مقالات عن: فوزي مسعود

من يدرّس الشعر ليس شاعرًا، ومن يدرّس الفلسفة ليس فيلسوفًا

2026-03-27 216 قراءة فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هذا الذي أقوله يُفترض أنه بديهي، لكن لعلّ التذكير به يساهم في التنبيه إلى غفلة تلمّ بالكثيرين ممن يقعون في هذا الخلط المبني على فرضية غير سليمة

فالناس تدرك باطمئنان أن من يتحدث في الأدب ومن يدرّسه ليس بالضرورة أديبًا حائزًا على مَلَكَة الكتابة الأدبية

والناس تدرك كذلك بيسر أن من يتحدث في الشعر ويعرف فحوله وتفاصيله، سقيمه وجيّده، لا يعني أنه شاعر حائز على مَلَكَة قول الشعر

لكن لسبب ما، تنعدم لدى البعض هذه القدرة على التفريق، وتتعطل حينما يتعلق الأمر بالفلسفة؛ لذلك يفترض هؤلاء، من عند أنفسهم، أن مدرّس الفلسفة الخائض في معارفها، المطلع على رموزها ودقائق أقوالهم، تفترض أنه فيلسوف حائز على مَلَكَة التفكير الفلسفي. وهذا تصور فاسد لا يصح، إذ المختص في معارف الفلسفة ليس بالضرورة منتجًا للفلسفة

وهذا الخلط هو أحد مظاهر عدم التفريق بين المعرفة والفكر، وبيانه كما يلي:

- التدريس والاطلاع على اختصاص ما هو تعلق بمساحة المعارف، فهو معالجة لحقل معانٍ معلومة ابتداءً، بينما إنتاج الأدب أو الفلسفة يتعلق بتوليد معنى جديد

لذلك فالمعرفة "معالجة" لمعنى موجود، بينما الفكر "إنتاج" لمعنى جديد من حقل مجاهيل

- معالجة المعنى، أي المعارف، هي لازم الاختصاص، ومنها التدريس، بينما إنتاج معنى جديد ليس له تعلق بالاختصاص.

لذلك يمكن أن تدرس وتختص في الشعر، لكن لا يمكن أن تدرس لكي تصبح شاعرًا، لأن إنتاج المعنى موهبة وليس كفاءة تُنمّى بالدراسة

- بنفس التناول يمكن أن تدرس وتصبح مختصًا في الفلسفة، أي تتمكن من كمّ معانٍ فلسفية موجودة مثل أقوال الفلاسفة ونظرياتهم، لكن لا يمكنك أن تدرس وتختص لتصبح فيلسوفًا، أي منتجًا للمعنى الفلسفي الجديد

لذلك يدرس الفرد لكي يصبح مختصًا في الشعر أو الفلسفة، لكنه لا يمكنه أن يدرس ليصبح شاعرًا أو فيلسوفًا.

- إذن الفرق بين المعرفة والفكر هو الفرق في طرق التعامل مع حقل المعاني؛ فالمعرفة "معالجة" لمعنى معلوم، بينما الفكر "بحث وإنتاج" لمعانٍ جديدة.
لذلك شُبّهت المعرفة بعملية الاشتقاق الرياضي (dérivé) التي تُسلِّم بالموجود وتتعمق في تفريعاته، بينما التفكير هو من نوع عملية التكامل الرياضي (primitive) الذي ينظر إلى الأعلى ويسائل البدايات أي البحث في حقل المجاهيل

- من زاوية الفهم هذه التي تنظر في التفريق المنهجي بين المعرفة والفكر، فإنه يمكن أن تجد مختصا في الفلسفة يقول كلاما سطحيا بسيطا كسائر الناس، وليس علينا أن نستغرب من ذلك، لأنه إنما نال اختصاصه العلمي في الإحاطة المعرفية وليس في قدرات التفكير الأصيل
بالمقابل قد تجد من ينتج المعنى الجديد أي التفكير الفلسفي وهو غير مختص بالفلسفة أصلا

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق