هناك خمسة عشر ألف جنديّّ مسلم يخدمون حاليًا في القوات المسلحة الأمريكية، منهم ثلاثة آلاف و خمسمائة أصلهم عربيّّّ . و تبيِّن الوثائق التي استند إليها " راي حانانيا " إلى أنَّ هناك اثني عشر ألف جنديّّ عربيّ ، كانوا قد خدموا في الجيش الأمريكيّّ في الحرب العالمية الثانية . و تُشير كتابات أخرى إلى أنَّ الأمريكيين العرب ، حاربوا إلى جانب الولايات المتحدة منذ عام 1776م ، و أنَّ أول جنديّ عربيّ مات في حروب استقلال أمريكا ، كان مهاجرًا سوريًّا قتِلَ في 23 من مايو عام 1776م .
يحرص البنتاجون حرصًا شديدًا ، على ضمِّ الأمريكيين العرب إلى صفوف قواته المسلحة ؛ نظرًا لأهمية الدور الذي يمكن أنْ يقوموا به لخدمة أهدافه ؛ يقول البريجادير جنرال " أنتوني كوكولو" أعلى مسئول عسكريّّ للشئون العامة و الاتصالات في البنتاجون : " الجنود الأمريكيون العرب عامةً ، و المترجمون منهم بصفة خاصة ، جنَّبُوا الوحدات العسكرية الأمريكية الوقوع في العديد من الأخطاء في حرب العراق ؛ إنهم يُترجمون و يُفسِّّرون معلومات هامة للغاية ، تفيد هذه الوحدات ؛ كما قام هؤلاء الجنود ، بفَتح عَلاقات مع قيادات القرى
و القبائل العراقية ، لا يستطيع غيرهم القيام بها ؛ بسبب معرفتهم بلغة و ثقافة العراقيين ، و بالإضافة إلى ذلك ، ينفرد هؤلاء الجنود بالقيام بأدوار تمثيلية ؛ كقادةٍ للقرى و القبائل العراقية في مركز تدريب " صحراء موهافي " بولاية " لويزيانا " ، الذي بُنِيَتْ فيه قرى و مراكز حضرية ، شديدة الشبه بمثيلاتها في العراق ؛ يتم فيها تدريب الجنود الأمريكيين الذاهبين إلى العراق ، على التفاعل مع البيئة العراقية الحقيقية " .
و يكشف " كوكولو" بِجَلاءٍ ، أنَّ الولايات المتحدة لا تمنح الإقامة بها لأحد ، دون أنْ يدفع الثمن ؛ يقول " كوكولو" للأمريكيين العرب ، و هو يدعوهم إلى الانضمام للجيش الأمريكيّ : أنهم طالما يتمتعون بالحرية في الولايات المتحدة ؛ فعليهم الدفاع عَنْ هذه الحرية . إنَّ هذه العبارة وَحْدَها ، كفيلة بتفسير السبب الذي مِنْ أجله تمنح الولايات المتحدة ، آلاف بطاقات الإقامة للشباب مِنْ مختلف دول العالم ، عَنْ طريق القرعة ، فلوِ افترضنا أنَّ السبب الظاهر هو مَلْءُ الفراغ السكاني ، الناتج عَنِ السياسة السكانية للشعب الأمريكيّ ، الذي يقتصر في إنجابه على عددٍ محدودٍ جدًّا مِنَ الأطفال ، فإنَّ النظرة الأكثر عُمْقًا ، تكشف لنا أنَّ هذه السياسة السكانية قد أدَّتْ - مع إلغاء التجنيد الإجباريّ في عهد الرئيس" نيكسون " - إلى نضوب المورد البشريّّ الدائم اللازم للجيش الأمريكيّ ؛ و مِنْ ثَمَّ اعتمدتِ العسكرية الأمريكية اعتمادًا بالغًا على القوة التكنولوجية ؛ تعويضًا عَنْ هذا النقص البشريّ . إنَّ هذه الملايين التي تعيش ليل نهار في كلِّ بقعة مِنَ العالم - في الحُلْم الأمريكي ، و تَتُوق إلى الحياة و العيش في أرض الميعاد الأمريكية - هي التي تصلح أنْ تكون وَقُودًا للحرب ، و تحقق أهداف صُنَّاع هذه الحرب مِنَ الرأسماليين الصناعيين ، و العسكريين ، و رجال البنوك ، و أصحاب شركات النفط . إنهم في نَظَرِ صُنَّاع الحرب " مُلَوَّنون " ، و أول مَنْ يجب أنْ يَدْفع ثمن إقامته في أمريكا ، و لو كان الموت دفاعًا عَنِ الذين أَتَوْا به إليها ، أما الأمريكيّ الأبيض ، فيجب أنْ يكون هو آخر مَنْ يُِدْفَعُ به إلى الموت ، و لا مشكلة عند صُنَّّاع الحرب أنْ يموت أمريكيّ أبيض في الحرب مِنْ أجلهم ، طالما أنه اختار الانضمام للجيش ؛ لعَجْزِهِ عَنِ الدخول في حلبة المنافسة الحرة ، التي هي أساس الرأسمالية الأمريكية ؛ و هنا يتساوى هذا الأبيض ، مع غيره مِنََ الجنود السُّود ، و الريفيين ، و النساء الذين يبحثون عَنْ مورد سهل للعيش ، مُمَثّّلاً في الجيش ؛ فالبقاء للأصلح في عُرْفِ هؤلاء الرأسماليين الكبار .
و لا يُعَوِّلُ الأمريكيون كثيرًا على الجيل الأول مِنَ المهاجرين ، الذين لا يزالون يحتفظون ببعض خصائص سمات ثقافتهمُ الأولى ، إنما يعوِّلون على أبنائهم و أحفادهم ، الذين تكون الثقافة الأمريكية قد صبغتهم تمامًا بصبغتها ،على حساب ثقافة آبائهم ، و ما الجنود المسلمون الأمريكيون إلا أبناء هؤلاء المهاجرين ، الذين قَدِمُوا إلى الولايات المتحدة ووُلِدَ أبناؤهم بها ، و أصبحوا جزءًا مِنْ ثقافتها .
السؤال هنا : حينما يلتحق الجنود المسلمون - طوْعًا - بالجيش الأمريكيّ ، و يحاربون في العراق ، و أفغانستان ، و الصومال ، و يذهبون تحت أيّ شعار آخر إلى مناطق المسلمين ، في الفلبِّين ، و كوسوفو ، وغير ذلك مِنْ بلاد المسلمين ، يكون ولاؤهم لمَنْ : أ للدين و أهله ( أي للإسلام و المسلمين ) ، أم للوطن و أهله ( أي للولايات المتحدة و الأمريكيين ) ؟! ليس هناك مِنْ بديل ثالث : إما الإسلام أو الولايات المتحدة ! فمصلحة الإسلام ليست هي مصلحة الولايات المتحدة ، و قواعد ثقافة الإسلام ، و ما ينبثق منها مِنْ عادات و تقاليد و أخلاق ، ليست هي قواعد الثقافة الأمريكية ، و ما ينبثق منها مِنْ عادات و تقاليد و أخلاق ، و الفخر و الاعتزاز برموز ثقافة الإسلام ، ليس كالفخر و الاعتزاز برموز الثقافة الأمريكية ؛ فالإسلام لا يقبل مِنْ مسلم أمريكيّ أو عربيّ أو غير ذلك ، أنْ يَنْحَنِيَ تبجيلاً ، و اعتزازًا ، و احترامًا ، و صمتًا ، و سلوكًا ، لعَلَمٍ يُعْتَبَرُ رمزًا لأمة ، لا تعترف بالإسلام دِيْنًا ، و بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًا و رسولاً ، أو بشريعة الإسلام كمنهج للحياة ، فالتعظيم و التبجيل لا يكون إلا لله وَحْدَهُ .
الواقع هو أنَّ المسلمين الأمريكيين ، اختاروا طريق الوطنية ، أو ما أَسْمَوْهُ بـ " حُبِّ الوطن" ؛ إنَّ التحاقهم – طوعًا - بالجيش الأمريكيّ حَسَمَ مسألة الولاء . علماء الغرب مِنْ دارسي مسألة الوطنية Patriotism ، اتفقوا على أنَّ الالتحاق بالخدمة العسكرية ، و الاستعداد للموت مِنْ أجل الوطن ، هو أعلى مراتب الوطنية ، الوطنية كما يراها هؤلاء الدارسون ، هي التأييد الإيجابيّ للوطن ، و الفخر بأرضه ، و تاريخه ، و شعبه ، و إنجازاته ، و الاعتزاز بثقافته ، و ما تحتويه مِنْ عادات و تقاليد ، و الرغبة الأكيدة في الحفاظ على قواعد هذه الثقافة . إنها التوحُّّد مع أبناء الوطن الآخرين ، و هي قبول إيديولوجية الوطن ، على أنها صالحة و مرغوب فيها ، و النظرة إلى الوطن على أنه قيمة أخلاقية في حدِّ ذاته . فهذا هو الضابط البحريّ الأمريكيّ " ديكاتورثي" ، يرى أنَّ الوطنية تعني أنْ يضع المواطن مصالح الوطن ، فوق مصالحه الشخصية ، و مصالح جماعته ، و أنْ يكون مستعدًا للتضحية بحياته ، مِنْ أجل مصالح هذا الوطن .
هذا هو ما فعله الأمريكيون المسلمون ، فقد أكَّدوا الولاء لأمريكا وَحْدَها ، و أعلنوا أنهم يحاربون في صفِّ الولايات المتحدة ، طالما أنها في حرب مع ما تُسَمِّيهم بالإسلاميين المتطرفين ، الذين يهددون الاستقرار في العراق و أفغانستان.
و حقيقة الأمر أنَّ هذا المبرر ، و هو قتال ما يُسَمُّونهم بالإسلاميين المتطرفين ، ليس هو السبب الحقيقيّ لانضمام الجنود المسلمين و العرب ، إلى صفوف القوات المسلحة الأمريكية ، السبب الحقيقيّ هو تأكيد الولاء للولايات المتحدة ؛ و هناك دليلان يُثبتان ذلك :
الدليل الأول : ما كتبه " محمد الشناوي" بتاريخ 16 من فبراير 2007 م ، في موقع News V.A.com ؛ يقول " الشناوي : " لا زال الكثير مِنَ الجنود الأمريكيين العرب ، بعد أحداث 11 سبتمبر ، في حاجةٍ إلى أنْ يُبَرْهِنوا ، أنهم جديرون بأنْ يكونوا جنودًا في الجيش الأمريكيّّ ، و إلى تأكيد ولائهم للولايات المتحدة . لقد دفعت هذه الحاجة رقيب مشاة البحرية الأمريكية " جمال باعداني" ، إلى أنْ يُنْشِئَ جمعية خاصة للأمريكيين الوطنيين العرب ، سُمِّيَتْ اختصارا بـ " آبام " ، تهدف هذه الجمعية إلى تمكين الأمريكيين العرب ، مِنَ الوقوف بثبات و بقوة لإعلان أنهم " وطنيون" ، و توصيل هذه الرسالة إلى المجتمع الأمريكيّ الكبير ، و رَدْم الهُوَّة بين الأمريكيين العرب و الثقافة الأمريكية ، و أنهم وَحْدة واحدة مع الأمريكيين بِغَضِّ النظر عَنْ بُلدانهم الأصلية ، و أنهم ليسوا بإرهابيين ، و ليسوا أقل وطنية مِنْ أي جماعات أخرى في الولايات المتحدة . يقول " باعداني" : " إنَّّ هذه الجمعية تحاول أنْ تُبْرِزَ للأمريكيين ، أنه بالرغم ممَّا يقال عَنِ الأمريكيين العرب ، في أجهزة الإعلام ، فإنَّّ لهم إسهامات و تضحيات في سبيل الولايات المتحدة ، منذ حرب الاستقلال و حتى الآن ، مِنْ أصغر جنديّ عادي إلى الجنرال " جون أبي زيد " ، الذي قاد العمليات العسكرية لمدة أربع سنوات ، مِنَ القرن الأفريقيّ عَبْرَ الشرق الأوسط ، إلى جنوب و وسط آسيا " .
الدليل الثاني : هو ما جاء في نفس مقالة " الشناوى " ، و أشار فيه إلى الرسالة التي بعثها الرقيب الفنيّ المتقاعد " محمود اليوسف" إلى وكالات الأنباء الأمريكية ؛ يقول " اليوسف" في رسالته للأمريكيين : " إنني أمريكيّ مسلم ، و مثلي مثل أيّ شخص آخر ، لا أتفق مع سياسات حكومتنا ، لكني لا أتسرع في حُكْمِي ، لما علمتُ بأحداث 11 سبتمبر المروعة ؛ أعددتُ حقيبتي ، و كنتُ أنتظر أمر استدعائي ؛ لألبِّيَ نداء الواجب ، لماذا فعلتُ ذلك ؟! إني أريد أنْ تكون أمريكا آمنة ، و أنْ تكون هي الأفضل دائمًا ، و حينما يكون الأمر أمر ولاء ، فأنا أحمر و أبيض و أزرق ( إشارة إلى العَلم الأمريكيّ ) ، مثلكم تمامًا " . يقول " الشناوي " عَنِ " اليوسف" : " لقد تغيرت حياة " اليوسف " تمامًا بعد أنْ هاجر إلى الولايات المتحدة ، كلاجئٍ فلسطيني في عام 1977، لقد عُوْمِلَ باحترام و بكرامة ؛ فشعر بأنه يلزمه العرفان بالجميل للولايات المتحدة . حارب " اليوسف " حربًا قانونية ؛ للالتحاق بالقوات المسلحة الأمريكية ، و واجه صعوباتٍ شديدة ؛ بسبب أنه وُلِدَ في فلسطين ، و رغم أنَّّ شرط الالتحاق بالجيش الأمريكي ، هو أنْ يُوْلَدَ المتقدِّم في الولايات المتحدة ، فإنه نجح في التغلب على هذه العقبة ، بعد تدخُّل أحد رجال الكونجرس . كان " اليوسف" يُجِيد الألمانية
و الإنجليزية و العربية بطلاقة ، قبل أنْ يلتحق بالحرس الوطنيّ في أوهايو ، و الذي خدم فيه عشر سنوات " . و يُشير " الشناوي" إلى أنَّ الابن الأكبر" لليوسف " ، التحق بالجيش الأمريكي أيضًا ، و خدم في العراق . و يختم الشناوي مقالته قائلاً : " لقد حان الوقت للأمريكيين العرب في الجيش الأمريكيّ - شأنهم شأن العاملين في الوظائف المدنية - أنْ يقفوا بفخر و اعتزاز ، و يُعْلِنوا أنهم وطنيون ، مُحِبُّون للوطن ، و ولاءَهم للوطن ... " .
مِنَ المُسَلَّم به أنَّ التفكير الأمريكيّ تفكير عقلاني متقدِّم ، ينطبق عليه تمامًا أبرز تعريف للعقلانية ، و هي " ازدياد الحسابية في كلّ شيء" ، فكلُّّ شيء محسوب عند الأمريكيين ، و من المُسَلم به أيضًا أنَّّ الأمريكيين - تَبَعًا لعقلانيتهم هذه - يُقيمون مسارح خاصة ، لكلّ مجال يريدون فيه اتخاذ قرارات هامة ، في أمور تتعلق بالتعامل مع ثقافات مختلفة عنهم ، الممثلون في هذه المسارح ، هم عملاؤهمُ اللصيقون بالأهداف التي يتعاملون معها ، حيثُ يُطْلَبُ مِنَ العملاء أنْ يتصوَّروا ما الذي يمكن أنْ يحدث ، لو أنَّ الأمريكيين اتخذوا قرارًا هامًّا ؟ و يبني العملاء هذا التصور ، وَفقًا لعقلية و ثقافة الهدف المطلوب التعامل معه ؛ مثال ذلك في الماضي ما أشار إليه " كوبلاند " ، عندما قرَّر الأمريكيون سَحْب تمويلهم لقناة السويس ، و مَثَّّلَ " كوبلاند " في هذا المسرح السياسيّ شخصية " عبد الناصر" ، الذي كان وثيق الصلة به ، و مثاله في الحاضر ، هذه القرى و المراكز الحضرية التي أقيمت في صحراء " موهافي " ، و التي أشرنا إليها ، و كان الممثلون فيها لشخصية زعماء القرى و القبائل ، الجنود الأمريكيين العرب . و في ضوء هذا الفَهْم للعقلانية الأمريكية ، لا نستبعد وجود مسرح فكريّ ، يمدُّ فيه العملاء بتصوراتهم عَنِ القرارات التي يمكن أنْ تُتَّخَذ ، عند التعامل مع الثقافات غير الأمريكية ، و ليس هذا مُسْتَبْعَدًا في ضوء آلاف الدراسات المتوافرة عَنْ هذه الثقافات ، سواء تلك التي يُجْرِيها الباحثون الأمريكيون ، أو طلاب الدراسات العليا مِنَ العرب وغيرهم في الجامعات الأمريكية ، تلك التي تُمثل مادة استخبارية لا تكلِّف الأمريكيين دولارًا واحدًا ، فالبلاد التي يُبْتَعَثُ منها هؤلاء الطلاب ، هي التي تتحمل تكاليف هذه الدراسات ، وهي التي تُجْرِي الدراسات التطبيقية عليها ، و تصبُّ في صالح الأمريكيين أولاً و أخيرًا .
و يمكننا أيضًا - في ضوء فهمنا لهذه العقلانية الأمريكية - أنْ نفهم مسائل أخرى ، تهمُّنا في قضيتنا هذه ؛ أولاً : لماذا يسمح الأمريكيون بإقامة أماكن عبادة للجنود المسلمين ، داخل الثكنات العسكرية الأمريكية في العراق و غيرها ؟! يفهم البعض هذا التصرُّف ، بأنه مجاملة من قِبَل السلطات الأمريكية لجنودها المسلمين !!! لكنّّ الدكتور" محمد محمد حسين " ، كان منذ الستينيات مِنَ القرن الماضي ، قد وَضَعَ قاعدة هامة ، تمكِّّنُ مِنْ فَهْم مواقف الغرب من المسلمين ؛ يقول الدكتور" محمد محمد حسين" ما خلاصته : " إنَّّ تمجيد الغرب للإسلام ، يُقْصَدُ به خَلْقُ جوٍّ مِنَ الاطمئنان إلى نزاهته مِنْ ناحية ، و دَفْع المسلمين إلى مقابلة هذه النزاهة بمجاملة مثلها للقيم الغربية " ؛ و هنا نفهم أنَّّّ المقصود هو ، بيان نزاهة الأمريكيين في التعامل مع الإسلام ، و أنَّ المطلوب مِنَ الجنود المسلمين ، هو مقابلة المجاملة الأمريكية بمجاملة مِنْ قِبَلهم ، و ليس هناك أفضل مِنْ مجاملة تأكيد الولاء لأمريكا .
ثانيًا : لماذا تمنح الولايات المتحدة حق الإقامة - بيُسْرٍ شديد - لما تسمِّيهم في قوانين الهجرة الخاصة بها بـ " رجال الدين " ؟! رغم السياسة الأمريكية المعروفة فى الفصل بين الدين و الدولة ، فليس هناك مِنْ دليل على معارضة الحكومة الأمريكية للدين ، و يظهر ذلك في شعار" نحن نثق في الرب " ، المكتوب على العملة الأمريكية . و تشجع الحكومة الأمريكية إنشاء مذاهب دينية جديدة ؛ فالدين لديها أمر مقبول بصفة عامة ، و للديانات الجديدة حظ في هذا القبول . و " لإيزنهاور" عبارة شهيرة يقول فيها : " لنْ يكون لشكل حكومتنا أيّ معنى ، إلا إذا بُنِيَ مجتمعنا على مُعْتَقَدٍ ديني ، يشعر الناس به في عُمْق ، و لا يهمُّني ما هو هذا المعتقد ! " . لكنَّ التطبيق العمليّ الفعليّ ، يوضح أنَّ الأمريكيين لا يقبلون إلا الدين المُعْترف به رسميًا ؛ و تشهد بعض وثائق الكونجرس - قبل أحداث 11سبتمبر - باعتراف السلطات الأمريكية بدور الإسلام في تهذيب سلوكيات السُّجَناء المدنيين ، مِنْ هذا المنطلق يمكن فَهْم الأسباب التي تجعل السلطات الأمريكية ، تيسِّر مَنْح حق الإقامة و الجنسية لما تسمِّيهم بـ " رجال الدين " .
لكنَّ النظرة الفاحصة - للفتاوى التي أصدرها مَنْ تسمِّيهم الولايات المتحدة برجال الدين و الوُعَّاظ الأمريكيين المسلمين - عَنْ جواز التحاق المسلمين بالجيش الأمريكيّ ، و الاشتراك في المعارك القتالية التي يخوضها هذا الجيش في البلاد الإسلامية - تبيِّن أنه لا بُدَّ مِنْ ثمن يدفعه هؤلاء ، مقابل حصولهم على حق الإقامة و الجنسية في الولايات المتحدة ، هذا الثمن هو إصدار الفتاوى التي تخدم المصالح الأمريكية .
أصدر هؤلاء الوُعَّاظ الأمريكيون المسلمون ، فتاوى تؤكد على أهمية انخراط المسلمين في الجيش الأمريكيّ ؛ دفاعًا عَنْ بلادهم ( الولايات المتحدة ) ضد الإرهاب ! و تؤكد على ضرورة تقيد هؤلاء الجنود بالقوانين الأمريكية ، و أنه يجب عليهم الوقوف إلى جانب مواطنيهم الأمريكيين الآخرين ؛ لحماية أمن و مصالح بلادهم ، ضد هؤلاء الذين يُرْهِبون الأبرياء ، و يقتلون غير المحاربين دون سبب معقول ، و أنَّ عليهم أنْ يعتقلوهم و يسلّموهم للعدالة ،
و تؤكد هذه الفتاوى أيضًا ، أنَّّ على الجنود الأمريكيين المسلمين ، أنْ يشتركوا في كلّ المعارك ضد كلّ مَنْ ترى الولايات المتحدة أنهم إرهابيون ، كما تعطي هذه الفتاوى فرصة للجنود الأمريكيين المسلمين ، لحلِّ أيِّ صراع ينشأ داخل نفوسهم ، نتيجة لما يفعله الجيش الأمريكيّ مِنْ قَصْفٍ ، و دمار ، و تعذيب للمدنيين العراقيين ، بتطبيق قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " ، و قاعدة " دفع أعظم المفسدتَيْنِ باحتمال أدناهما " .
تختلف هذه الفتاوى تمامًا ، عَنِ الفتاوى التي أصدرها علماء الإسلام في البلاد الإسلامية ، لقد حسم علماؤنا مسألة تَوَزُّع الولاء بين الإسلام و حُبِّ الوطن ، بقاعدة أساس مؤدَّاها :
" الحُبُّ الفطري مِنَ الإنسان للمكان الذي نشأ فيه ، أمر لا يتعلق به ذمّ شرعيّ ، ما لم يشغل عمَّا هو أولى مِنَ الطاعات ، و لا يمنع الإسلام مِنْ أنْ يحبَّ المسلمُ بلده و وطنه ، الذي عاش فيه و تربَّى ، لكنَّ المُنْكَر هو عقد الولاء و البراء عليه ، و جعل المحبة و البُغْض بسببه ،" فليس مَنْ ينتمي إلى بلدك و ينتسب إليها ، بأقرب إليك مِنَ المسلم في بلادٍ أخرى" ، فلا ينبغي أنْ يكون سبب المُوَالاة و المُعَاداة ، هو الانتماء للوطن أو عدم الانتماء له ، بل الولاء و البراء ، و الحُبّ و البُغْض ، ميزانها جميعًا الإسلام و التقوى ؛ فالنبيُّّ صلى الله عليه وسلم كان يحبّ مكة ؛ لأنها أحبُّ البلاد إلى الله ، و لم يكن ليحبَّّّ كفارها ، بل قاتلهم ؛ لمَّا حاربوا الدين ، و قاتلوا المسلمين ، و لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم و لا أصحابه رضى الله عنهم ، ليقدِّموا حُبَّهم مكةَ على شرع الله تعالى ؛ وعلى هذا لا يحلّ لمسلم ، أنْ تقع في قلبه محبة و مودة و موالاة لأعداء الله ، الذين هم أعداءٌ له في الواقع . و من مظاهر هذه الموالاة : إعانتهم و مناصرتهم على المسلمين ، و الانخراط في مجتمعاتهم ، و الانضمام إلى أحزابهم ، و تكثير سَوَادِهم ، و التجنُّس بجنسياتهم ( لغير ضرورة ) ، و الخدمة في جيوشهم ، و العمل على تطوير أسلحتهم ، و لا يجوز مظاهرة الكفار على المسلمين ؛ لأنَّ ذلك كُفر و رِدَّة ، و أجمع علماء الإسلام على أنَّ مَنْ ظاهر الكفار على المسلمين ، و ساعدهم بأيِّ نوع مِنَ المساعدة ؛ فهو كافر مثلهم ؛ كما قال الله تعالى : { يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } المائدة / 51 . ( انظر تفصيلاً فتاوى العلماء ،
في مسألة << الولاء و البراء >> ، في موقع " الإسلام سؤال و جواب " ، الأسئلة رَقْم : 2179- 34749 - 27211 - 67782-6484-33691-39344-3885-14335) .
و جُمْلَة القول إنَّّ الجنود الأمريكيين المسلمين ، هم ثمرة إقامة والديهم في الولايات المتحدة و هم ثمرة انصهار و امتزاج ثقافة والديهم بالثقافة الأمريكية ، و هم يمثلون جيلاً مختلفًا عَنْ هاتين الثقافتين ، و لكنه مُوَالٍ تمامًا لثقافة الغالب ، إنهم يَرَوْنَ الكمال في هذه الثقافة الأمريكية الغالبة ، و لهذا وَقَرَ في نفوسهم تعظيمها ، و انقادوا إليها ؛ لاعتقادهم هذا الكمال فيها ، على حسب وصف " ابن خلدون " . و هذا ما أكَّده الدكتور " محمد محمد حسين " بقوله : " إنَّ الغرب يحرص حرصًا شديدًا ، على تفاعُلِ الثقافة الإسلامية مع الثقافة الغربية ؛ لأنَّ هذا التفاعل ، سيصبُّ في النهاية لصالح الثقافة الغربية ، و بمقتضى هذا التفاعُل و الاندماج ؛ تتطور الثقافة الإسلامية ؛ لتصبح شيئًا مختلفًا عَنِ الثقافة الغربية و الثقافة الإسلامية ، إنَّ التفاعل بين الثقافة الإسلامية وغيرها مِنَ الثقافات ، كانت تحكمه في الماضي الضوابط المستمدة مِنَ الكتاب و السُّنَّّة ، أما تفاعُل اليوم ، فيحكمه منطق العصرية ، الذي يرى أنَّ ضوابط الماضي لم تَعُدْ تلائم ظروف العصر" .
إنَّّ ضوابط الكتاب و السُّنَّة - كما يقول المفكرون الإسلاميون - تُحَتِّم أنْ يكون القتال في سبيل الله ، و ليس لأيّ هدف آخر مِنَ الأهداف التي عرفتها البشرية في حروبها الطويلة ؛ كأنْ يكون قتالاً في سبيل الأمجاد و الاستعلاء في الأرض ، أو في سبيل مغانم ، و مكاسب ، و أسواق ، و خامات ، أو مِنْ أجل تسويد طبقة على طبقة ، أو جنس على جنس . القتال لا يكون إلا لتلك الأهداف المحدَّدة ، التي مِنْ أجلها شرع الله تعالى الجهاد في الإسلام . القتال لا يكون إلا لإعلاء كلمة الله في الأرض ، و إقرار منهجه في الحياة ، و حماية المؤمنين مِنْ أنْ يُفتنوا عَنْ دينهم ، أو أنْ يجرفهم الضلال و الفساد ، و ما عدا هذا ، فهي حرب غير مشروعة في حُكْم الإسلام ، و ليس لمَنْ يخوضها أجرٌ عند الله و لا مقام .
إنَّ أحد أسرار قوة الإسلام - كما يقول المفكرون الإسلاميون أيضًا - إنما تكمُن في قيامه على أساس العقيدة ، و إدراك أعدائه لذلك ؛ جعلهم يَسْعَوْنَ إلى توهين هذه القاعدة ، التي يقوم عليها و إضعافِها ، بحيث يمكن السيطرة على المجتمعات الإسلامية ، و استغلال مقدراتها و ديارها و أموالها ؛ و لهذا يشدِّد المفكرون و علماء الإسلام ، على أنَّ أمر هذه العقيدة لا رخاوة فيه ، و لا تَمَيُّع ، و لا يقبل أنصاف الحلول ، و لا الهزل ، و الاحتكام إليها ليس نافلة ، و لا تطوعًا ، و لا موضع اختيار .
وعلى هذا ؛ فليس أمام الجنود الأمريكيين المسلمين أنْ يختاروا ، أو يخلطوا بين منهج الإسلام في الحياة ، و منهج الأمريكيين في الحياة ؛ فليس هناك حلٌّ وَسَط ، و لا منهج بينَ بينَ ، و لا خطة نصفها مِنْ هنا و نصفها مِنْ هناك ، و إنما هناك حق و باطل ، هدى و ضلال ، إسلام و جاهلية ؛ و مِنْ ثَمَّّ يلزمهم اختيار طريق واحد لا غير : إمَّا طريق الإسلام أو طريق الولايات المتحدة .
------------------
د / أحمد إبراهيم خضر
دكتوراة في علم الاجتماع العسكري
الأستاذ المشارك ، وعضو هيئة التدريس السابق بجامعات القاهرة ، و الأزهر، و أم درمان الإسلامية ، و الملك عبد العزيز
(13) المسلمون والعرب فى الجيش الأمريكى .. الولاءُ لمَنْ ؟!
2008-06-13
10336 قراءة
د - أحمد إبراهيم خضر
التعليقات والردود
1
و ما الغرابة في ان يقاتل هولاء المسلمين و هم يرون الحكومات المسلمة تتسابق لتقديم الدعم لامريكا في تقتيلها للمسلمين
فبنظر المسلم الامريكي هي حرب ضد ارهابيين متطرفين يهددون امن العالم و ما دعم قطر و الكويت و خاصة مهد الاسلام"دولة السعودية" الا دليل على دلك ,
و ادا كان رب العائلة نافخا مزمارا فلا تلومن الصغار على الرقص
فبنظر المسلم الامريكي هي حرب ضد ارهابيين متطرفين يهددون امن العالم و ما دعم قطر و الكويت و خاصة مهد الاسلام"دولة السعودية" الا دليل على دلك ,
و ادا كان رب العائلة نافخا مزمارا فلا تلومن الصغار على الرقص