مقالات عن: محمود المسعدي

إبستيمولوجيا التبعية: حفريات في اللامفكر فيه داخل وثيقة ديبياس وانبثاق العقل الملحق في تونس

2026-04-10 185 قراءة عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في هذه الزنزانة التاريخية الكبيرة حيث تُدفن الحقائق تحت أكوام من المساحيق السياسية والخطب الرنانة
تبرز وثائق ليست كمثلها وثائق.
إنها ليست مجرد أوراق صفراء تآكلت أطرافها في رفوف الأرشيفات الصامتة بل هي خرائط جينية شيفرات وراثية صُممت بدقة متناهية لتشكيل وعي شعب بأكمله بل قل لخصيه ثقافياً وتاريخياً.
نحن اليوم لا نتحدث عن التاريخ كرفاهية معرفية بل نتحدث عنه كغرفة عمليات جراحية حيث تم استبدال قلب الهوية التونسية بقلب اصطناعي مستورد من مصانع التفكير الاستعماري وتحديداً في لحظة فارقة كانت تسمى زيفاً بفجر الاستقلال.
إن المتأمل في مسار الدولة التونسية بعيداً عن الرواية الرسمية التي تلوكها كتب التاريخ المدرسية المهترئة
يجد نفسه أمام أحجية كبرى تكشف كيف تمكنت قوة استعمارية منسحبة عسكرياً، يجر جنودها أذيال الخيبة في بنزرت وغيرها من الحفاظ على هيمنة روحية وفكرية ولغوية لم ينجح الجنرال بوا بسبعة عقود من الحديد والنار
في فرضها.
الجواب يا سادة لا يكمن في ثكنات الجيش الفرنسي بل في الفصول الدراسية التي هندسها رجل لم يكن يحمل بندقية بل كان يحمل قلماً ومسطرة ومشرطاً، رجل يدعى جان ديبياس الذي خط في جانفي من عام 1958 وثيقة كانت بمثابة القنبلة الموقوتة التي لا تزال شظاياها تمزق نسيجنا الوطني إلى يومنا هذا تحت مسمى مشروع إصلاح التعليم في تونس.
هذا المقال الذي بين أيدينا اليوم ليس مجرد رصد لأحداث غابرة بل هو فك لشيفرة عملية تدوير الاستعمار عبر قراءة استخباراتية وسوسيولوجية ونفسية معمقة تستند إلى ما جادت به أرشيفات المخابرات الفرنسية التي لا تزال تعتبر تونس حديقتها الخلفية وشهادات الفاعلين الذين عاشوا تلك المجزرة الصامتة.
نحن أمام عملية هندسة ذاكرة منظمة حيث تم استبدال المستعمر المباشر بمستعمر داخلي، نخبة مهجنة تحمل الفكر ذاته واللغة ذاتها، تلبس ربطات عنق باريسية وتتحدث عن الحداثة والتنمية بينما هي في الحقيقة مجرد وكلاء حصريين لمشروع ديبياس الذي ولد في دهاليز مركز الدراسات النووية في ساكلي بفرنسا.
نعم، جان ديبياس لم يكن مصلحاً تربوياً بالمعنى التقليدي بل كان فيزيائياً نووياً ومفتشاً عاماً للتعليم الوطني الفرنسي وكان يدرك أكثر من غيره أن السيطرة على العقول تشبه تماماً السيطرة على الانشطار النووي، كلاهما يحتاج إلى ضبط دقيق للمكونات لمنع الانفجار أو لتوجيهه نحو أهداف
محددة سلفاً.
كان ديبياس خبيراً في تونس ،مديراً للتعليم الابتدائي في عهد الإستعمار وكان يعرف أن الخطر الأكبر على النفوذ الفرنسي ليس في السلاح بل في تعريب التعليم وربط الطفل التونسي بجذوره العربية الإسلامية.
وهو ما بدأه فعلياً الوزير الأمين الشابي قبل أن يتم ذبحه سياسياً على مذبح الترضيات الدولية.

كانت تونس في عام 1958 تعيش مخاضاً هوياتياً عسيراً وكان الرهان هو التوفيق بين العلوم الحديثة والهوية الوطنية التي صقلتها قرون من الانتماء لجامع الزيتونة والمدرسة الصادقية.
لكن الصراع في أروقة الحكم كان محتدماً بين رؤيتين متصادمتين، رؤية الوزير الأمين الشابي ومدير ديوانه محمد مزالي التي كانت تنادي بوطنة التعليم وإعادة الاعتبار للغة الضاد كحاملة للفكر والسيادة ورؤية أخرى كانت ترى في التبعية لفرنسا قدراً لا مفر منه تحت غطاء الواقعية واللحاق بركب التمدن.
وهنا تدخلت القوة الناعمة الفرنسية عبر ديبياس الذي قدم مشروعه المكون من مائة واثنتي عشرة صفحة كطوق نجاة لدولة ناشئة تعاني من فقر في الموارد ونقص في المدرسين.

كانت خديعة ديبياس تكمن في تقديم الحلول التقنية الجاهزة التي تسلب القرار السيادي حيث اقترح تقليص سنوات التعليم الابتدائي من سبع إلى ست سنوات وخفض ساعات الدراسة، ليس حباً في التخفيف عن التلاميذ
بل لخلق فائض في الوقت يسمح للمدرس الواحد بالقيام بجهد مضاعف مما يقلل الحاجة لمدرسين وطنيين قد يحملون فكراً مقاوماً ويبقي الباب موارباً لاستقدام المتعاونين الفرنسيين الذين سيقومون بمهمة التبشير الثقافي الجديد.

إن الدراما السياسية التي شهدتها سنة 1958 تكشف كيف تم تنفيذ انقلاب هوياتي مكتمل الأركان حيث تمت إقالة الأمين الشابي في ماي من ذلك العام لأنه تجرأ على معارضة خطة ديبياس واعتبر أن تعريب التعليم الابتدائي حتى السنة الرابعة هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
وفي مقابل هذا الموقف الوطني صعد نجم محمود المسعدي الأديب الذي كان يمتلك سحراً لغوياً استثنائياً
لكنه وضع عبقريته في خدمة مشروع ديبياس.
المسعدي كان الواجهة المثالية، القناع التونسي الذي غطى الوجه الفرنسي للمشروع حيث استطاع تسويق التبعية على أنها انبعاث تربوي وفي نوفمبر من نفس العام صدر القانون رقم مائة وثمانية عشر الذي لم يكن سوى ترجمة حرفية
أو تونسة إدارية لما خطه ديبياس في جانفي.
ومنذ تلك اللحظة المشؤومة ولدت المدرسة التونسية وهي تعاني من انفصام لغوي حاد ، أجيال تفكر بلغة وتتحدث بأخرى، نخبة مغتربة ترى في لغتها الأم عبئاً وفي لغة الآخر خلاصاً وهو ما يفسر لماذا لا يزال التلميذ التونسي اليوم يشعر بالغربة في وطنه وبأنه مجرد رقم في معادلة اقتصادية صممها شخص كان يدير المفاعلات النووية في فرنسا.

كانت تصفية التعليم الزيتوني هي الجراحة النفسية الأكثر قسوة في هذا المسار فجامع الزيتونة لم يكن مجرد مؤسسة دينية بل كان القلعة الحصينة للهوية وبغلقه أو تحويله إلى كلية هامشية تم إفراغ المجتمع التونسي من مرجعيته الروحية واستبدالها بمنهج تقنوي جاف يقدس المادة
والارتقاء الوظيفي.
إننا أمام جريمة إخصاء ثقافي جعلت من المدرسة أداة لتدجين الإنسان بدلاً من تحريره وكما يشير المؤرخون الصادقون من أمثال التيمومي والتميمي فإن الدولة البورقيبية استخدمت المدرسة لتشكيل إنسان جديد مقطوع الجذور يسهل قيادته وتوجيهه نحو الغرب كقطيع يتبع راعيه.

وثيقة ديبياس كانت تعمل بدقة مذهلة فهي لم تهدف فقط لتعليم الناس بل لهندسة طبقات اجتماعية
حيث تظل القيادة والإدارة حكراً على من يتقنون لغة ديبياس بينما يترك الباقون في غياهب التهميش الثقافي والاجتماعي.

تعتبر هذه العملية نموذجاً كلاسيكياً للاختراق الثقافي بعيد المدى حيث استثمرت فرنسا في العقول بدلاً من القلاع. واختفاء اسم ديبياس من السجلات الرسمية التونسية ومن الرائد الرسمي لم يكن صدفة إدارية بل كان عملية تغطية استراتيجية لحماية شرعية النظام الناشئ
إذ لو عرف التونسيون حينها أن ثورتهم التربوية هي صناعة فرنسية لثاروا ضدها.
الأرشيف الفرنسي في نانت وباريس لا يكذب فهو يحتفظ بالمراسلات التي تؤكد أن ديبياس كان ينسق مع السلطات الاستعمارية لضمان بقاء تونس داخل الفلك الفرنكوفوني وهو الفلك الذي لا نزال ندور فيه كأقمار صناعية فقدت مسارها.

ما نعيشه اليوم من تبعية اقتصادية وسياسية هو الثمرة المرة لتلك البذرة التي زرعت في 1958، فمن يسيطر على لغة التفكير يسيطر على القرار ومن يمتلك مفاتيح المدرسة يمتلك مفاتيح المستقبل.

هذا الاستلاب الثقافي هو الذي يفسر حالة التيه التي نعيشها حيث لا نزال نتجادل حول كمية العربية وكمية الفرنسية في المناهج دون أن نجرؤ على المساس بجوهر المنظومة التي صممت لتجعل منا مستهلكين للمعرفة لا منتجين لها.

إننا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ثورة تربوية تقطع مع إرث ديبياس، مدرسة تنطلق من ترابنا ومن حاجات أطفالنا، تجعل من لغتنا لغة علم وإبداع وتجعل من التعليم أداة للسيادة الوطنية الحقيقية.
السيادة لا تكون فقط في النشيد الوطني والعلم المرفرف بل في المنهج الدراسي الذي يقرر ماذا نقرأ وكيف نفكر
وبأي لغة نحلم.
إن الدول التي لا تكتب مشروعها التربوي بيديها سيبقى الآخرون يكتبون مصيرها بالحبر الذي تضطر لشرائه منهم وسيظل التاريخ يضحك علينا بينما نلوك أوهام الحداثة التي صممها لنا فيزيائي نووي فرنسي في لحظة غفلة وطنية.

آن الأوان لفتح الصندوق الأسود لعام 1958 ليس من أجل البكاء على الأطلال بل من أجل فهم كيف تم اختطاف المستقبل.
القراءة السوسيولوجية لهذا المسار تكشف أننا لم نخرج من الاستعمار بل دخلنا في مرحلة الاستعمار الداخلي
حيث تقوم النخبة المحلية بدور الحارس الأمين لمصالح المركز.
وهذه النخبة هي نتاج مباشر لمدرسة ديبياس، المدرسة التي تعلمك كيف تكون تقنياً ناجحاً لكنها تمنعك من أن تكون مواطناً حراً يمتلك وعياً نقدياً وتاريخياً.
إننا نعيش في عالم تتصارع فيه الأمم على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بينما لا تزال مدرستنا سجينة وثيقة عمرها سبعة عقود، وثيقة صممت لإدارة مجتمع ما بعد الإستعمار وليس لقيادة أمة نحو القرن الواحد والعشرين.
إن التحدي الأكبر اليوم هو كيف نستعيد استقلالنا التربوي وكيف نبني منظومة تعليمية تعيد ربط الطالب بتراثه الزيتوني العظيم وبآفاق العلم الحديث دون مركب نقص.

إن صمت الأرشيف التونسي عن دور ديبياس هو صمت مريب يعكس رغبة السلطة في الحفاظ على أسطورة الانبعاث الذاتي لكن الحقائق لا تموت وهي تطل علينا اليوم من خلال أزماتنا المتلاحقة من خلال جيل ضائع يبحث عن هويته في قوارب الموت أو في الانغلاق الفكري.
إننا بحاجة إلى مكاشفة وطنية، إلى اعتراف شجاع بأننا أخطأنا الطريق عندما قبلنا بأن يرسم لنا الآخرون ملامح عقولنا.
مشروع ديبياس كان هو الطلقة الأولى في حرب لم تنتهِ بعد حرب على الهوية وعلى الذاكرة وعلى السيادة.
وإذا أردنا فعلاً أن نكون أسياداً في وطننا فعلينا أولاً أن نكون أسياداً في مدارسنا وأن نمزق تلك الوثيقة التي كتبها الغريب لكي نكتب نحن ميثاقنا التربوي الجديد بمداد من سيادتنا وكرامتنا بعيداً عن ظلال باريس وأوهام المركزية التي جعلت منا مجرد هوامش في كتاب يكتبه الآخرون.

التاريخ لا يرحم الضعفاء ولا يرحم الذين يفرطون في لغتهم وهويتهم مقابل فتات من المعرفة التقنية المشلولة
واليوم نحن أمام اللحظة الحاسمة
فإما أن نستمر في العيش كظلال لديبياس أو أن نخرج من كهفه لنبني مدرسة تليق بشعب يطمح للحياة والسيادة والكرامة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق