مقالات عن: النصر

عن كذبة "نصر أكتوبر"

2026-10-07 15 قراءة عبد المنعم حواس
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لا يزال شقّ كبير من الناس يعتقد أنّ ما حصل في حرب أكتوبر نصرٌ مصريّ على دولة الاحتلال الإسرائيلي أو حتّى العدو الصهيوني أو الكيان الصهيوني كما يطيب للقدامى تسميته لتجميل واقعٍ مرير أو التفصّي منه إلى سرديّات واهية وأمجاد زائفة تقام لها الاحتفالات. فيما واقع الحال ميدانيًا وبالأرقام يقول أنّ نتيجة الحرب كانت انتصارًا عسكريًا إسرائيليًا، عضدته لاحقًا بنصر سياسي متوسّط وبعيد المدى باتفاقيّة كامب ديفد اللعينة، التي ضمنت لها حليفًا في الجنوب والشرق يحاصر الفلسطينيين لصالحها، وإن تنازلت له عن ما كسبت من أراضي سيناء لأجل ذلك. وكان باكورة مسلسل تطبيع لا تزال حلقاته وتبعاته تتوالى وبالًا علينا وعلى الفلسطينيين.

اقتصر التفوّق المصريّ في الحرب على الأسبوع الأوّل، أي من 6 إلى 12 أكتوبر. وهو ما سبب هزّة سياسيّة في الأراضي المحتلّة لاحقًا لم يكفل الهجوم المعاكس واجتياح جزءٍ من الأراضي المصريّة غفرانها.. بعد ذلك الأسبوع كان الحال على الضفّة السوريّة سيّئًا، وخطر لأنور السادات أن يأمر بالتوغّل أكثر شرق قناة السويس وخط بارليف دون وجود دفاع جويّ يكفل ذلك، في قرار سياسيّ لا استراتيجي عارضه الجنرال سعد الشاذلي بشجاعة ومسؤوليّة، ما جرّ إقالته عقب الحرب. ويقول الشاذلي في كتابه 'مذكّرات حرب أكتوبر' عن انقلاب الوضع لصالح الاحتلال الإسرائيلي بعد ذلك القرار: "إنّ العدوّ يعرف جيّدًا أنّنا قمنا بدفع الفرقتين المدرّعتين 4 و21 من غرب القناة إلى شرقها ليلتي 12 و13 أكتوبر، ويعلم جيّدًا أنّنا قمنا بهجوم فاشل يوم 14 من أكتوبر خسرنا فيه 250 دبّابة، ويعلم كذلك أنّه عبر في منطقة الدفرسوار ليلة 15/16 من أكتوبر بقوّة لواء مشاة ولواء مدرّع، ويعلم جيّدًا بخطّتنا للهجوم على الدفرسوار يوم 17 من أكتوبر وأنّه دمّر اللواء المدرّع 25 بكامله، ويعلم جيّدًا أنّه مساء يوم 18 أكتوبر كان له غربَ القناة خمسة ألوية مدرّعة ولواء مشاة. إنّ العدوّ يعلم جيّدًا أنّه حاصر الجيش الثالث يومي 23 و24 أكتوبر وأنّه عند وقف إطلاق النار يوم 24 من أكتوبر كان له ثلاث فرق مدرّعة غرب القناة مقابل فرقة مدرّعة مصريّة واحدة. إنّ ما لا يعرفه العدوّ هو 'لماذا يتصرّف المصريّون بمثل هذه الحماقة، ومن هو المسؤول الرئيسي عن تلك القرارات الخاطئة؟'. ليس هناك إذًا معلومات سريّة يستطيع العدوّ أن يستفيد منها ضدّ مصر وإنّما هناك أسرار يريد السادات أن يحجبها عن الشعب العربي."

أجل، لقد كان الوضع بذلك السوء وأكثر عندما تعسّف وتحامق السادات وتجاوز نجاح خطّة 'المآذن العالية' في الأسبوع الأوّل، إلى تقدّم غير مدروس كشف جيشه لطيران العدوّ فعصف به.. انقلب النصر هزيمة، واجتاز جيش الاحتلال غرب القناة وتوغّل في التراب المصري وفي أواخر الحرب كان يحاصر الجيش الثالث المصريّ، ولا تفصله عن القاهرة إلّا 100 كلم قبل وقف إطلاق النار. حيث يقول الجامعي الأمريكي 'كينيث ستين' عن الأيام الأخيرة: "أرادت مصر إنقاذ جيشها الثالث الذي يبلغ قوامه 15 ألف جندي من الدمار الوشيك على أيدي جنرالات إسرائيليّين ناقمين". وقد كتب الصحفيّ الأمريكي 'ملتون فيوست' عن ذلك الوضع في كتابه Sands Of Sorrow –رمال الحزن – "لكن بعد أن قبل الإسرائيليون الاتفاقية (وقف إطلاق النار) على مضض، أوجدوا على الفور أعذارًا لخرقها. عازمين على معاقبة مصر لتجرّئها على بدء الحرب، استمرّوا في التقدّم وشدّدوا الخناق على مؤخّرة الجيش الثالث، ووسّعوا خياراتهم العسكريّة لتشمل احتلال القاهرة، أو استسلام القوّات المصريّة على الأقلّ"..

لكن بالطبع ليس هذا ما أذاعته الأبواق الإعلاميّة للمأفون السادات، بل روّجت لسرديّة الانتصار المزعوم ثم تكرّم السادات على العدوّ بالتفاوض جانحًا للسلم.. وأطلقوا عليه لقب "رجل الحرب والسلام".. ، فجاوز هنا سردية "هُزِم عسكريًا وانتصر سياسيًا" التي اتّكأ عليها جمال عبد الناصر عقب العدوان الثلاثي، وحتّى الحبيب بورقيبة عندنا إثر معركة بنزرت. وصنع وروّج كذبة نصر غير مسبوق على العدوّ الإسرائيلي لا تزال مُصدّقَة شائعة رغم الوقائع والشهادات والأرقام التي تفنّدها.

لقد حقّق السادات بهزيمته ثمّ التفاوض واتفاقيّة التطبيع، حلم أو قسَم 'جولدا مائير' - وإن بعد فنائها - الذي أوردته في مذكّراتها بكسر "اللاءات الثلاثة العربيّة التي أعلنوها في الخرطوم عقب حرب الأيام الستّة والتي قضت بـ 'لا' للتفاوض معنا و'لا' للاعتراف بنا و'لا' للسّلام".. صيّر أخطر جبهةٍ على دولة الاحتلال حليفًا لها، تتكفّل بحصار الفلسطينيين وخنق المقاومة لأجلها، وكان الحلقة الأولى في مسلسل التطبيع المُخزي.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق