في مثل هذه الأيّام من ربيع الأنور، لكن من زمن آخر، يخيّل إليّ التجوال في أنهج وأزقّة المدينة العتيقة ترفقني الأذكار والمدائح النبويّة جلّ مسيري ينشدها أطفال الكتاتيب والمدارس القرآنيّة وروّاد الزوايا والمساجد، كلّما كاد يخفت مصدر صوتٍ منها بالابتعاد عنه إلّا واختلط به آخر آخذًا في العلوّ والوضوح بالاقتراب منه وقد يمتزج بآخر غير بعيد ينافسه أو لعلّه يعضده في تشنيف المسامع وتطييب النفس. ليمتدّ بنفحاته إلى جلّ أركان المدينة وأسواقها فلا يخلو سوق من إنشاد شيء من سريدة المولد واستذكار بعض أحداث السيرة النبويّة الشريفة في أحد الدكاكين أو التجمّعات.
كانت هذه الأجواء قبل التغريب الموحش للبلاد، فعلى أنّ أسبوع المولد النبويّ الشريف يعدّ عطلة لطلبة الكتاتيب ينالون فيه هبة ماليّة لقاء جهدهم ويزيّنون ألواحهم، فإنّهم لم يكونوا يهجرون الكتّاب بل يعمرونه صباحًا ومساءً مترنّمين بمدح خير الأنام بالهمزيّة والبردة وغيرها من الأشعار، بأسلوب يغرس فيهم من جملة ما يغرس الانضباط والتآزر والاتساق مع المجموعة، ويسهم في حالة عامّة تروّض الخواطر وتعطّر القول بالصلاة على النبيّ الأكرم في كلّ بقعة من المدينة أزيد من أيّ وقتٍ في السنة، كما تهذّب الأنفس بما يكون فيها من مواعظ باستحضار سيرة المصطفى وعظيم خلقه، علاوة على ما يكون من الناس من تقرّب إلى الله في تلك الأيّام بالصدقات وقراءة (والاستماع إلى) القرآن والسيرة والأذكار والأوراد، ليبلغ المشهد زخمه صبيحة المولد بتوافد الناس عامّة وأعيانًا على المساجد حيث تسرد قصّة المولد النبوي الشريف برواية أحد الشيخين الرياحي أو البرزنجي، ويتشارك الناس العصيدة "الزمنية" التي كانت وقتها من آخر الهمّ والاهتمام، فأضحت خليفتها المترفة أهمّ ما في الحدث عند العامّة.
لعلّها صورة غاية في الطوباويّة، لكنّها جزءٌ من مشهد عام في زمن كان الجانب النفسيّ والروحانيّ ذا الأولويّة رغم ظهور البهرج الخاوي وتنامي الطابع الشكليّ للحدث عند فئات. يقابله مشهد راهن للمناسبة يطغى فيه الشكليّ بحديث وفتنة البهرج والبطون، مقابل فتور ما يعمر النفس ويرتقي بها، لانحسار وتقوقع العادات والمظاهر الدينيّة العامّة التي كانت تطبع المشهد قبل التغريب الموحش. فالعطلة المطوّلة استحالت ليلةً ويومًا وحيدًا، والعادات والمظهر الديني المنحسر منذ عقود إذ أراد العودة للفضاء العام تمّ الانحراف به من قبل أهل المشأمة إلى مهرجان فلكلور تحضر فيه ترّهات الحضرة وحتّى الاسطنبالي وسلوكيات ما أنزل الله بها من سلطان، أعادت الوقع والأثر للناشفين القائلين أنّ المناسبة بدعة.
لكنّ الأوان لم يفت للتوجيه لما كان يحسن من مظاهر وعبادات في مثل هذه الأيّام لتعود مناسبة المولد النبويّ الشريف فرصة للارتقاء بقيم وأخلاق الناس وتقريبهم من دينهم. وقد كانت ذخرًا للطائفة المسلمة في الاتحاد السوفييتي لتقريب المسلمين من دينهم في ظل سياسات التضييق والمنع من النظام الشيوعيّ الدميم لجلّ ما يخصّ الدين من معاملات وعبادات طالت الصوم والصلاة والحج بدعوى التعارض مع السياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للاتحاد وما إلى ذلك (وهنا يجدر القول أنّ الاتحاد السوفييتي في سنين أفوله كان يحوي 500 مسجد فقط يعمل بصفة رسميّة. 500 مسجد لحوالي ال 50 مليون مسلم). غير أنّ علماء الدين أوجدوا سبلًا عديدة لإبقاء الرابط قائمًا بين المسلمين ودينهم، من ذلك كان الاحتفال بالمولد النبويّ الشريف ففي سنة 1968 على سبيل المثال تبع الاحتفال الرسميّ بالجامع الكبير بـ قازان ثمانون احتفالًا خاصًا شملت الصلاة والمواعظ وتلاوة وقراءات من السيرة، كما تورد هيلين 'دانكوس'، وقد وجد خبير سوفييتي أنّ عدد المواعظ التي ألقيت يومها يفوق ما ألقي في المساجد طوال عام كامل. أجل، وجب مزيد العمل ليعود لهذه المناسبة الدينيّة شيء من سابق عظيم أثرها، والحيلولة دون انحرافات جماعة الفلكلور والاسطنبالي.
المولد النبوي كما كان في تونس.. وكما يجب أن يكون
2026-08-20
20 قراءة
عبد المنعم حواس
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن