قرأت لبعض المتابعين الكرام، لما سمعوا فكرة المنهج الجذري التي اعتمدها منطلقا، تصنيفهم لما أكتب بأنه يقترب من كتابات سيد قطب
واليوم قرأت أيضا لأحد المتابعين الكرام تصنيفه لما أكتب، خاصة في تناول بيوتات الزيتونة، وقوله إنه مفاصلة عقدية على نمط سيد قطب
وأنا أقول إن هذه التصنيفات غير دقيقة، بل غير سليمة، والحقيقة أن إطلاق هؤلاء هذا التصنيف سببه اعتمادهم تناولا قبليا تحكميا، مما يعني حتمية قولبتك في وعاء جاهز، لكنه قاصر
فوزي مسعود يقدم مشروعا اسمه "منهج النمذجة الفكرية"، يشترك مع منهج سيد قطب في بعض الزوايا، لكن ماعدا ذلك هناك فروق كبيرة
ومايلي الفرق ببن منهج النمذجة الفكرية (1) ومنهج سيد قطب (*)
**********
لماذا لا يُعد "منهج النمذجة الفكرية" إعادة لـمنهج سيد قطب
يقع العديد من المتابعين في فخ الإسقاط السريع كلما صَدَمَهم طَرْح معرفي يعادي الهيمنة الغربية كليا وينطلق من مرجعية عقدية حاسمة. ومن ذلك التشبيه الذي يجمع بين ما يطرحه فوزي مسعود في "منهج النمذجة الفكرية" وبين أدبيات سيد قطب، بدعوى التقائهما في فكرة المفاصلة العقدية أو رفض المركزية الغربية
أولا: لماذا يلجأ البعض لهذا التشبيه
* الاشتراك في الموقف المبدئي من الغرب: كِلا الطرحين يرفض التسليم بالنموذج الغربي كحالة مطلقة أو نهائية، ويؤكد وجود صراع عقدي ومفهومي.
* الاعتماد على المرجعية العقدية: كلاهما يجعل المبدأ العقدي هو المحرك والموجه للتدافع
* غياب ثقافة النمذجة: اعتاد الجمهور العربي على معالجة قضايا الهيمنة إما بأسلوب الخطابة والوعظ، أو بالاستسلام الانبهاري. فلما قدّم فوزي مسعود نقدا حادا للغرب استنادا إلى أطر هندسية وخوارزميات، لجأ القارئ لربط الطرح بأقرب قالب مخزن في ذاكرته وهو سيد قطب
ثانياً: الفوارق البنيوية بين المنهجين
1. طبيعة الأدوات واللغة (بين الأدب والهندسة)
انطلق سيد قطب من خلفية أدبية ونقدية انفعالية، اعتمدت على البيان واللغة الشاعرة والمفاهيم المباشرة (مثل الجاهلية، والحاكمية، والمفاصلة الشعورية).
في المقابل، يتحرك فوزي مسعود بأدوات حاسوبية وهندسية صلبة، فهو يدرس مجتمعاتنا كشبكات تخضع لقوانين البناء البرمجي والموجهات (vecteurs) والدوال الرياضية، وقوله أن المفاهيم ليست ماهية لفظية مطلقة وإنما هي عُقَد لإحداثية (coordonnées) في مجال مفاهيمي متولد من مركزية عقدية، متجاوزا الخطاب الوعظي إلى التفكيك البنيوي
2. تفكيك التبعية (من المواجهة الوجدانية إلى الربط البرمجي)
يرى سيد قطب التبعية كحالة انحراف عقدي وسياسي تتطلب مواجهة مباشرة ومفاصلة واقعية.
بينما يُشرح فوزي مسعود التبعية عبر نظرية "الربط اللامادي"، مبنيا كيف تستمر التبعية برمجيا ومفهوميا حتى بعد جلاء التواجد العسكري، عبر مسار دقيق يمر بثلاث مراحل: (الاقتلاع، ثم التحويل الذهني، وصولا إلى الإلحاق بالمُغالب العقدي)
3. طبيعة التأثير والتضاعف
يفترض الطرح القطبي التقليدي أن المفاصلة تقطع التبعية فوريا بمجرد اتخاذ الموقف العقدي.
بينما يثبت منهج النمذجة الفكرية بلغة الرياضيات أن أثر التبعية الذهنية يتضاعف وفق "نمو رياضي أُسي متصاعد" يلتهم المحاولات الإصلاحية، ما لم يُعد بناء السلسلة المعرفية من لحظتها القبلية الأولى، وهذا بعض نتائجه ضرورة التناول الجذري
4. التقييم المعرفي والتمييز الإبستمولوجي
ركزت الأدبيات الحركية القديمة على ثنائية الإيمان والكفر والشرعية السياسية من زاوية قطعية
أما فوزي مسعود فيقدم أدوات تقييم نقدية تفرّق بين "الصوابية الوجودية القبلية" و"الصحة القياسية البعدية"، ويُدخل متغير "الزمن البنيوي" كشرط أساسي لفهم وتفكيك الظواهر المركبة
5. التفريق بين الفكر والمعرفة
يميز فوزي مسعود بدقة بين "المعرفة" بصفتها نشاطا تخصصيا يقتطع جزئياته من حقل معلوم ومُسلم به مسبقا (دالة الاشتقاق الرياضي)، وبين "الفكر" بصفته عملاً تجميعيا وتأسيسيا يبحث في المجاهيل ويبني الأطر العليا (دالة التكامل الرياضي). وهو تفريق حاسم يمنع خطأ استدعاء أصحاب الاختصاصات الجزئية (الذين يسلمون بتاطيرات الواقع، ومنهم المشتغلون بالاسلاميات) للبت في المساحات الفكرية التأسيسية، وهو ما لايتقنونه
بالمقابل تجاهل منهج سيد قطب، أو خلط بين المعرفة والفكر، في تسليم لماهو متداول
(*) المقارنة في هيكلها، أنجزها جيميني
------------
(1) للمزيد حول منهج النمذجة الفكرية، يمكن الاطلاع على:
ما هو منهج النمذجة الفكرية
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=12701
المعمارية النسقية لمنهج النمذجة الفكرية
https://www.myportail.com/al_manhaj_theoretical_architecture.php
المركزية العقدية: المفهوم، المعنى، الفعل
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=12570
"منهج النمذجة الفكرية" ليس منهج سيد قطب: قراءة في الفروق البنيوية
2026-08-14
382 قراءة
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن