أداة للهيمنة، أو حين نقرر أن تحرير المرأة لا يمكن أن يتم إلا بتحريرها من ذاتها، ومن طبيعتها، ومن إيمانها، ومن كل معنى اختارت هي أن تمنحه لحياتها.
وهنا، بالنسبة إليّ، يبقى السؤال الأكبر:
هل نريد أن نحرر المرأة من القيود، أم نريد أن نعيد تشكيل المرأة وفق صورة جديدة للإنسان ثم نسمي عملية إعادة التشكيل «حرية»؟

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق