مقالات عن: الحكم

عن مطلب الشورى، والفتنة

2026-08-06 30 قراءة عبد المنعم حواس
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
استرجاع الفتنة الكبرى ليس من باب الماضويّة والهرب من الواقع. إنّما هو استدعاء لحظة مفصليّة من صدر الإسلام في صورة سرديّة منها عن الفترة المؤسِسة، تمثّل مرتكز ومرجع قوى وفرق لإضفاء الشرعيّة على نظام الحكم المتبنّى وترويض منظوريه. ونحن راهنًا إزاء قوّتين انحرفتا عن الأصل إلى سرديّتين تشرعنان لسلاليّة إطلاقيّة لم توجد ولم تكن مطلبًا عند مرجعيّاتهما لفترة الفتنة. وهو ما جعل الشيعة يغرقون في الخرافة لتبرير مرجعيّة ولاية الفقيه لسلالةٍ غابت، فيما انحرفت الممالك السنيّة الحالية إلى تثمين وإعلاء الشخصيّة المنقلب معاوية، تبريرًا لحكم الإطلاق والدّعة العضوض الذي يتّبعون، وقد حاربت هتان القوتان القوى الأصوليّة الناشئة والصاعدة بسدريّة تعلي فترة الشورى وتروم استعادة ما يقاربها، وإن تنحرف فيها إلى الدعة لا الاخشيشان المطلوب، سيما في فترة التأسيس.

وإنّي هنا أعود باقتضاب شديد إلى فترة الفتنة - أو السرديّة التي أتبنّى عنها - لتبيان محوريّة مطلب دولة الشورى عند سادتنا رضي الله عنهم: فـ أبو بكر صار إلى الخلافة بالشورى، بما في اللحظة من ملابسات، وأخضع نفسه للرقابة الدنيويّة إلى جانب الإلهيّة، وأحال الأمر من بعده إلى الشورى لا إلى السلالة. وعمر سار على نهجه وأوصى بها شورى. وعثمان تشبّث بهذه الهيئة للدولة في وجه الأفظاظ الناكصين إلى القبليّة بعد أن دحض إفكهم بالحجّة، وإن أخطأ إذ لم يتّخذ الحيطة العسكريّة تجاههم. وعليّ بعد أن رضي الشورى وبايع منافسه عثمان، وأحجم بعد مقتله عن قبول البيعة المتسرّعة، ردّها إلى الشورى فآلت إليه بها، وحارب في معاوية تمرّدًا على دولة الشورى ونعرة قبليّة وشقًّا للصفّ.

والسيّدة عائشة وطلحة والزبير ابتغوا في مطلب إنفاذ القصاص قطع دابر القلاقل، وإنهاء حالة إفلات من العقاب صارت تضعف دولة الشورى، وإن كان الخروج بجيش غير محمود، وإن استدعته حالة الفتن لكن استغلّه أهل الفتنة. كما كان تردّد عليّ في معالجة إشكال وجود قتلة عثمان في معسكره سياسةً غير وجيهة، وإن كان إزاء مشكلٍ عويص بكثرة القتلة وتفرّق الدم بينهم، إذ نجحوا في ما حبط فيه سابقًا كفّار قريش.. ووقت كان عليّ يحتضر، رفض التوصية بالأمر لابنه، بل ردّ الأمر إلى الشورى. وإذ تولّى الحسن الخلافة حارب وسالم بهدف ردّ الأمر إلى الشورى، وإن نالها معاوية هكذا بلا شورى. وبعد أن نكث معاوية عهده للحسن بوفاة الأخير، وأخذ البيعة لابنه يزيد، رفض الحسين البيعة. وبموت معاوية، خرج الحسين مواجهًا يزيد، مطالبًا بردّ الأمر إلى الشورى، ودفع حياته ثمنًا لمطلب استعادة دولة الشورى، وكان هذا مصير عمر بن عبد العزيز عندما حاول بدوره استعادتها.

وإنّي أضيف ما لخّصتُ من نظرتي لـ معاوية، وقد شخصنَتْ القوّتان المنحرفتان فيه ما تخاتلان به عن غيّهما:

لم يكن معاوية شيطانًا كما يحبّ الشيعة، ولم يكن خلفًا سويًا للسلف الراشد كما انحرف بعض جماعة السنّة في تصويره في ارتداد غير سويّ لعمليّة الشيطنة. أجل افتتن معاوية بالجاه والبنين ()وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ()-(الأنفال،28)- ، فقد استحبّ ما بلغ من دعة وسلطة امتدّت فترة طويلة وكان الثأر لعثمان مطيّة لدحض قرار عزله في مرحلة أولى، وقد ترك قميص عثمان دونه وقت استتبّ له الأمر، ثمّ أحبّ أن يبقى الأمر في نسله مخالفًا سنّة من سبقه سواءٌ عليٌ كما أسلفنا أو عمر الذي ردّ على من أشار باستخلاف ابنه عبد الله رضي الله عنه: "قاتلك اللّه، والله ما أردت اللّه بهذا...". لقد كان معاوية صالحًا في رعيّته، واستمر في نهج الفتوحات وتطوير مؤسّسات الدولة التي بدأت من قبله في سلفه، لكنّه افتتن بالترف مفسد الحكم بغير مضيّ إلى المحرّمات فيه عكس ما تدّعي مراجع الشيعة.

كان ما افتتن به معاوية أوّل اهتزاز مؤثّر عن ذروة المنحنى القيميّ الأخلاقي العالي الذي أنتجه الإسلام، كان منطلق الحكم العضوض، حكم إطلاق سلالي تضعف فيه السلطتان الرقابيّتان اللّتان ميّزتا الخلفاء الراشدين في إطار الحكم الشوريّ: الإلهيّة (بحكم تخيّر الأجدر من بين السائرين على نهج النبيّ ، وما يحملون من ورع وتقوى) والدنيويّة (رقابة أهل الحلّ والعقد المحيطين بالخليفة القريبين من صفاته)، وكلاهما سار في تراجع فالسلاليّة لا تنتج دائمًا من يحمل المواصفات المطلوبة للحكم وعصبيّتها تضعف ثمّ تقوّض الرقابتين. وحال حكم الإطلاق السلالي العضوض راهنًا أظلم وأزيد انحرافًا بمراحل شاسعة ممّا كان في الفترة التي يحاول الاتكاء عليها لتبرير بقائه وفساده.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق