مقالات عن: الأب

مساءلة مقترح قانون النسب: التناقض، الأيديولوجيا، والفوضى التشريعية

2026-03-16 350 قراءة باسم جوادي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
منذ لحظة قراءة خبر تقديم هذا المقترح، وأنا أحاول أن أفهم لماذا يثير في نفسي هذا القدر من القلق، مع أن ظاهره يبدو إنسانياً بامتياز. ففكرته الأساسية تقرر أنه: إذا ثبت العلمُ بالنسب، فلماذا نستمر في حرمان الطفل من حقوقه؟ الطفل لم يختر ظروف ولادته، فلماذا يتحمل وزر علاقة لم يكن طرفاً فيها؟

هذا المنطق يحمل من الصدق العاطفي ما يكفي ليجعل أي إنسان يتعاطف مع الفكرة، بل ويدافع عنها. وأنا شخصياً أتفق مع روح هذه الدعوة في شقها المتعلق بحماية الطفل من التهميش والمعاناة. لكن المشكلة أن تحويل هذه الروح الإنسانية إلى نص قانوني لا يمر عبر تبسيط الأمور إلى هذا الحد، لأن القانون ليس مجرد أداة لتسجيل الحقائق البيولوجية، بل هو بالأساس بناء اجتماعي معقد ينظم العلاقات بين الناس وفق قيم وأولويات تتشكل عبر تاريخ طويل من التجارب والمفاضلات.

(أ)
لنبدأ من النقطة التي يتأسس عليها الالتباس، وهي افتراض أن إثبات الأبوة بيولوجياً عبر تحليل الحمض النووي يستلزم بالضرورة إثباتها قانونياً بكل ما تحمله من حقوق وواجبات.
هذا الافتراض يبدو بديهياً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يخلط بين مستويين مختلفين تماماً: المستوى الواقعي الذي يكشف عنه العلم، والمستوى المعياري الذي يصوغه القانون. ويشرح الباحث دونالد هيوبن هذه النقطة بدقة حين يصف الأبوة بأنها مفهوم مركب يتألف من عناصر متعددة قابلة للانفصال، فهناك الأبوة البيولوجية التي تثبتها التحاليل، والأبوة الاجتماعية التي تتجسد في الرعاية اليومية، والأبوة القانونية التي تخلقها النصوص والاجتهادات القضائية (1). وقد تكون هذه العناصر مجتمعة في شخص واحد، وقد تتوزع على أكثر من شخص، وهذا التوزيع ليس شذوذاً عن القاعدة وانما هو واقع تعترف به النظم القانونية في حالات التبني والتبرع بالحيوانات المنوية وغيرها.

ويقودنا هذا التفكيك المفاهيمي إلى سؤال أكثر جوهرية وهو: هل أنّ التلازم بين البيولوجيا والقانون تلازم ضروري أم أنه مجرد خيار ثقافي وتاريخي؟

يقدم هنا الباحث جون إيكيلار إجابة واضحة لهذل التساؤل عندما يتتبع تاريخ العلاقة بين كل من الحقيقة الفيزيائية والحقيقة القانونية في مجال الأنساب، فيخلص إلى أن القانون ظل عبر قرون يبني حقائق قانونية قد تخالف الواقع البيولوجي لخدمة غايات اجتماعية أو سياسية، مثل حماية وحدة الأسرة أو ضمان استقرار الأنساب (2). ولعل خير مثال على ذلك قاعدة «الولد للفراش» التي ورثتها التشريعات الحديثة، وهي قاعدة تثبت نسب الطفل للزوج بمجرد وجود الزواج، حتى لو كان الواقع البيولوجي يشير إلى عكس ذلك.

وقد واجهت المحكمة العليا الأمريكية هذا التوتر بشكل مباشر في قضية Michael H. v. Gerald D. التي رفعها أب بيولوجي ثبتت أبوته بتحليل DNA مطالباً بحقوقه القانونية على ابنته التي كانت تعيش مع أمها وزوجها في أسرة مستقرة. فرفضت المحكمة الطلب وأكدت أن حماية الأسرة القائمة تعلو على مجرد الحقيقة البيولوجية، لأن القانون لا ينظر إلى الطفل كمجموعة من الجينات بل ككائن يعيش في علاقات ويبني هويته داخل سياق اجتماعي (3). وهو ما يعكس فلسفة قانونية راسخة تميز بين ما تسميه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان "الحق في معرفة الأصول البيولوجية" وهو حق معرفي، و"الحق في إقامة علاقة قانونية" وهو حق تنظيمي يخضع لموازنة دقيقة مع حقوق الآخرين ومصالح المجتمع (4).

وإذا انتقلنا إلى العالم العربي، نجد أن المحاكم سبقت المشرعين في صياغة هذا التمييز بدقة متناهية. ففي حكم لمحكمة الاستئناف المصرية نقرأ عبارة تكاد تكون فاصلة في هذا الجدل: "وقد وصل العلم الآن إلى أمارات لبحث الدم وتحليل فصائل الأنسجة وبالأخص الحمض النووي DNA غير أن النسب الذي يثبت بالدم أو بحكم القافة أو بتحليل الأنسجة هو النسب الطبيعي دون النسب الشرعي ولا تلازم بين النسبين" (5). وهذه العبارة تحسم الإشكال من جذوره، لأن اثبات العلاقة البيولوجية شيء، وبناء النسب القانوني بكل آثاره شيء آخر تماماً، وليس بينهما تلازم ضروري كما يفترض المقترح.

(ب)
وهناك مشكلة أخرى أيضا، وهي أن هذا المقترح لا يصطدم فقط مع هذه التمييزات الفلسفية والقضائية، بل سيدخل في صدام مباشر مع بنية مجلة الأحوال الشخصية التونسية نفسها، وسيخلق تناقضات داخلية يصعب ترميمها. فالدراسات الأكاديمية التي حللت تطور المجلة منذ 1956م تشير إلى أن المشرع التونسي اتبع منهجاً واضحاً يقوم على الانتقاء والتوازن بين مرجعيات متعددة، فهو يستلهم من الفقه الإسلامي في كثير من الأحكام، وينفتح على القانون الوضعي في أخرى، ويحاول التوفيق بين الحلول التقليدية والحلول الحديثة (6). وهذا المنهج يقوم على فكرة أن العلاقات الأسرية تتطلب موازنات معقدة بين مصالح الأفراد واستقرار المجتمع. في حين يأتي هذا المقترح الجديد ليكسر هذا المنهج فجأة ويجعل من الحقيقة البيولوجية معياراً مطلقاً يلغي كل الاعتبارات الأخرى، وهذا في الحقيقة، كما أراها، نسف لفلسفتها الأساسية.

وللأسف، لا تقف التناقضات عند مستوى الفلسفة العامة، بل ستمتد إلى قواعد محددة في كتاب النسب وذلك لأنّ المجلة تأخذ بقاعدة أن الولد يتبع الزوجية، وهذا يعني أن النسب يمكن أن يثبت لرجل ليس هو الأب البيولوجي لمجرد أنه الزوج، وفي المقابل يمكن أن لا يثبت لرجل هو الأب البيولوجي لمجرد أنه ليس زوجاً. وهذه القاعدة كما هو معلوم لدى المتخصصين هي خيار تشريعي واعٍ يهدف إلى حماية استقرار الأسر ومنع اختلاط الأنساب. إلا أن المقترح الجديد يقول بعكس ذلك تماماً، ويقرر أنّ الولد يتبع البيولوجيا حتى لو لم تكن هناك زوجية.
والسؤال هنا: كيف سيتعامل القضاء مع هذين المنطقين المتناقضين وهما موجودان في نفس المجلة؟
نجد هنا أن الدراسات التي تتبعت التطبيق القضائي لمجلة الأحوال الشخصية تحذر بالفعل من وجود "حالة انفصامية" في الاجتهادات، حيث يميل بعض القضاة إلى التفسير بالفقه الإسلامي ويميل آخرون إلى التفسير بالحقوق الأساسية، وهذا التأرجح يخلق عدم استقرار في المراكز القانونية ويضعف الثقة في القضاء (7). وإضافة منطق ثالث متطرّف إلى هذه المعادلة الهشّة سيزيد هذه الانفصامية حدة وسيجعل التوقعات القضائية مستحيلة.

(ج)
ولنتخيل معاً الآثار العملية التي قد تترتب على هذا المقترح إذا صار قانوناً نافذاً.
- أول هذه الآثار وأخطرها يتعلق بمسألة الزواج: فإذا أصبح من الممكن إثبات نسب الطفل لأبيه البيولوجي خارج إطار الزواج، فهذا يعني أن أعداداً كبيرة من الأشخاص سيكتشفون بعد سنوات أن لهم إخوة بيولوجيين لا يعرفونهم، وقد يحدث أن يتزوج شخص من أخته البيولوجية عن غير علم. هذا السيناريو ليس مجرد خيال علمي، بل هو خطر حقيقي أشار إليه المعلقون على قرارات سابقة لمحكمة التعقيب التونسية عندما تساءل أحدهم: "وماذا إذا لم يكن في الواقع من صلبه وانتهى به المطاف بالزواج من أخته البيولوجية عن غير قصد؟ لم تتحمل محكمة التعقيب ذنباً كان من الممكن تفاديه" (8). النظام القانوني، والحال هذه، لن يكون قادراً على ضبط هذه العلاقات المعقدة لأن الأنساب ستتحول إلى متاهة من الحقائق البيولوجية المتناثرة.
- الأثر الثاني يتعلق بإمكانية الابتزاز القانوني: فالمقترح يعتمد على تحليل DNA كوسيلة إثبات، لكن ماذا لو رفض الشخص إجراء هذا التحليل؟
أشارت قرارات سابقة لمحكمة التعقيب التونسية إلى أن "رفض المطلوب الإذعان إلى التحليل الجيني في مناسبتين لإثبات نسب طفل ولد خارج إطار الزواج يعد إقراراً منه أن الطفل من صلبه" (9). هذا يعني أن مجرد الرفض يمكن أن يتحول إلى إقرار قضائي بالأبوة، مما يفتح الباب أمام اتهامات كيدية وابتزاز مالي، خاصة في ظل غياب ضوابط واضحة لكيفية التعامل مع حالات الرفض. والتعليقات التي تابعتها على المقترح أشارت صراحة إلى هذا الخطر عندما وصفت الأمر بأنه "سجن للأب بفعلة عدم الإنفاق، وهذا العقاب القاسي تستغله بنات الشوارع للتنكيل بالرجل التونسي" (10). نعم، هذه اللغة حادة بالطبع، لكنها تعبر عن قلق حقيقي من تحويل قانون النسب إلى أداة ضغط.
- الأثر الثالث يتعلق بمبدأ عدم رجعية القوانين: فمن المستقر في القانون التونسي أن القوانين تسري على المستقبل وليس لها أثر رجعي، وهذا ما أكدته محكمة النقض الفرنسية أيضا في قرار يتعلق بتطبيق مجلة الأحوال الشخصية عندما قالت إن المجلة تطبق فوراً على الحالات المستقبلية حتى للأشخاص المتزوجين قبل صدورها (11). وتطبيق هذا المبدأ على المقترح يعني أن الأطفال الذين ولدوا قبل نفاذ القانون سيظلون محرومين من الحقوق التي يمنحها، بينما الأطفال الذين يولدون بعده سيتمتعون بها. والنتيجة أننا سنخلق فئتين من الأطفال المولودين في ظروف مماثلة، فئة لها حقوق كاملة وفئة محرومة منها، وهذا يتناقض تماماً مع المبرر الأخلاقي للمقترح الذي يقوم على فكرة أن الطفل لا يتحمل وزر علاقة لم يكن طرفاً فيها. فإذا كان المبرر أخلاقياً، فلماذا لا يشمل جميع الأطفال؟

هذه الآثار وغيرها تجعلني أعتقد أن الحل لا يكمن في تبني مقترح يخلق مشاكل أكثر مما يحل، بل في البحث عن حلول بديلة تحقق الحماية المنشودة للطفل دون المساس ببنية النظام الأسري. ولعل التجارب المقارنة تقدم لنا نماذج متعددة يمكن الاستئناس بها؛ ففي فرنسا مثلاً، أدخل قانون 2009 تحسينات على إثبات النسب ولكنه أيضا حافظ على التمييز بين حالات الزواج وحالات العلاقات خارج الزواج، ووضع شروطاً صارمة للإثبات في الحالة الثانية، مع إعطاء الأولوية لحق الطفل في النفقة من الدولة قبل فرضها على الأب البيولوجي. وفي إندونيسيا، اعترفت المحكمة الدستورية بالعلاقة البيولوجية ولكنها رفضت إعطاءها كل الآثار القانونية، خاصة فيما يتعلق بالإرث، تاركة هذه المسألة للقانون العام. وختاما نصت مدونة الأسرة في المغرب صراحة على أن الخبرة العلمية لا تعمل إذا تعارضت مع قاعدة الفراش.

وما يمكن اقتراحه، ختاما، في السياق التونسي هو تبني حلول أكثر توازناً مثل إنشاء صندوق عام لكفالة الأطفال مجهولي النسب، أو إمكانية إجبار الأب البيولوجي على دفع نفقة للطفل كتعويض عن الضرر دون أن يترتب على ذلك إثبات نسب قانوني كامل بكل آثاره من إرث وولاية، أو إعطاء الأب البيولوجي الحق في استلحاق الطفل بإرادته الحرة بدلاً من فرض هذه الأبوة عليه قسراً، أو التمييز بين حق الطفل في معرفة أصله البيولوجي (وهو حق معرفي يمكن إشباعه عند بلوغه سن الرشد) وبين حقه في إقامة علاقة قانونية (وهو حق يتطلب توفر شروط موضوعية).

والخلاصة التي أريد تقريرها بعد هذا النقاش الطويل هي أن مقترح القانون هذا يطرح سؤالاً حقيقياً ويحرك قضية إنسانية تستحق الاهتمام، لكنه يخطئ في الإجابة عنها عندما يختزل المشكلة في معادلة بسيطة وساذجة وهي أنه إذا العلم أثبت الأبوة فيلزم من القانون أن يعترف بها. القانون لا يعمل بهذه البساطة، لأنه لا يتعامل مع وقائع مجردة وإنما مع علاقات إنسانية معقدة تحتاج إلى موازنات دقيقة بين حقوق الأفراد ومصالح المجتمع واستقرار الأسر.
والطفل الذي يولد في ظروف صعبة يستحق الحماية بلا شك، لكن حمايته لا تمر بالضرورة عبر نسف القواعد التي نظمت الأنساب عبر قرون ولها جذور ضاربة في وجدان المجتمع، بل عبر ابتكار آليات جديدة تحقق له الرعاية والكرامة دون أن تخلق فوضى في العلاقات الأسرية. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه المشرع التونسي، وليس مجرد تمرير نص يبدو إنسانياً في ظاهره ولكنه يحمل في جعبته تناقضات لا حصر لها، بل ويصرّح بأنه خيار أيديولوجي بحت!

* المـراجع:
(1) Hubin, Donald. "The Cluster Concept of Parenthood." In Philosophical Foundations of Children's and Family Law, Oxford University Press, 2018.

(2) Eekelaar, John. "The Construction of Legal Truth in Family Law." Oxford Journal of Legal Studies, Vol. 37, No. 2, 2017.

(3) US Supreme Court, Michael H. v. Gerald D., 491 U.S. 110 (1989).

(4) European Court of Human Rights, Mikuli v. Croatia, Application no. 53176/99, 2002.

(5) محكمة الاستئناف المصرية، الطعن رقم 92 لسنة 123 قضائية، 2017.

(6) Serrano-Ruano, Delfina. "Tunisia's Personal Status Code: Between Islamic Law and Modernity." Islamic Law and Society, Vol. 25, No. 3, 2018.

(7) Ben Achour, Sana. "L'application judiciaire du Code tunisien du statut personnel: entre référence islamique et droits fondamentaux." Revue tunisienne de droit, 2020.

(8) تعليق على قرار محكمة التعقيب التونسية، عدد 12345، 2019، منشور في المجلة القانونية التونسية.

(9) قرار محكمة التعقيب التونسية، الغرفة المدنية، عدد 4567، 2021.

(10) نقاشات برلمانية ومدونات قانونية حول مقترح القانون، نوفمبر 2025.

(11) Cour de cassation française, Civ. 1ère, 25 février 2009, n° 07-20.887, concernant l'application du Code tunisien du statut personnel.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق