مقالات عن: الربط اللامادي

جامعات تونس: مقرّات نَبْتُ الزّقّوم والدِّيَكة المتصارعين

2026-05-14 192 قراءة فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في فعل يمثّل أقصى درجات الإهانة، تتخذ دولة أجنبية قرارات خارج تونس لفرض لغتها علينا، من دون أن يُستثار التونسيون، بل تبدو فرنسا مطمئنة لغياب أي ردود فعل رافضة، حتى في أدنى درجاتها، لأنها متأكدة أنها تتعامل مع بلاد تم اقتلاعها وإخضاعها ذهنيًا منذ فترة

فرنسا تخطط لمزيد من تدريس اللغة الفرنسية في جامعات تونس الخاصة والعمومية، وتعرف أن الطلبة التونسيين لن يعترضوا، لأن المنظمات الطلابية لدينا ترى أن قضايا الأكل والسكن الجامعي أهم لديها من تبوّل فرنسا عليهم وعلى أهاليهم أجمعين

الآن، هل عرفتم لماذا أقول إن المنظمات الطلابية لدينا، التي تتعارك دوريًا عراكًا بينيّا عقيما، وتنظم الانتخابات الطلابية التافهة وتنتصر فيها، هي هياكل شكلية تصطنع القضايا الوهمية وتنفخ فيها لتبرير وجودها، تستوي في ذلك المنظمات الطلابية العلمانية والإسلامية

وهل عرفتم لماذا أقول إنه، في الحقيقة، لا فرق بين من يقولون إنهم إسلاميون أو ذوو هوى إسلامي من جهة، والعلمانيين من جهة ثانية، لأنهم كلهم سواء في مستوى قبولهم بتأطيرات تونس الحديثة وانضباطهم بالمساحة والسقف اللذين حددتهما فرنسا، لهم أن يتعاركوا ما شاء لهم أن يتعاركوا، عراك الأطفال في الروضة، لكن ليس لهم أن يتجاوزوا ما تحدده المعلمة في القسم

--------

ثم إن فرنسا تقرر ماذا يجب على أساتذة الجامعات التونسيين أن يدرّسوا، وبأي لغة يدرّسون، وهي تعرف أن هؤلاء سينفذون ما تقرره فرنسا ولن يعترضوا
ومتى اعترض أساتذة الجامعات التونسيون على فرنسا، هؤلاء يمكن أن يعترضوا على أي شيء إلا على فرنسا

يمكن لأساتذة جامعات تونس هؤلاء أن يعترضوا على خالق الكون، ويشككوا في وجوده، ويهينوا شعبًا كاملًا من وراء ذلك، ويمكنهم أن يعترضوا على صحة القرآن وينظموا “الندوات العلمية” في ذلك، ويمكنهم أن يتناولوا كل المقدسات إلا أن يقتربوا من فرنسا

وهل كان أساتذة جامعات تونس هؤلاء إلا نبت الزقوم الذي رعته فرنسا منذ عقود حتى استوى واستغلظ (*)

وهل كانت جامعات تونس، خاصة في شق الإنسانيات، إلا بؤرًا أُعدّت للترويج لعلوية المركزية الغربية والتبشير بفضائلها والإقناع بالتبعية لها، تحت مزاعم متنوعة، منها التنوير والقيم الكونية وغيرها من الأساليب

وهل كانت فرنسا تتعهد زرعها وترعاه إلا لمثل هذا اليوم وهذه المهام، فكيف ننتظر من أساتذة جامعات تونس أن يعترضوا على فرنسا وعلى تدريس لغة أجنبية في طور الانكماش، يتم اقتلاعها من دول إفريقيا جنوب الصحراء ثم تطارد، ويُعرض عنها أهلها في فرنسا ثم تستبعد، ولا تجد ملاذًا آمنًا إلا لدينا هنا في تونس، في بلد يبدو في حالة خضوع ذهني في مرحلة متقدمة

--------

وهل عرفتم الآن ماذا أقصد بالربط اللامادي، وماذا يعني أنه أخطر من الربط المادي، هل عرفتم الآن معنى الانفجار الأسّي، وهي نقطة وصول التبعية إلى مرحلة التوالد الذاتي، حين تنعدم قدرات إدراك الخطر وتتحول الضحية إلى الدفاع عن المتحكم فيها، وهي المرحلة التي نعيشها الآن، حيث غاب تمامًا إدراك خطر فرنسا وخطر اللغة الفرنسية، مما جعل فرنسا تتخذ القرارات لفرض تدريس لغتها في تونس وهي مطمئنة لغياب الردود ضدها

(*) ما أقوله يصح على النسبة الغالبة من أساتذة جامعات تونس، وذلك من خلال استقراء الساحة، ويُستثنى من ذلك أقلية تحاول التحرك الفردي، لكنها لا تمثل تيارًا فاعلًا مؤثرًا

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق