مقالات عن: الخيانة

سيميولوجيا الخيانة المقدسة: تشريح الدولة كحظيرة أمنية ووطنٍ يُدار بعقلية المرتزقة والقتلة.

2026-04-10 470 قراءة عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في هذه الجغرافيا المثقلة بالأسرار حيث يختلط عرق المناضلين بدم الضحايا تحت شمس تونس الحارقة
يبرز اسم البشير زر العيون ليس كمجرد رقم في سجلات المقاومة أو موظف في دواوين الدولة بل كمهندس صامت للمقصلة وصندوق أسود لحقبة لم تكتمل فصولها بعد.
إننا أمام شخصية تراجيدية بامتياز رجل خرج من رحم جزيرة جربة ليصنع من ظله دولة ومن صمته تاريخاً موازياً لتاريخ الزعيم الحبيب بورقيبة.
إن دراسة مسيرة هذا الرجل ليست مجرد ترف فكري أو نبش في القبور بل هي غوص في المختبر السري الذي طُبخت فيه الدولة الوطنية تلك الدولة التي ولدت من خاصرة الصراع وتغذت على الاغتيال وشيدت أعمدتها على أشلاء الرفاق القدامى.
ولد البشير زرق العيون عام 1912 في بلدة ميدون بجزيرة جربة تلك الجزيرة التي منحت تونس تجاراً مهرة وسياسيين دهاة لكنها في حالة زرق العيون منحتها رجلاً يتقن لغة الرصاص بقدر ما يتقن لغة الحساب.
ومن المفارقات الساخرة في هذا المشهد الإغريقي أن جربة نفسها هي التي أنجبت خصمه اللدود وابن خالته صالح بن يوسف ليكون الصراع بينهما ليس مجرد خلاف أيديولوجي بل تمزيقاً للوشائج العائلية على مذبح السلطة المطلقة.
لم يكن زرق العيون سياسياً يفتن الجماهير بخطاباته بل كان رجل الميدان، الرجل الذي يمسك بالخيوط من الخلف والذراع التي لا ترتعش حين يطلب الزعيم حسم الأمور بعيداً عن أضواء المنابر.
منذ انخراطه في العمل الوطني في الثلاثينات أدرك زرق العيون أن الاستقلال ليس مجرد وثيقة تُوقع في باريس
بل هو انتزاع للسيادة بالقوة.
وفي عام 1940 حين أصدرت سلطات الحماية الفرنسية حكماً بإعدامه لم يكن ذلك الحكم سوى شهادة ميلاد لأسطورته الشخصية. منحه الموت المؤجل شرعية لا تدانيها شرعية وجعل منه قائداً لمنظمة اليد السوداء ذلك التنظيم السري الذي كان يمارس العنف الثوري في أزقة العاصمة المظلمة.
هذه الخلفية القتالية هي التي جعلت الحبيب بورقيبة يرى فيه الرجل الموثوق والستار الذي يحمي طهارة الزعيم من قذارة العمليات الضرورية لبناء الدولة.

حين عاد بورقيبة باتفاقيات الحكم الذاتي في جوان 1955
لم يكن الصراع مع فرنسا هو الهاجس الأكبر بل كان الصراع مع الأخ العدو صالح بن يوسف.
في تلك اللحظة المفصلية تحول زرق العيون إلى عين بورقيبة التي لا تنام وأذنه التي تلتقط أنفاس اليوسفيين. كان زرق العيون يرى في بن يوسف المنادي بالاستقلال التام والارتهان للمحور الناصري تهديداً وجودياً لمشروع الدولة التونسية العصرية والفرنكوفونية.
وفي أروقة الحزب وفي جنيف كان زرق العيون هو المحرض الأول على الحسم والمهندس لسياسة الاستئصال التي ستطال الجناح اليوسفي.
انقسمت تونس حينها إلى فسطاطين، فسطاط بورقيبة الذي يرى في المراحلية ذكاءً سياسياً وفسطاط بن يوسف الذي يرى فيها خيانة وطنية.
وبينما كان الزعيم يمارس فن الخطابة كان زرق العيون يؤسس لجان اليقظة تلك الميليشيات الحزبية التي ستتحول إلى فرق إعدام ميدانية.
وتشهد وثائق الأرشيف العسكري في فانسان الفرنسية على ذلك التعاون المريب والمخزي أحياناً بين لجان زرق العيون والجيش الفرنسي لتصفيات الفلاقة في الجبال.
إنها مفارقة الدولة الناشئة التي تستعين بجلاد الأمس لتصفية رفيق الأمس.
الأرقام المفزعة التي تتحدث عن سقوط مئات الكوادر اليوسفية بين عامي 1955 و1956 ليست مجرد إحصائيات، بل هي جروح في ذاكرة الوطن لم تندمل.
كان زرق العيون يشرف على ما يمكن تسميته تنسيقية الدم حيث كانت المعلومة الاستخباراتية الفرنسية تتحول إلى رصاصة تونسية في قلب مقاوم يوسفي.
هذا المسكوت عنه في التاريخ الرسمي هو ما يجعل من زرق العيون الشخصية الأكثر إثارة للجدل فهو البطل والمصفي في آن واحد.
وتأتي عملية فرانكفورت في 12 أوت 1961 لتكون الذروة في مسيرة هذا الرجل الرمادي. اغتيال صالح بن يوسف لم يكن مجرد تخلص من خصم سياسي بل كان عملية جراحية لاستئصال الرأس الثاني للزعامة التونسية.
زرق العيون بدم بارد وبرؤية استراتيجية استدرج ابن خالته إلى فندق رويال مستغلاً صلة الرحم لتمهيد الطريق لفرقة الاغتيال. وفي تلك الغرفة رقم 61 سقط بن يوسف برصاصات كاتمة للصوت وسقطت معه إمكانية التعددية في تونس لثلاثة عقود.
يكشف الأرشيف الألماني وتقارير الشرطة الاتحادية أن القتلة ومن خلفهم زرق العيون تحركوا بحماية دولية حيث فتحت المخابرات الفرنسية ممرات آمنة للانسحاب.
كانت تصفية بن يوسف مصلحة مشتركة بين بورقيبة الذي أراد الحكم الفردي وبين القوى الاستعمارية التي كانت تخشى من تمدد العروبة.
وظل زرق العيون بعد ذلك يمارس سلطة تتجاوز الحقائب الوزارية فهو رئيس مجلس المقاومين وهو عضو المحكمة العليا التي حاكمت أحمد بن صالح في السبعينات وهو الحارس الأمين للأرشيف الأسود الذي يرتعد منه الجميع.

شخصية زرق العيون هي تجسيد لظاهرة رجل المهمات القذرة الذي تحتاجه الأنظمة السلطوية ليبقى الزعيم الملهم بعيداً عن الشبهات.
هو الشخص الذي يغوص في الأقبية ليبقى القصر نظيفاً
ومع ظهور هيئة الحقيقة والكرامة بعد ثورة 2011 بدأ هذا الأرشيف ينطق بالحقائق المرة.
كشفت الشهادات عن فظاعات صباط الظلام وعن عمليات تزييف الوعي الوطني التي شطبت تاريخاً كاملاً لقطاع واسع من التونسيين.
البشير زرق العيون الذي رحل في 18 جانفي 1999 لم يأخذ أسراره معه بالكامل فالجدران في تونس لها آذانوالأرشيفات الدولية لا تموت.
بُنيت الدولة التونسية الحديثة على جريمة مؤسسة وكان زرق العيون هو المقاول الأول في موقع البناء هذا.
إننا اليوم ونحن نعيد قراءة هذه المسيرة لا نحاكم شخصاً بقدر ما نحاكم نهجاً سياسياً رأى في تصفية الخصم وسيلة وحيدة للاستقرار.
يظل زرق العيون هو الظل الذي يطارد الدولة البورقيبية والاسم الذي يذكرنا دائماً بأن الحرية التي نتمتع بها اليوم سُقيت بدم وصمت وخيانات وبأن التاريخ مهما حاول الأقوياء كتابته بمداد الزهو سيظل يكتبه الضحايا بمداد الوجع والبحث عن الحقيقة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق