مقالات عن: صرغام عبد الله الدباغ

المناورة على حافة الانهيار

2026-07-25 14 قراءة د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المناورة / التمرين (Manove)وفق المفاهيم العسكرية، هي حركة القطعات، أو خوض معارك وهمية ولكن بأستخدام المعدات والأفراد، بالدقة التي تجري فيها المعارك الحقيقية، دقة تسمح حتى باستخدام ذخيرة حية (بنسبة معينة)، وبإعطاء الخسائر في الأرواح في سبيل تقديم صورة أقرب إلى المعركة الواقعية المرتقبة، أو الهدف الذي يجري تدريب القطعات عليه. وفي ذلك اختبار لأداء وكفاءة القيادات والأفراد والدقة في نقل الخطط إلى أرض تشبه أرض المعركة الحقيقية، ومن ذلك استخدام العتاد والمعدات، واستنباط دروس وعبر من المناورة.

أما المناورة السياسية (Political Manove)، فهي تحركات تقوم بها الحكومات، ولكنها تخفي الهدف الحقيقي من تحركاتها، فهي إما :
1. لإيهام الطرف(الأطراف) الأخرى وصرف انتباهها عن هدفها الحقيقي .
2. جس نبض الأطراف الأخرى حيال هدفها.
3. حساب ردود الأفعال المحتملة من الخصوم والأصدقاء.
4. أختبار قدرات الجسم السياسي في تحرك واسع واستباط العبر.

ولابد من التذكير، بأن المناورة السياسية، قد تكلف جهداً غير يسير، ووقتاً ربما يكون ثميناً، هذا ناهيك إذا نفذت المناورة بصورة غير مدروسة بعمق، ولا تؤدي إلى الغايات المرجوة منها. ومن ذلك على سبيل المثال، لجوء القيادات إلى المخادعة (Blof)، وهذه قد تكون مفيدة أحياناً ولكنها تصبح مضرة إذا تكررت أو إذا جرى تنفيذها بصياغة سيئة، وتؤدي إلى فقدان المصداقية، وإلى فساد كبير وربما انهيار في العمل السياسي.

والعمل في المراتب القيادية، وهي مواقع تتطلب مواصفات خاصة في من يشغلها، منها أن يكون على أعلى درجات المسؤولية والشعور المرهف البالغ الحساسية. ذلك أن المصير الشخصي والسياسي للكتل البشرية التي يتولى قيادتها مرهون بدرجة كبيرة بسلامة القرارات التي يتخذها، أو التي يساهم بأتخاذها. ويتعدى الأمر هذه الحدود ليبلغ درجة المجازفة بمكونات أساسية من كيان البلاد والدولة، عندما تكون قرارات القائد، أو القيادة على مستوى البلد بأسره، حينذاك تتراجع أهمية المصائر الشخصية للأفراد وحتى الحكومة، حين يكون مصير البلد والدولة مطروحاً، في ظل تحديات تنطوي على أخطار محدقة أو محتملة.

والمطلوب من القيادات أن تكون بمستوى الحدث، أو الأزمة (المشكلة)، وبديهي سيكون هنا حجم الخطر كبير، واتخاذ القرار عملية خطرة، ينبغي أن تتم بدرجة عالية من الدقة والحرفية. والابتعاد قدر الإمكان عن الشأن أو الدوافع الذاتية، وصولاً إلى التحرر منه بصفة تامة، لأن آثار المشكلة سوف تتعدى في نتائجها الجوانب الشخصية.

ومن المؤكد أن شخصيات كهذه القادرة على اتخاذ قرارات خطيرة لابد لها أن تكون على درجة عالية من النزاهة والشجاعة، ولكن أيضاً على مستوى من الحنكة السياسية والقدرة على استطلاع الموقف بأبعاده، والتنبؤ بردود الأفعال المحتملة من كافة الأطراف المهتمة بالأزمة. نعم هناك حيز بسيط من القبول بالمجازفة والتمتع بقدر من الصفات الشخصية المتمثلة بالشجاعة الكافية لتحملها، وبرباطة جأش وتوازن، ولكن هذه لا تعني المجازفة في وضع مائل (غير مستقر) أوفي حالة فقدان التوازن، والمجازفة قد تعني في هذه الحالة التضحية بإحدى المقومات الأساسية للدولة، وهو ما لا ينبغي الإقدام عليه، والتغلب على أحكام ودوافع الهوى.

أما إذا بلغت تعقيدات الموقف السياسي واكتسبت طابعاً ينبأ بالخطورة وفقدان السيطرة على مفردات العملية / الأزمة، فمن الأفضل، أن تسعى القيادات إنقاذ ما يمكن إنقاذه، واستخدام كل السبل لتقليل الخسارة، فالمجازفة بفقدان عناصر أساسية، وذلك بإثبات المصداقية، والشفافية، والقبول بتضحيات هي بسيطة حيال مخاطر فقدان عناصر ومرتكزات أساسية في الدولة.

وأخطر ما يواجهه السياسيون خلال أتخاذهم لقراراتهم السياسية، هي أحكام الهوى وبتقديري، أن السياسي المحترف، الذي يتحمل مسؤوليات تتخطى كيانه الشخصي، لا ينبغي أن يفكر ولو بأي مقدار بأحكام البغض أو المحبة، فهذه ستقوده لأتخاذ قرارات خاطئة، وبالتالي فإن المبالغة بالمناورة ولا سيما في موضوعات وحدود ساخنة، تنطوي على مجازفات لا يتمكن منها إلا السياسيون البارعون، وبشرط عدم المبالغة والإسراف.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق