مقالات عن: أبو يعرب المرزوقي

"عثمان الخميس" و"أبو يعرب المرزوقي": تذكير بحقيقة أن أصحاب المعارف يكرّسون الواقع

2026-03-08 686 قراءة فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كانت آراء أبي يعرب المرزوقي (*)، التي انتهت إلى اعتبار أن إيران أخطر علينا من إسرائيل، مفاجأةً للكثير من التونسيين.
وكما يبدو من الردود، فإن سبب الاستغراب هو أن المرزوقي رجل فلسفة وعَلَم فيها

الحقيقة أنني لم أستغرب مما قاله، وتحديدًا لم أستغرب بسبب كونه مختصًا في الفلسفة، أي لأنه رجل معرفة

من يتابعني لعله يذكر كم مرة سبق أن كتبت عن الفرق بين المعرفة والفكر، وأن المعرفة معالجة لحقل معانٍ معروفة، أي إنها نوع من الاشتقاق الرياضي
وهذا غير التفكير المتحرر من التأطيرات المعرفية، الذي يشبه التكامل الرياضي ذي الأفق غير المحدود (1)

وقلت إن أصحاب المعارف عمومًا يكرّسون الموجود، وإن من يريد تغيير الواقع لا يجب أن يلتفت كثيرًا لأصحاب الاختصاص والمعارف

نتيجةً لهذا التصور، فإن المشكل لا يوجد لدى أبي يعرب المرزوقي، وإنما يوجد لدى ممن وضع أبا يعرب في مكانة غير مكانته، أي من يخلط بين المعرفة والتفكير، ويفترض أن صاحب المعرفة إنسان ذو تفكير حر يمكن أن يخرج عن تأطيرات الموجود في تأسيساته

-------

بعض العينات التي تؤكد التصور الذي أقدمه حول أن أهل المعارف يكرّسون الواقع ويدافعون عنه، ما صرّح به الشيخ الدكتور "عثمان الخميس"، الذي اعتبر العاملين على منصات "الباتريوت" في الكويت مجاهدين، وأن رميهم سيسدده الله، علمًا أن هؤلاء يخدمون في الرادارات التي تحمي إسرائيل.
و"الخميس" أيضًا سبق أن اعتبر "حماس" منحرفين عقديًا، وأن أهل غزة يعانون بسبب ذنوبهم. كما أن "الخميس" كرّس "مجهوده الدعوي" منذ أول الألفية لشرح "خطر الروافض" وإعادة النفخ في عراك الصحابة وحكاية أم المؤمنين.
وفي كل الحالات لم يذكر "الخميس" إسرائيل بسوء، تمامًا مثلما لم يفعل أبو يعرب المرزوقي أيضًا

وأزيدك من الشعر بيتًا، فإن أبا يعرب المرزوقي ليس بأكثر تعمقًا في الفلسفة، أي اختصاصه المعرفي، مثلما كان الطاهر بن عاشور متعمقًا في الإسلاميات، ولم يمنع هذا الزاد المعرفي ابن عاشور من أن يكون مجرد رجل معرفة يُوظَّف مباشرةً، أو ضمنيًا بسكوته، لتكريس الاحتلال الفرنسي لتونس ثم لتأسيس مسار الاقتلاع العقدي الذي تعرضت له تونس منذ عقود

إذن يجب علينا عدم اعتماد رجال الاختصاص والمعرفة قدواتٍ في المسائل المتعلقة بتغيير الواقع، وعلينا التخلي عن الفرضيات غير السليمة التي تقول إن صاحب المعرفة أكثر قدرةً تفكيرية وأكثر تحررًا فكريًا؛ لأنها فرضية غير سليمة نظريًا، ثم إن الواقع لا يدعمها
ولهذا السبب طالما حذرت من المشتغلين بالإسلاميات (علماء)، لأنهم أصحاب معرفة ينطبق عليهم ماكنت أقوله عن أهل الإختصاص والمعرفة

بالمقابل، فإن الأصح هو أن أصحاب المعرفة لا يجب التوقف كثيرًا عند آرائهم، لأنها الأرجح ستكون صدى للحقل المعرفي موضوع الاختصاص وطرق فهمه المتحكَّم فيها ابتداءً، أي ستكون آراء لا تتجاوز الواقع

———
(*) ما أكتبه هنا كلامٌ بمحورية الفكرة لا بمحورية العينة والفرد؛ بمعنى آخر، لا يهمني كثيرًا أبا يعرب المرزوقي كفرد، ولا يجب أن يُفهم ما أقوله على أنه نوع من التجريح الشخصي أو غيره

(1) هناك نوع آخر من التفكير المعرفي وهو لايدخل في نوع التفكير الذي أقصده، ويبقى فعلا معرفيا
وكل هذا يمكن الإطلاع عليه في ما كتبته سابقا، على موقع "بوابتي"

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق