عموماً، نحن "أهل السنة والجماعة" لا نريد أن نفهم ما يحصل في إيران، ولا نريد أن ندرك أنه قد حصل فعلاً تحوّل جذري هناك بعد ثورتها سنة 1979، وأن إيران الحالية، على الأقل على مستوى رموزها وجهازها الثوري، تُدار بمشروع عقدي يعتمد مركزية الإسلام كمنظومة عقدية عليا، وهو مشروع يقترب كثيراً من مشاريع الحركات الإسلامية لدينا في خطوطه العريضة
لكن حين يكون أحدنا خاضعا لمسلّمات وتنميطات جاهزة تفسّر لنا الأحداث وتوجّهها، فإنه سيعجز عن استيعاب الحقائق.
وفي حالة إيران الحالية، فإن ما لا يُراد إدراكه من طرف رافعي لواء "أهل السنة والجماعة" هو أنه في إيران يتم هناك فعلاً استحضار معاني استعلاء المسلم ورفضه الخضوع، وهي معانٍ متفرعة من عزة المسلم والإسلام، وقد تم تكثيفها من خلال استحضار نماذج التضحية والفداء في حادثة كربلاء ومقتلة الحسين وأهله من طرف رموز الثورة المضادة للإسلام، ممثلة في معاوية وصحبه
لذلك، فإن عموم ما نراه من تساهل أمني انتهى باغتيال الرموز العليا في إيران يمكن تفسيره، إضافة إلى احتمال الاختراق الأمني، بشيوع عقلية الشهادة والتضحية التي تجعل هؤلاء الرموز (خامنئي، لاريجاني...) لا يختفون رغم معرفتهم بأنهم محل استهداف
-------
الحقيقة أنه لو تحررنا من ضغط عمليات التوجيه الذهني الثقيلة التي تمنعنا من فهم ما يحصل، وتُصرّ بخبث على استحضار مصطلحات دعائية تشويهية من نوع "المجوس" و"الروافض" لتفسير الواقع، لأدركنا أن ما يحصل في إيران هو نماذج للمسلم ذي العزة، وهي معاني الرفض وعدم التسليم للمُغالِب العقدي، أي المركزية العقدية الغربية المعادية
بهذا المعنى، فإن ما حصل في إيران حالياً حصل مثله في غزة من طرف الأبطال هناك: السنوار، والضيف، وهنية، وحصل مثله من طرف رموز مقاومة القوى الغربية مثل عمر المختار وغيرهم
ولو تحررنا من ضغط آلة الدعاية السعودية وتفريعاتها الموظَّفة للتاريخ، لأدركنا أن إيران تمثل لبنة في مسار قَوْمة الإسلام ومغالبة الغرب، ولها مشروع يمكن الاستفادة منه لبناء مسارنا نحن أيضاً، المعتمد على الإسلام المستقل لا التابع للغرب؛ إسلام الثورة والإباء، لا إسلام الخضوع والتسليم كما يُراد لنا، مثلما هو حاصل لدينا، وأبرز نماذجه ممالك الخليج، حيث تحوّل الإسلام إلى أداة ترويض وإخضاع لمصلحة الغرب
التشبّع بمعاني الشهادة يفسّر ضعف الحسّ الأمني لدى القادة الإيرانيين
2026-03-17
161 قراءة
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن