اعترضتني كتابات عديدة لبعض من اطلعت على منشوراتهم، وهم عموما من ذوي التكوين الجامعي في اختصاص الإنسانيات بتونس، وقد فهمت أن أحد من درسهم الفلسفة، ويدعى التريكي أو التركي، كتب كلاما خيب به ظنهم فيه
وقد أسرف هؤلاء في لوم أستاذهم وفيلسوفهم، ثم فهمت أنهم تفاجؤوا بما صدر عنه في إحدى مواقفه، كيف وهو "الفيلسوف المتميز، المبشر بالقيم الكونية والمروج لمدرسة فرنكفورت"، كما يقولون
وقد كانت كتابات هؤلاء، التي تدور في خليط بين اللوم والتبرير والاستغراب، تقرب إلى كتابات المريد في شيخه، إذ هو كلام المغيب عقله، المبالغ في تعظيم شيخه
----------
ولسبب ما، ذكرتني مواقف هؤلاء بمواقف مريدي عمرو خالد بعد أن خيبت مواقفه ظنهم، إذ إن كلا الشقين، أي دارسي الفلسفة في الجامعة التونسية ومحترفي التدين الشكلي، اكتشف بعد مدة طويلة أن رمزه تهاوى وتكسر، وكلا الطرفين كأنه أحس بطعنة في الظهر
كانت الالاف المولعة بنجومية عمرو خالد تعامله معاملة موغلة في الإعلاء بما يجاوز قيمته، حتى فترة انفضاحه زمن انقلاب السيسي
وكان خريجو كليات الإنسانيات في الجامعة التونسية، كعادة عموم خريجي تلك المؤسسات، يسرفون في تبجيل مدرسيهم، ويقفون عند كلامهم لا يجاوزونه بنقد أو مراجعة، ويسلمون بما ينقلونه لهم من أقوال الغرب تسليما أعمى، أين منه تسليم المؤمن التقي لربه، وأين منه تسليم العبد لسيده
------------
ولأن مريدي التركي هذا هم الوجه الثاني لمريدي عمرو خالد، فإنهم يشتركون في الخلل المنهجي الذي أوصل كليهما إلى "كسر الخاطر وخيبة الأمل التي أوجعت قلوبهم"
1 - الخلط بين المعرفة والفكر
أتباع "العلماء" والمشايخ والدعاة يفترضون أن تميز الشخص في المعارف، وسعة اطلاعه على أقوال الاخرين، وتعمقه في دقائق كلامهم، دليل تميّز فكري لديه
لذلك يستشير هؤلاء الأتباع الشيخ في شؤون دنياهم ويلتزمون بفتاويه المسقطة المبررة لتأسيسات الواقع
وخريجو الإنسانيات في الجامعات التونسية يفترضون أن مدرس الفلسفة الحائز على أكبر الشهادات في اختصاص معرفي ما، والمطلع على دقائق أفكار الغير، دليل تميّز فكري لديه
لذلك يطلق هؤلاء المريدون على مدرّس الفلسفة نعت "فيلسوف"
بينما الحقيقة أن مجال التدريس والفتوى هو مساحة المعارف، وهي لازم الاختصاص، والاختصاص مجاله المعاني معلومة التأطير، وهذا ليس فكرا
لذلك، المعرفة مساحة نشاط ذهني تابع بالضرورة لمنتج الفكرة الأولى، أي النظرية أو القاعدة، وكل ذلك تابع لمركزية عقدية ما عليا (*) وحتى وإن كان هناك تفكير داخل الحقل المعرفي فهو تفكير معرفي وليس الفكر المتحرك خارج تاطير الحقل المعرفي
بهذا المعنى، فإن التعلق بالمريدين من شيوخ ومدرسين سببه خلط منهجي يوهم ضحاياه أن المعرفة هي الفكر، وأن المختص في المعرفة منتج للفكر
بينما الحقيقة أن المختص في حقل معرفي ما، مثله مثل مختص في الطب أو في إصلاح السيارات أو في الفلاحة، فهو مجرد مختص في معرفة الفكرة وتنزيلها وتاريخها أي متمكن من حقل معاني معلومة التاطير والسقف، وليس موجدا لها، وليس بالضرورة منتج أفكار
لذلك فإن إطلاق وصف فيلسوف على مدرس الفلسفة هو مثل اطلاق وصف "صانع سيارات" على ميكانيكي إصلاح السيارات
ولكل هذا، فإن الأسلم هو أن نسمي "العلماء" والدعاة والشيوخ بكونهم مشتغلين بالإسلاميات، ونسمي مدرسي الفلسفة وما جاورها بكونهم مشتغلين بالإنسانيات، وهذا اسم يحرر من أوهام الخلط بين المعرفة والفكر، ويحصر نشاط هؤلاء في الوظيفة، وهي الاشتغال بذلك الحقل المعرفي
2 - الخلط بين المعرفة والعمل
لأمر ما، يفترض الناس من عندهم أن صاحب المعرفة عامل بمعرفته، لذلك يتوهمون أن "العالم"، أي المشتغل بالإسلاميات، هو تقي عامل مطبّق لما يدرسه للناس ويحثّهم عليه
ولنفس السبب، يتوهم خريجو الإنسانيات أن مدرس الفلسفة، أي المشتغل بالإنسانيات، عامل بالنظريات الفلسفية التي يكتب ويتحدث فيها
بينما الحقيقة أن هذا وهم لا يوجد عليه أي دليل، وهو من نوع المصادرة، فإن تكون مطّلعا على حقل معرفي لا يعني قناعتك به، فضلا عن أن تكون ملتزما به
(*) حسب القانون العام الثاني من "منهج النمذجة الفكرية"، الفكر هو دالة تكامل رياضي في متغير المعنى تبحث في المجاهيل، بينما المعرفة دالة اشتقاق رياضي في متغير المعنى تتحرك في حقل معلوم، والمعرفة نشاط تابع بالضرورة للمركزية العقدية المنتجة للفكرة المولّدة لذلك الحقل المعرفي
بغرض المزيد، يُنظر لما هو "منهج النمذجة الفكرية":
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=12701
المعمارية النسقية لـ"منهج النمذجة الفكرية":
https://www.myportail.com/al_manhaj_theoretical_architecture.php
مريدو عمرو خالد ومريدو التريكي
2026-08-24
33 قراءة
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن